أول من أمس، قال الزعيم المعارض وليد جنبلاط في مقابلة مع الزميل فارس خشّان على شاشة "المستقبل" ان اغتيال الزميل الشهيد سمير قصير ليس الأخير في مسلسل الاغتيالات الذي وضعه النظام المخابراتي السوري ـ اللبناني.
ثمة ما يدعم بقوة قوله هذا، تحليلاً ومعلومات.
أولاً ـ ثلاث عمليات اغتيال نفذها هذا النظام، منذ صدور القرار 1559. اثنتان "ناجحتان" أودتا بحياة الرئيس الشهيد رفيق الحريري والنائب باسل فليحان ورفاقهما، ثم بحياة المَعلَم الثقافي ـ الإعلامي الشهيد سمير قصير، والفاشلة لم تنجح في اغتيال الشهيد ـ الحي النائب مروان حمادة. إلا ان "اللافت" هو ان جريمة اغتيال سمير قصير حصلت بوجود رئيس اللجنة الدولية للتحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الحريري في بيروت.
ثانياً ـ ان ما يربط بين هذه الجرائم الثلاث ظاهرياً، هو ما قاله ويقوله سياسيون معارضون من ان ثمة سوء تقدير سورياً لرد الفعل الدولي. فقد أساءت دمشق تقدير الموقف الإقليمي ـ العربي ـ الدولي من التمديد لإميل لحود فكان القرار 1559، وأساءت تقدير عواقب محاولة اغتيال حمادة واغتيال الحريري فكان قرار إخراجها من لبنان إنفاذاً للقرار الدولي ثم كان القرار بتشكيل لجنة التحقيق الدولية، والآن سوء تقدير لتداعيات اغتيال سمير قصير ولما يمكن أن يصدر من مواقف خارجية.
بيد ان ما يقوله الساسة المعارضون لا يكفي لـ"الإقناع"، إذ لا يمكن اعتبار ان السياسة السورية هي مجرد تراكم أخطاء في تقدير الموقف، ولا بد ان ثمة اعتبارات أخرى.
اغتيال الحريري واغتيال قصير:
سياق سياسي واحد و"خصوصيتان"
ثالثاً ـ وفي محاولة لتفكيك بعض "الألغاز"، يلفت مطلعون الى النقاط الآتية:
1 ـ عندما اتخذ قرار اغتيال الرئيس الحريري، كانت سوريا تعلم تماماً ان خروجها من لبنان بات محتوماً، وبالتالي فإن الاغتيال تم على خلفية انه ينعكس في مرحلة ما بعد الخروج السوري بصيغة فوضى "ما" في لبنان. ذلك ان الشهيد الحريري لو بقي حياً لشكل بالتحالفات الداخلية وبالعلاقات الخارجية التي يملكها ضمانة للاستقرار السياسي والوطني في لبنان.
2 ـ وإذا كانت سوريا بسبب وجودها العسكري والأمني العلني في لبنان في شباط الماضي، جازفت بتحمّل المسؤولية عن اغتيال الحريري وباتهامها به، فإنها في لحظة اغتيال سمير قصير تفترض ان المجازفة غير قائمة طالما انها خارج لبنان "رسمياً". لكن التدقيق في "خصوصية" اغتيال سمير قصير يوضح ان الاغتيال حصل ليس فقط لأن الشهيد معارض تاريخي للنظام السوري وسياساته في لبنان، ولا لكونه أحد رموز انتفاضة الاستقلال والحرية وحسب، بل لأنه كان على تواصل مع المثقفين السوريين المعارضين، ولأن التواصل اللبناني ـ السوري عبر مثقفين من شأنه أن يقود الى صياغة جديدة للعلاقات.
3 ـ إذاً، ان الرابط بين اغتيال الحريري واغتيال قصير هو ان الأول من موقع "الدولة" قادر ليس فقط على منع حصول "الفوضى" في لبنان بل هو إذا نجحَ في هذه المهمة يمكنه أن يكون مؤثراً في سوريا المُطالَبة بإصلاحات داخلية على كل المستويات، فيما الثاني من موقع "المجتمع المدني" هو قادرٌ ليس فقط على البرهنة على حيوية هذا المجتمع وديناميّاته بل يستطيع عبر التواصل مع "المجتمع المدني" السوري أن ينقل إليه "العدوى".
"القبضة الحديدية" قبل مؤتمر البعث
رابعاً ـ ويقول المطّلعون والمتابعون أن سوريا عندما كانت موجودة رسمياً في لبنان وعندما أصبحت خارجه، إنما "تقاتل" لحماية نظامها. وهي عندما كانت لا تزال في لبنان، كانت تعتبر نفسها قوية ليس فيه وحسب إنما داخل سوريا أيضاً، لكنها عندما أجبرت على الخروج خشيت ـ بعد أن أفقدها خروجها من لبنان بُعدها كقوّة إقليمية ـ أن تُستضعف داخلياً، وأن تقوى المعارضة السورية متأثّرة بالانتفاضة اللبنانية. ولذلك يقرأ بعض المطّلعين جريمة اغتيال سمير قصير ليس بصفتها رسالةً الى الداخل اللبناني فقط إنما بوصفها رسالةً الى الداخل السوري أساساً، في وقت لا تزال أيّام قليلة تفصل عن التئام مؤتمر "حزب البعث" المسبوق بكلام عن محدوديّة الإصلاحات والمسبوق أيضاً بممارسة "القبضة الحديدية" على الوضع الداخلي. وهذه الرسالة الى الداخل السوري، تقول إن النظام الذي لا يزال قادراً على "الضرب" في بيروت يجب الخوف منه في دمشق.
