ما إن ظهرت نتائج فرز الأقلام في دائرة بيروت الثانية، حتى تبيّن أن الكتلة التجييرية الشيعية لحزب الله في هذه الدائرة لم "تصبّ" لصالح مرشحّي "تيار المستقبل" كما كان منتظراً، بل هي أعطت كامل أصواتها للمرشّح نجاح واكيم.
حاول سعد رفيق الحريري بداية استبعاد "الخبر" من منطلق أن ثمة اتفاقاً سياسياً مع "حزب الله" أكّده الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله في خطابه في بنت جبيل بذكرى التحرير، ولا يعقل أن يخلّ الحزب بما التزم به. لكنه بعد الاطلاع على "الوقائع الناطقة"، أرسل الى السيد نصرالله طارحاً "المشكلة" ومتسائلاً عن المغزى والدلالات.. وعن الأسباب.
لا معلومات تفيد أن نصرالله كان على علم بهذه "الوقائع الناطقة" قبل مفاتحته بها. لكن الحزب يؤكد أن غضب الأمين العام كان كبيراً: التحالف بيننا وبين سعد الحريري سياسي وترجمناه انتخابياً، قال السيد، وقد أكّدتُ ذلك من بنت جبيل عندما دعوتُ الى الالتزام باللائحة كاملة وخاطبتُ الأصدقاء بأن يعذرونا لأننا ملتزمون، وعندما قلتُ بوضوح إن التحالفات التي نجريها تتم تحت عنوان حماية المقاومة وتحصين الوضع اللبناني الداخلي، فكيف يحصل هذا الاختراق للموقف الذي أعلنته وهل ثمة من "يشتغل" لإحراجي؟
سؤال كبير طرحه السيد حسن. بيدَ أن السؤال هو في الواقع أكبر من هذا، لأن المسألة لا تتعلّق بحجم قليل من الأصوات تسرّبت الى صناديق الاقتراع، بل هي بحجم أن الماكينة الانتخابية للحزب "صبّت" أصواتاً بالآلاف في الاتجاهات المشار إليها. فأين المشكلة إذاً؟ من أعطى القرار للماكينة؟ هل اتخذ القرار من وراء ظهر الأمين العام؟! هل ثمة تصرّف "محلّي" (في الدائرة الانتخابية) أخذ في الاعتبار تحالفات سابقة للحزب على الرغم من وضوح خطاب السيد؟ أم أن ثمة اختراقاً كبيراً؟
فتنة شيعية ـ سنية؟
والدليل على أن تفكير نصرالله ذهب باتجاه اعتبار أن المسألة أكبر بكثير من أصوات متسرّبة، إن ردة فعله عبّرت كما قيل عن سؤال مقلق للغاية: هل ثمة من يريد تحريك حساسية شيعية ـ سنية انطلاقاً من بيروت؟ وماذا "يعني" نجاح واكيم عندما يتعلّق الأمر بتحالف سياسي كبير تجري صياغته بهدوء من أجل المرحلة المقبلة؟
أمرَ السيد بـ"تحقيقات حزبية"، وهذه التحقيقات تجري بالفعل. بيدَ أن التحقيقات هذه المرة لا بد أن تنطلق من محاولة الإجابة عن السؤال الآتي: من المستفيد من ضرب التحالفات السياسية المُعلنة لحزب الله ومَنْ له مصلحة في التباعد الشيعي ـ السني ومَنْ "يفكّر" بفتنة؟
وفي انتظار أن يُجليَ الحزب أسباب هذه "الثغرة" ومعطياتها، لا شك أن الساعات التي تلت نتائج انتخابات بيروت شهدت طرح تساؤلات كبيرة، أهمها على الإطلاق التساؤل الآتي: ماذا لو حصلَ هذا الاختراق في انتخابات بعبدا ـ عاليه حيث المعركة الانتخابية على أشدّها؟ وإذا كان الاختراق لم يؤدِّ في بيروت الى خرق لوائح الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فإن اختراقاً بالحجم نفسه يُعطي في بعبدا ـ عاليه نتائج عكسية.
الاستدراكات قبل بعبدا ـ عاليه
لذلك، كان لا بد من إعادة الأمور الى نصابها في الإطار السياسي. ويسجّل لسعد الحريري في هذا المجال أنه تعاطى بهدوء ومسؤولية فلم يُثر المسألة علناً ولم يتحدّث عنها إعلامياً. ويسجّل لوليد جنبلاط أنه سارعَ الى تطويق أيّ تداعيات فكانت له لقاءات مع الحريري ونصرالله. ويسجّل لنصرالله أنه لم يكابر في الاعتراف بالمشكلة وأنه بحسب مصدر قياديّ في "حزب الله" أعاد التأكيد على الآتي:
1 ـ إن التحالف مع الحريري وجنبلاط تحالف سياسي وليس تحالفاً انتخابياً. وهو تحالف سياسي مع طرفين التزما بحماية المقاومة، وحماية المقاومة موضوع باشرَه الرئيس الشهيد رفيق الحريري قبل استشهاده بمدّة وتعهّد سعد الحريري متابعته، وقد جرى التأكيد مِن قِبل نصرالله على ذلك علناً. أما بالنسبة الى جنبلاط، فإن "حزب الله" ظلّ مقتنعاً طوال فترة الخلاف معه بأنه لن يغادرَ العلاقة بالحزب ولا موقفه من المقاومة التي يرى فيها ضمانةً للبنان.
