لم تُخطئ المعارضة بـ"تأجيل" تحرّكها لإسقاط رئيس الجمهورية إميل لحود، خصوصاً عندما ربطت قرارها هذا بموقف البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير القائل إن من صبرَ ثلاثين عاماً يمكنُه أن يصبر ثلاثين يوماً.
كان القرار الذي اتخذه اجتماع "البريستول" بتنظيم اعتصام أمس في محيط القصر في بعبدا، محكوماً باعتبارات عدة: فهو اتّخذ تحت وطأة الصدمة التي أحدثتها جريمة اغتيال الشهيد سمير قصير التي أعادت التذكير بأنّ مسلسل الاغتيالات لم يتوقّف على يد النظام المخابراتي السوري ـ اللبناني المستمرّ وعلى رأسه إميل لحود، وهو اتّخذ "تحت وطأة" الخلاف المستفحل بين المعارضة و"التيار العوني" حول مسؤولية هذا النظام وعلى رأسه لحود في جريمة الاغتيال من جهة وحول التحالفات التي يعقدها "التيار" مع رموز الحقبة السورية من جهة ثانية، وهو اتّخذ (أي قرار الاعتصام) في محاولة لحلّ "العقدة السياسية ـ النفسية" التي تعانيها المعارضة منذ أن تلكّأت عن إسقاط لحود في ظلّ وهج 14 آذار..
إذاً، اعتبارات عدة، حكمت الدعوة الى الاعتصام التي وُضعت تحت عنوان أن المعارضة بخطوتها هذه ترغب في التأشير المشدّد الى مسؤولية بعبدا والى لحود باعتباره "الرئيس الفعلي" للنظام المخابراتي. بيدَ أن "الاندفاع" في هذا القرار لم يجعل المعارضة تعتقد لحظة أن تحرّكاً شبه رمزيّ من شأنه أن يدفع لحود الى الاستقالة، ولكنها على الأرجح كانت تريد أن "تحمّي" موضوع الاستقالة، وأن تحمّي في السياق نفسه معركتها الانتخابية كي تجري هذه المعركة على إيقاع الفرز بين مَنْ يريد إسقاط لحود ومَن يتحالف معه ومع رموز عهده.
الأخطار المحيطة بالاعتصام
لكن وبسرعة، أدركت المعارضة أن هذا التحرّك ـ الاعتصام ـ في محيط بعبدا، محاطٌ بأخطار رئيسية أبرزها:
1 ـ الخطر الأول هوَ أن تبدو التيّارات والشخصيات المسيحية الأقلّ حضوراً في التحرّك، وعندئذٍ ستبدو المطالبة بإسقاط لحود من لون طائفي معيّن فيما هي في الواقع مطالبةٌ مختلطة من معارضة مختلطة، ممّا سيدفع النظام المخابراتي وحلفاءَه الجدد الى التحريض الطائفي.
2 ـ والخطرُ الثاني هو أن يفتعل النظام المخابراتي أحداثاً أمنية، تسبقُ الاعتصام أو تتخلّله أو تليه، كأن يُقدم على مواجهة المعتصمين بالنار.
3 ـ والخطر الثالث تِبعاً لما تقدّم هو أن يتذرّع النظام الأمني بهذه الأحداث لتوجيه ضربة الى العملية الانتخابية الجارية لتعطيلها.
من هنا، كانت المعارضة في صدد إعادة تفكير بالخطوة المقرّرة ومصيرها، وتشاورَت فيما بين مكوّناتها، وتشاورت مع البطريرك الذي جاءت عظتُه أكبر من مخرج لـ"إشكالية الاعتصام" في محيط بعبدا، بل كانت بمثابة "وعد سياسي" يظلّل موقف المعارضة، ويشكّل عاملاً إضافياً في وحدتها.
