منذ أن تعرفت الى سمير قصير، وكان ذلك في باريس بُعيد الاجتياح الاسرائيلي للبنان في العام 1982، شدّني اليه ذكاؤه و"اللمعات" الكثيرة في تحليله ولم يكن في ذلك الحين صحافياً مشهوراً بعدُ، بل كان من بين قلائل من المثقفين الشباب "غير المتفذلكين" ممن يحسنون استخدام الأدوات الثقافية والمعرفية ويحسنون "تبسيطها" لمقاربة أي وضع من الأوضاع وتحليله واستخلاص النتائج.
غير أنني وقد تعرفت إليه بعد الاجتياح الاسرائيلي، أي بعد الخروج الفلسطيني من لبنان، تعرفت أيضاً الى حقده على النظام العربي الرسمي المتآمر على القضية الفلسطينية. وأذكر أنني رويت له خلاصة لقاءات أجريتها في دمشق مع مسؤولين سوريين بعيد الاجتياح، وانني فوجئت بالسوريين يخبروني وأنا الآتي يومها من الحصار بأن ما جرى في لبنان وبيروت هو خيانة فلسطينية ـ وطنية لبنانية. وأذكر ان هذه الرواية أكدت اقتناعنا المشترك بأن أنظمة القمع الداخلي والتخاذل القومي لا يمكن أن تقول الحقيقة.
والأهم انني وقد لمست تعلق سمير بـ"الوطنية الفلسطينية" وهو من الذين بكروا في الدعوة الى جعل "الداخل الفلسطيني" محور القضية الفلسطينية ومركزها، أدركت أن هذا المثقف الهادئ و"اللمّاح" والذكيّ، لا يمكن الا أن يكون مع "الوطنية اللبنانية".
ذلك لا يعني فقط أن من يدرك كُنه "الوطنية الفلسطينية" يدرك عمق "الوطنية اللبنانية"، بل أن ذلك يعيد التذكير بحقيقة "تاريخية" وهي حقيقة ان "الوطنيّتين" كان عليهما أن تصارعا سوريا وسياستها في الشأنين الفلسطيني واللبناني. لا بل أن "تتطهّرا" بالصراع مع "قومية" البعث.
على أي حال، وإن كنت أبدأ برسم "بروفيل" سمير بوصفه لبنانياً صميماً وهو الذي كان بجانب الفلسطينيين الصميمين أقول إن حكاية جهاد سمير قصير من أجل "القرار الوطني الحر" بدأت قبل أن يعود من فرنسا بعد الطائف وكان قد بدأ حياته الصحافية مديراً لنشرة معلومات عربية توزع على المتخصصين في باريس ثم كاتباً في "الموند ديبلوماتيك".
ومنذ أن دخل الصحافة اللبنانية وتعملق فيها وتعملقت به كتب سمير باستمرار دفاعاً عن استقلال لبنان وسيادته والحرية والديموقراطية فيه.
وإذ اعتبر أن المصالحة اللبنانية مع الفلسطينيين تحققت ـ عملياً ـ بانتقال النضال الفلسطيني الى الداخل، اعتبر ان لبنان المأسور من قبل سوريا لا يمكن أن يحقّق ذاته. لكن الاحتلال الاسرائيلي كان لا يزال قائماً، ولذلك لم يكتب عن الانسحاب السوري الا بعد التحرير وإن كان كتب نقداً لـ"الادارة" السورية في كل المراحل.
لم يوفر سمير أحداً من انتقاداته القاسية... فلم يوفر الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لكن كليهما احتفظ بالود للآخر، وكانت تجمعهما بين الحين والآخر جلسات حوار، "يهجم" سمير خلالها و"يمتص" الرئيس الهجمات لأن سمير "مثقف ويجب احترام ثقافته" كما كان الحريري يقول.
بيد أن سمير ومنذ بداية السيطرة الكاملة للنظام الأمني على الدولة، مع مجيء اميل لحود الى الرئاسة وكان بدأ بتأسيسه منذ "جنّدته" سوريا قائداً للجيش خاض معاركه الشجاعة ضده وسمى الأشياء باسمائها. سمّى البعث بعثاً وسمّى المخابرات مخابرات وسمّى التدخلات استباحة وسمّى العلاقة الشقيقة هيمنة وسمّى الرئيس بشار الأسد وسمى رستم غزالة وقبله غازي كنعان وسمى جميل السيد.. وسمى اميل لحود وعدنان عضوم.. وأعطى الاستقلاليين اللبنانيين حقهم. و"أنصف" الشهيد رفيق الحريري.