2 ـ ولأن الحلف مع جنبلاط والحريري سياسي بمنظار المرحلة المقبلة حيث يتطلّع الحزب الى شبكة علاقات لبنانية تحميه، فإنّه (الحلف) بحاجة الى استكمال بحليف مسيحي، والحليف المسيحي هو الذي لا يتّخذ موقفاً مسبقاً من المقاومة، ولا يعلن تأييده للقرار 1559 المتضمّن الدعوة الى "نزع سلاح المقاومة"، وهو الذي يمكن التحاور معه، وهو ممثّل بشخصيات مسيحية منفتحة فعلاً.
3 ـ ولأن الموقف يجب أن يكون واضحاً بالنسبة الى المحازبين والمناصرين، وإذ لا يكفي أن يُعلن أن مرشح الحزب النائب علي عمّار هو عضو في اللائحة التي يشكّلها وليد جنبلاط في بعبدا ـ عاليه، فإن تكليفاً شرعياً سيصدره الحزب للتصويت للائحة جنبلاط. ولمزيد من ضمان الالتزام باشر السيد نصرالله بنفسه الإمساك بالمسألة الانتخابية في هذه الدائرة.
استهداف أول: انهيار التحالفات
إذاً، يبدو أن ثمة وعياً مشتركاً لدى الحريري وجنبلاط ونصرالله لخطورة ما جرى في انتخابات بيروت، وتأكيداً مِن قِبل "حزب الله" على الأسس الموضوعية الفعلية للتحالف.
بيدَ أن قليلاً من التوضيحات الإضافية يكفي لـ"تظهير" المطبّ الخطِر الذي كان ثمة على ما يبدو من كان يريد أن يورّط "حزب الله" فيه ومن خلاله البلد ككلّ:
أ ـ ليس خافياً أن مخططاً ينجحُ في اختراق ماكينة "حزب الله"، إنما يطمح أصحابه في المباشر الى حصول انهيار في التحالفات السياسية ـ الانتخابية وإلى تعطيل عملية الانتقال السلمية الى المرحلة الجديدة، والى إجهاض إمكان التوصّل الى تفاهم لبناني ذاتي حول المرحلة المقبلة وعناوينها.
ب ـ ولا شك أيضاً أن مخططاً ينجح في اختراق ماكينة الحزب ـ أي الحزب نفسه ـ إنما يطمحُ أصحابه الى تحريض المتحالفين على بعضهم، فيستنفر المتضرّرون من هذا الاختراق ضدّ "حزب الله" مع كل العصبيّات التي تثيرها تلك الاستنفارات، ويستنفر "حزب الله" في المقابل، فتضيع فرصة تسوية لبنانية ـ لبنانية من جهة ويُكشف "حزب الله" داخلياً من جهة ثانية.
ماذا لو استُؤخر الخرق إلى بعبدا ـ عاليه؟
ج ـ ولا مجال لإنكار حقيقة أن المستفيد سواء من انهيار التحالفات أو من "إحياء" الاستنفارات المتقابلة أو من حال الفوضى، هو ما تبقى من النظام الأمني ـ الاستخباري. وللدلالة على ذلك يكفي السؤال الآتي: ماذا لو قرّر مخطّطو الاختراق تأجيله وتأجيل كشفه الى انتخابات جبل لبنان وبعبدا ـ عاليه تحديداً؟ والجواب هنا أن حصول ما حصل في بيروت، في بعبدا ـ عاليه كان سيحوّل الانتخابات من استحقاق ديموقراطي الى "مجزرة".
د ـ ولا بدّ من التذكير في السياق نفسه بأن ما جرى في بيروت يتزامن مع عودة المخابرات السورية الى الظهور العلنيّ في العديد من المناطق اللبنانية والى عودة الاغتيالات السياسية على يد بقايا النظام الأمني وقد طاول الاغتيال أمس الكاتب الشهيد سمير قصير، وكل ذلك ما يؤشّر الى استمرار يد الفتنة والسعي المحموم إليها.
هـ ـ ويقتضي التذكير أيضاً بأنه إذا كان هناك من يفترض أن "الفوضى" تحميه، فإن العكس هو الصحيح، ولا مبالغة في القول أن الفوضى "سلاحٌ" يصيب الجميع.
استدراك "حزب الله" في محلّه.. والمطلوب تفسير
حيالَ كل هذه الاعتبارات مجتمعة، وفي وقت يريد "حزب الله" من اللبنانيين أن يتحاوروا معه "تحت سقف" بقاء المقاومة، ولأن الاستقرار السياسي والأمني هو المناخ المناسب للبحث عن تفاهمات وطنية والتوصّل إليها، يبدو "حزب الله" معنياً بتحديد من استطاع اختراقه وبهذا المستوى، لا بل يبدو معنياً قبل غيره بذلك.
فلو تبيّن أن الأمر ناجمٌ عن سوء تقدير "محلّي" ضمن آلية الحزب وماكينته أو أنه ناجمٌ عن "تصرّف" من ضمن الموقف السياسي، فإن المعالجات التنظيمية قد تكون ناجعة على الرغم من خطورة ما حصل سياسياً. لكن لو تبيّن أن الأمر ناجمٌ عن اختراق أمني فعندئذٍ تغدو المسألة بالغة الخطورة.
وفي جميع الأحوال، ثمة "تفسير" منتظر، على الرغم من كل الاستدراكات العاقلة التي تمّت ومن التصحيح الجدّي الذي بدأ، ومن المواقف الواضحة التي أعلنت.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.