صفير: مع تغيير لحود
وما قاله البطريرك واضح تماماً: فهو إذا كان يمانع في إسقاط لحود بـ"القوة" كما قال، أي في الشارع، فإنه في المقابل وقد ذكّر بموقفه المعارض لتعديل الدستور من أجل التمديد عامي 1995 و2004، وتساءل عما يمنع من صبَر ثلاثين عاماً أن يصبر ثلاثين يوماً، قد منحَ ـ وللمرة الأولى بهذا الوضوح ـ مطلب إسقاط لحود شرعية بطريركية وإن كان وضع هذه المهمة في عهدة المؤسسات الدستورية، لا سيما المجلس النيابي الجديد الذي سينتج من الانتخابات.
هكذا إذاً، فإن المعارضة "عوّضت" تراجعها عن تحرّك كان يبدو محاطاً بمخاطر شتّى، بموقف سياسي من بكركي يعطي دفعاً للمعارضة في معركتها الانتخابيّة. ويمنح "الفرز" الذي تسعى إليه قوّة معنويّة كبيرة.
وعلى هذا الأساس، يمكن القول إنّ الموقف من لحوّد والذي لم يكن موقفاً طائفياً في الاصل ولم يكن موقفاً ضدّ الرئاسة التي تعود الى طائفة محددة، غدا مع الموقف البطريركي موقفاً "لبنانياً" يتعلق بـ "رئيس الجمهورية" وسياسته وليس يتعلق بـ "رئاسة الجمهورية" وموقعها وصلاحيّاتها.
.. ولكن
غير أن للموقف الذي أعلنه في عظته أول من أمس، جانباً آخر. ذلك انه وبمقدار ما "أحل" البطريرك تغيير الرئيس بعد الانتخابات، فانّه ربطه به في جانب آخر، أي أن صفير ربط تغيير الرئيس بجملة معطيات أهمها:
أ ـ أن يكون هذا التغيير ضمن الاليات الدستورية "إذا أمكن"، وقد تساءل في عظته ما إذا كان ذلك ممكناً.
ب ـ أن يكون هذا التغيير مرتبطاً بمعرفة "البدائل" المطروحة.
ح ـ أن لا يقتصر التغيير على رئيس الجمهوريّة المارونيّ، وأن يُنظر في إمكان تغيير يطاول المواقع الدستورية الأخرى.
وبهذا المعنى، فانّ البطريرك صفير الذي أبدى تساهلاَ ظاهرياً حيال إسقاط لحود، "حجز" في المقابل الجانب التنفيذيّ من هذه المسألة ورهنه بجملة عوامل أخرى دستوريّة وسياسيّة، ولا يمكن تالياً "النوم على حرير" الموقف البطريركيّ الخاضع على ما يبدو للمعادلة الآتية: استعداد لتغيير الرئيس من ناحية في مقابل توافر معطيات محددة من ناحية أخرى، أي أن مرحلة ما بعد الانتخابات لن تكون "مبسّطة" بالضرورة.
المعارضة والمطلوب منها
ومن هذا المنظار، يبدو أن على المعارضة أن تحققّ عبر العمليّة الانتخابيّة وبنتيجتها الشروط الآتية:
أولاً ـ انتصار "مشهود" للمعارضة المسيحيّة ممثلة بـ "لقاء قرنة شهوان" وقياداتها الحزبيّة وشخصيّاتها المستقلة، بما يثبت كونها الشريك المسيحي الفعليّ في المرحلة المقبلة.
ثانياً ـ وفي هذا الاطار، لا بدّ من أن يبرز العماد ميشال عون على "حقيقته" ليس فقط بوصفه متحالفاً مع رموز الحقبة السوريّة، بل بوصفه جزءاً لا يتجزأ من "مشروع العودة السوريّة" الى السياسة اللبنانيّة أصلاً.
ثالثاً ـ تثبيت الشراكة الوطنيّة، الاسلاميّة ـ المسيحيّة وتأكيدها بعد الانتخابات، وبلورة مشروع حكم يتجسّد في حكومة اتحاد وطني "حقيقية"، تتولى قيادة البلاد نحو استعادة النظام الديموقراطي.