لبنان مجدداً
خامساً ـ إن سوريا ـ ودائماً بحسب المتابعين ـ "تلعب" الآن قضية نظامها.. ولذلك فإن ثمة تبسيطاً في اعتبار ما جرى تراكماً لأخطاء في تقدير الموقف.
من هنا، فإن الاغتيالات التي حصلت والتي يمكن أن تحصل ليست عشوائية في "أهدافها". وإذا كان في لبنان من يعتقد أن الهدف السياسي للاغتيالات هو تأخير انتقال لبنان الى مرحلة استعادة النظام الديموقراطي، فإن اعتقاده صحيح لكنه جزئي. وإذا كان ثمة من يعتقد أن الهدف السياسي للاغتيالات هو إجهاض عملية قيام سلطة جديدة فإن اعتقاده صحيح لكنه جزئي أيضاً. إن الهدف هو كل ما سبق، لكنه محاولة لـ"العودة" الى لبنان إما بواسطة إدارة فوضى أو بواسطة سلطة لبنانية تواليها، على أساس القاعدة نفسها: إن الدفاع عن النظام في سوريا يبدأ في لبنان.. وربما ينتهي فيه أيضاً. وبهذا المعنى فإن ثمة رهاناً سورياً على استدراج تسوية دولية معها عبر التهديد بالفوضى.. تسوية تحفظ النظام في دمشق.
سوريا لا تغفر لمن طالبها بالانسحاب
سادساً ـ وإذا كان ما تقدّم صحيحاً، يغدو كلام وليد جنبلاط عن اللائحة الطويلة للاغتيالات صحيحاً وواقعياً. ذلك أن سوريا التي لم "تهضم" انسحابها من لبنان أو بالأحرى لم "تهضم" إجبارها على الانسحاب، تعتبر أن لها في لبنان أعداء هم الذين ساروا في الانتفاضة الاستقلالية وانّ لها حساباً معهم يقتضي تصفيته، وترى أن وجودها خارج لبنان "رسمياً" يجعلها في موقع مرتاح نسبياً.
لذلك ليس مستغرباً أن تصل الى مسامع جنبلاط "أصداء عربية وغير عربية" عن اغتيالات. فسوريا وعلى الرغم من خطاب جنبلاط المنفتح عليها "استراتيجياً" وعلى المقاومة أيضاً ورفضه بنود القرار 1559، لا تزال تعتبر جنبلاط معادياً لأنه دقّ مسماراً في بنية النظام الأمني، لا بل تروّج أوساط موالية لسوريا نقلاً عن مراكز القرار في دمشق أن جنبلاط "مشروع غربي ـ إسرائيلي"، ولا بد أن ذلك وصل الى مسامع رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" أيضاً. وكذلك، لا تزال تتعامل مع سعد الحريري وسائر المعارضة على أنهم خصوم وأعداء، وهذا على أساس أن ما يقومون به جميعهم هو عكس ما ترغب دمشق أن تراه بعد انسحابها.
عون.. والدور المرسوم
سابعاً ـ وسط هذه الصورة، التي تظهّر الرهانات السورية على استنقاذ النظام ولو على حساب لبنان، وفي إطارها، يمكن النظر الى موقع العماد ميشال عون من المشهد السياسي اللبناني. فمهما قال الجنرال، فمن الواضح أن سوريا ونظامها الباقي في لبنان لا تتعامل معه بسلبية، على العكس من المكوّنات الأخرى التي تعتبرها ـ طبعاً على غير وجه حقّ ـ خطِرة عليها.
وأكثر من ذلك، فقد أصبح واضحاً تماماً ان عون عاد الى لبنان بـ"صفقة" مع دمشق، ليس مهماً ما تتضمنه من تفاصيل، لكن أداء عون هو أداء الحليف الجديد لسوريا. ويبدو ان دمشق تراهن عليه لاختراق المعارضة وضربها، ويبدو انه أحد خياراتها السياسية في لبنان بحيث يجري ترئيسه على تركيبة سورية.
أليس مستغرباً مثلاً ألا يملك أحد جواباً حاسماً عن سؤال: لماذا ميشال عون المشارك بقوة في "قانون محاسبة سوريا" يبدو "مستعصياً" على أميركا وفرنسا إن لم يكن قد "ربط" في مكان آخر؟
ثامناً ـ لا شك ان عون "تفصيل" بكل معنى الكلمة. بيد ان المعارضة أحسنت عملاً عندما أعادت رصّ صفوفها لأن المطلوب منها هو منع الانقلاب المضاد الجاري فصولاً والذي يستخدم من ضمن ما يستخدمه سلاح الاغتيالات.
نصرالله
تاسعاً ـ وفي مثل هذه الأجواء، ليس مستغرباً أن يكون ثمة خطر على السيد حسن نصرالله كما قال وليد جنبلاط. فالسيّد مستهدف بالتصفية إسرائيلياً بالتأكيد ومستهدف سياسياً من الخارج البعيد، لكنه قد يكون هدفاً للنظام الأمني ايضاً إما لمزيد من الفوضى وإما لـ"مقايضة" الفوضى.
عاشراً ـ انتهى الكلام.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.