سمير قصير الشجاع والجريء ازداد شجاعة وجرأة ضدّ حكم المخابرات والاجهزة. سمير "جَوهَر" في هذه المرحلة واستحق وصفه بأنه كان الأشجع.
كان الكلّ ينتظر مقالته في "النهار" وعلى صفحتها الأولى صباح كلّ يوم جمعة.. وفي مقدّم الذين ينتظرونها رجال المخابرات السوريّة واللبنانيّة ليعرفوا من أين يصيبهم سمير وكيف.
هدّده جميل السيّد مرات واستدعاه الى "فنجان قهوة" وطالبه بـ "الهدوء". لم ينفع. زادت التهديدات فطالبه أصدقاؤه ومحبّوه بـ "الاحتراس". فرز له صديقه وليد جنبلاط سيّارة ومرافقا، فلم يكفّ الوطاويط عن مطاردته.. فصمد.. وفي طريق عودته من احدى سفراته احتجزوا جوازه في مطار بيروت.. والتهمة انّه فلسطيني الجنسيّة والحقيقة انّهم احتجزوا جوازه لانّه لبناني الهُويّة وفلسطينيّ الهَوى وليس سُوريّه".. ووصل الامر برجال جميل السيّد وإميل لحود حدّ مطاردة موكب الرئيس الشهيد رفيق الحريري وكان سمير في سيارة الرئيس عائدَين من لقاء بينهما على العشاء في "الداون تاون".
سمير الجريء الشجاع وصاحب الكلمة الحرّة، ساهم، في تأسيس "حركة اليسار الديموقراطي" مستفيداً من تجربة اليسار ومعيداً مع رفاقه تقديم أولوية اللبننة. وخاض من موقعه فيها ومن موقعه الثقافي ـ الاعلامي معارك الاستقلال والسيادة والحرية، وكتب للوحدة الوطنية، ولوحدة مكونات المعارضة ولأولوية الانسحاب السوريّ وانهاء كلّ مخلفات سوريا.. فكان "نجمَ" ساحة الحرية.. وانتقد المعارضة نفسها عندما قصّرت.
وسمير الذي لم يهادن الدكتاتوريّة والعسكريتاريا والمافيا في المنطقة ولم "يأكل" من مقولات العلاقات المميزة التي لم تكن مميزة الا ضد تواصل اللبنانيين وتلاقيهم ووفاقهم ونظامهم الديموقراطي، ولم تكن مميزة الا بـ "لحوديّتها" و "عضوميتها".. قتلوه امس.. صبيحة اليوم الذي يكتب فيه مقالته لليوم التالي.
قتلوه.. فانضم كبيراً الى قافلة شهداء كبار من كمال جنبلاط إلى رفيق الحريري.
قتلوه.. وما أصابوا من إرادة رفاقه والمعارضة شيئاً..
قتلوه.. وقتلُهُ برسم لجنة التحقيق الدوليّة.. وبرسم المعارضة كي تستأنف معركة اسقاط لحود وبقايا المخابرات.. وبرسم العماد العائد الذي يعيد تعويم نظام المخابرات والمافيا.
قتلوه لكنّه حيّ في كلّ واحد فينا وفي كلّ قلم حرّ.. شهيداً آخر لأجل لبنان. قتلوه وسنبقى نحبّ إلى الأبد ثقافته المناهضة للدكتاتوريّة وسنبقى نكره مَن كرهه سمير قصير.
قتلوه شابا كما ظل دائماً ليثبتوا "انهم هنا"، لكنّ الغضب سيشتعل مجددا. ولن يقوى تخريب لحود وجماعته سوريين ولبنانيين على مواجهة مصيرهم المحتوم.
سمير: اعترف لك بأنني لم اكن بقدر شجاعتك واعترف بأنك سبقتنا جميعاً في الجرأة والاستشهاد لا بل كانت كتاباتك فعل استشهاد من أجل الوطن. لكنني اعترف لك في المقابل انني ومنذ استشهاد الرئيس الحبيب والآن بعد استشهادك.. لم تعد "فارقة معي" وكلمة الحق يجب ان تقال. وأنت الحق والحقيقة.. وأنت الحبّ!.
نصير الأسعد








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.