8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مصالحة الشمال التاريخية على صورة 14 آذار ومثاله

سلّط الاحتشاد الشعبي الذي بلغ عشرات الآلاف في عكار أول من أمس، الضوء على مجموعة من المعاني والدلالات، بعضها بـ"مفعول رجعي" وبعضها الآخر ذو طابع راهن وتاريخي (ومستقبلي).
"المفعول الرجعي"
أما "المفعول الرجعي" فهو أنّ "المشهد" الذي كان في استقبال سعد رفيق الحريري "يفسّر" الى حدّ كبير لماذا كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري ممنوعاً من زيارة هذه المنطقة من قبل النظام المخابراتي السوري ـ اللبناني. ذلك أن القرار السوري في زمن الوصاية كان بمنع الرئيس الشهيد من أن يكون لتياره امتداد شعبي ـ سياسي ـ وطني في المناطق كافة، وكان بحصر ذلك المارد في قمقم، وكان باقتصار تمثيله في جزء من الطائفة السنّية، حيث سنّيته في هذه الحالة هي لبنانيته، ومنعه من أن يترجم حقيقة كونه الزعامة الإسلامية المعتدلة المنفتحة على مختلف البيئات.
ولذلك كان إصرار سعد على زيارة عكار والضنية كبيراً. جادله كثيرون طالبين منه إلغاء هذه الزيارة التي تأتي في سياق متوتر، خصوصاً بعد المعلومات عن استهداف أمني لأركان المعارضة، وهي المعلومات التي قال الزعيم المعارض وليد جنبلاط انها أفضت الى اتفاق بينه وبين سعد على إلغاء الاحتفالات الانتخابية. غير أن سعد الذي وضعَ الذهاب الى هذه المنطقة الشمالية بمصاف الوصيّة من والده الشهيد، أراد بالرغم من كل شيء رسم حدّ فاصل بين زمن الوصاية وممنوعاته وبين زمن الاستقلال ومقتضياته.
المصالحة الشمالية التاريخية
وإذا كان "المفعول الرجعي" للحدث الشعبي العكاري قد أعاد الاعتبار لـ"موقعية" الرئيس الشهيد الذي كان يطمح الى أن يكون مشروعه عابراً للمناطق والطوائف، فإن المعنى الكبير لهذا الحدث لا يقل عن كونه مصالحة تاريخية إسلامية ـ مسيحية شمالية قطباها "تيار المستقبل" و"القوات اللبنانية".
فأن تشارك ستريدا جعجع على رأس وفد قواتي كبير في الاحتفال الشعبي لإعلان "لائحة الوحدة الوطنية"، وأن تُستقبل بحفاوة من مشايخ عكار وفاعلياتها، وأن تشبك الأيدي مع سعد الحريري أمام الحشود، فمعنى ذلك أن الوضع اللبناني الشعبي متعطش للمصالحات ولطي صفحات الماضي.
ومعنى ذلك أيضاً أن كل التحريض الذي تقوم به بقايا النظام المخابراتي، والذي اشتغل أصحابه خلال الأيام الماضية للقول إن الناخبين المسلمين لن يصوتوا لمرشحي "القوات"، إنما سقط على أرض الواقع، واقع المصالحة التاريخية المتوّجة أول من أمس.
ولا تقل مصالحة الشمال التاريخية أهمية عن مصالحة الجبل التاريخية المتحققة في العام 2001 بزيارة البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير الى الشوف والعرين الجنبلاطي في المختارة، والمتوّجة بلائحتي المصالحة والوحدة الوطنية في دائرتي الشوف وبعبدا ـ عاليه، وهما اللائحتان المجسدتان للتعدد والتنوع في جبل لبنان.
التحالفات الوطنية في الانتخابات
على أن أحد المعاني الكبيرة لـ"الحدث العكّاري"، هو أنه أتى يؤكد مصداقية المعارضة عندما أكد معظم أركانها أن التحالفات السياسية في الانتخابات ستعوّض عن مساوئ القانون الذي تجري هذه الانتخابات على أساسه.. لا بل ثبت بالملموس أن لوائح المعارضة ليست لوائح تحالفات سياسية عادية أو محاصصات "فوقية"، بل هي لوائح مصالحات فعلية على صورة 14 آذار ومثاله، وثبت بالملموس أيضاً أن الانتخابات بقدر ما هي فرصة أمام اللبنانيين لتأييد المعارضة بهدف إنماء النظام المخابراتي، واستعادة البلاد للنظام الديموقراطي، إنما هي (الانتخابات) مناسبة لتحقيق المزيد من المصالحات.
وبهذا المعنى، نجحت المعارضة حيث أخطأ العماد ميشال عون. فبينما ذهب الجنرال الى المصالحة مع النظام المخابراتي ورموزه ووجوه حقبة الوصاية السورية، ذهبت المعارضة الى ترجمة التلاقي السياسي الى مصالحات وطنية على المستوى الشعبي. ولذلك، فعندما أطلت لوائح المعارضة في الجبل والشمال.. والبقاع، استقبلت بترحيب شعبي كبير، تماماً لأنها عكست صورة البلد كما هو وكما يجب أن يكون، بينما كانت لوائح عون مخالفة لـ"الطبيعة". ومن هنا تبدو المعارضة منطلقة نحو المعركة الانتخابية وفي رصيدها نقطتان تسبقان الاقتراع: المصالحة والتعدد، وهما أهم من كل الضجيج حول "البرامج الإصلاحية".