رابعاً ـ وبما أن النتائج المتوقعّة للانتخابات "قد" لا تعطي المعارضة أكثرية الثلثين في المجلس المقبل، فانّ على المعارضة أن تقوم بـ "تسويات" مع القوى غير المعارضة. وفي هذا المجال اعطى الرئيس نبيه بري إشارة واضحة قبل يومين عندما لفت الى أن موضوع رئاسة الجمهوريّة مرتبط بالحوار مع البطريرك صفير، في وقت لم يطلق "حزب الله" ايّ اشارة علنيّة بخصوص موقفه من لحود مع أنّ ثمة من ينقل عنه موقفاً سلبياً من لحود.
خامساً ـ أن المقصود قوله من خلال كلّ ما تقدم، هو أن توافر هذه الشروط جميعاً، وهي الشروط التي يمكن تلخيصها بشرط رئيسي واحد هو توافر توازن قوى مريح للمعارضة، من شأنه أن يبلور مشروع تغيير متكاملاً.
.. وما ينتظرها
وممّا لا شك فيه أن التشديد على توازن القوى المريح الذي "يجب" أن تنتجه الانتخابات الجارية ممّا يقتضي إدارتها من جانب المعارضة بطريقة "يقظة" لا تحتمل أيّ خطأ، ليس مطروحاً بهدف اقناع البطريرك صفير بمواكبة التغيير الديموقراطي المنشود، ولا بهدف اقناع الشريكين من خارج المعارضة أي برّي و"حزب الله" بالمواكبة نفسها، انّما هو مطروح تداركاً للمسائل الرئيسية الاتية:
1 ـ إن عدم توافر توازن قوى مؤاتٍ، لن يجعل إقالة لحود أكثر عسراً فحسب، ولن يجعل السنتين المتبقيتين من ولايته الممدّدة قسراً جحيماً سياسياً فقط، بل سيجعل سوريّا ونظامها المخابراتي في لبنان يتابعان محاولة الانقضاض على الانجازات المتوّجة في 14 آذار.
2 ـ إن المعارضة لا يمكن ولا يحقّ لها أن تبدي أيّ علامة ضعف أو علامة تردّد، لانّ من "خصال" النظام المخابراتي أن ينقضّ في هذه الحال، والدليل على ذلك ما حصل بعد 14 آذار وصولاً الى جريمة اغتيال الشهيد سمير قصير، حيث استغلّ النظام المخابراتي علائم الوهن في أداء المعارضة واستخدم عون في معركته لإنزال ضربات بالمعارضة.
3 ـ إن دمشق وبقايا نظامها الأمني في لبنان، لا "ينسون" من اتّخذ موقفاً منهم ويتحيّنون الظرف لـ"الاقتصاص"، وكم من الاغتيالات ارتكبت تاريخياً عندما أبدى المستهدفون مرونة سياسية استغلّت لتنفيذ اغتيالات في لحظة "التباس". والمطلوب في هذه الحال أن يستمرّ الاستنفار السياسي المفتوح على الشعب لأن المعركة أبعد من أن تُحسم بعد الانتخابات مباشرة، على أهمية تحقيق الانتصار في الانتخابات.
"الحصانة" من المجتمع الدولي
4 ـ إن العلاقة مع "المجتمع الدولي" لا بد أن تتواصل. وإذا كان تمسّك المعارضة بـ"لبننة" عدد من المسائل المطروحة على لبنان واللبنانيين في محلّه، فإن "المجتمع الدولي" هو مصدر الحماية الوحيد، وهو مَن يستطيع أن يوازن الهجمات المضادّة بوجه المعارضة، ولا مفرّ من المطالبة بتسريع عمل لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وبإحالة جريمة اغتيال الشهيد سمير قصير الى التحقيق الدولي أيضاً.. لكن لا مفرّ من بقاء "المجتمع الدولي" مستنفراً، الأمر الذي يساعد فيه بقاء المعارضة نفسها مستنفرة لا مسترخية.
ولا شك أن أي استرخاء سيصيب من المعارضة والمعارضين مقتلاً، وأي خطوة تُقرّر يجب أن تدرس بدقّة لأن الوضع لا يحتمل أيّ تراجع. وها هو لحود حيال "تراجع" المعارضة عن الاعتصام، يبادر الى الهجوم، فحذارِ من التراجعات وعلامات الضعف.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.