إذاً "المشهد العكاري" الذي ذكّر بمصالحة الجبل، وإن كان ذا خصوصية شمالية، أرخى بظله على مجريات المعركة الانتخابية الجارية، وحتى قبل حصوله كان البطريرك صفير يعرب أمام زوّاره في الأيام القليلة الماضية عن ارتياحه الى مسار التحالفات الوطنية، والى الموقف الذي اتخذته المعارضة تأجيلاً للاعتصام في محيط قصر بعبدا.. ومن الواضح أن بروز نتائج انتخابية على النحو الذي تتطلع اليه المعارضة، سيبدّد هواجس البطريرك ومخاوفه.
الخطاب الإسلامي ـ المسيحي الموحّد
فبالرغم من التحريض على المعارضة من قبل النظام المخابراتي وحلفائه الجدد، يتبين الآتي:
1 ـ إن المسلمين لا يفرضون الممثلين المسيحيين، والمسيحيون على لوائح المعارضة يمثلون تيارات سياسية ذات وزن وحجم تمثيلي حقيقيين.
2 ـ تستطيع ستريدا جعجع مثلاً أن تعقد مؤتمراً صحافياً لتعلن أسماء مرشحي "القوات" في مختلف الدوائر، فخورة بالتحالف الوطني الذي تشكل جزءاً فاعلاً ضمنه، تماماً كما فعل الرئيس أمين الجميّل أيضاً.
3 ـ إن المجلس النيابي الجديد سيضم تيارات وشخصيات سياسية أبعدها نظام الوصاية عن الحياة البرلمانية، وستكون هذه التيارات مكوّناً عضوياً في حكومة الاتحاد الوطني.
4 ـ وخلافاً لما كان يريده المحرّضون، فإن الخطاب السياسي للشريكين المسلم والمسيحي، شبه موحّد وعنوانه الالتزام بتنفيذ الطائف، الأمر الذي يغيب عن خطاب عون وحلفائه، حيث لم يُذكر اتفاق الطائف ولو مرة واحدة. وأن يكون خطاب الشريكين المسلم والمسيحي موحّداً، فمعنى ذلك أن شرط تطبيق الطائف هو المصالحة والوحدة الوطنيتان، وأن استباق الانتخابات بالمصالحة والوحدة كان لا بدّ منه كممهّد لإعادة تكوين السلطة بعد الانتخابات على أساسهما.
سعد الحريري والطائف
5 ـ وأن يقول سعد الحريري، نجل "صانع الطائف"، إن اتفاق الطائف لم ينفذ بمعظم بنوده خلال الخمسة عشر عاماً الماضية، فليس في ذلك إدانة لحقبة الوصاية السورية فقط، وليس فيه من رأي الرئيس الشهيد، الكثير وحسب، بل هو أساساً إعلان عن التزام بالشراكة الوطنية، الإسلامية ـ المسيحية. وإذا كان سعد في طريقه الى ترؤس كتلة نيابية كبيرة من مختلف المناطق، فإنه وهو الوفي لتراث والده الشهيد الذي فجّرت جريمة اغتياله أكبر صحوة وطنية، يكرّر في خطابه "لازمة" الوحدة الوطنية من دون كلل أو ملل. إن تحالف الأقوياء في بيئاتهم، والمصالحات بين قواعدهم، إن ذلك كله يعزز الثقة بالمستقبل بقدر ما يغيظ النظام المخابراتي ورموزه. غير أن الأهم وسط هذه الصورة كلها، هو أن الاستقلال اللبناني الثاني يولد وتولد معه كتلة استقلالية مختلطة متعددة ومتنوعة.
أسبوعان.. وتنجلي
أسبوعان فقط يفصلان عن نهاية الانتخابات، وهما أسبوعان لا بدّ أن يشهدا معركة كل تيارات الائتلاف المعارض دفاعاً عن الشراكة الوطنية التي يجري الدوس فوقها من قبل اللوائح المنشقة عن 14 آذار جبلاً وبقاعاً وشمالاً.
أسبوعان يجب أن ينتهيا وقد انتقل لبنان الى مرحلة إمكان وضع ميثاقه الوطني موضع التطبيق، ذلك أن كلام الإصلاح المفصول عن الميثاق، كلام مشبوه.. وعنوان المعارضة مزدوج: الميثاق والإصلاح معاً، التغيير في إطار الميثاق.
وما جرى في عكار أول من أمس، تكمن أهميته في أنه أكد على كل هذه المعاني، وميزة سعد الحريري أنه رفض تفويت هذه المناسبة لأي اعتبار كان، لأنه كان يريد تظهيرها وإعادة الاعتبار لإرادة الشعب في المصالحة والتغيير.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00