8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

دفاعاً عن ترشيح الياس عطاالله من الموقع المعارض في طرابلس

من بين سائر تيّارات المعارضة التي صنعت انتفاضة الاستقلال متوّجة بالرابع عشر من آذار، وحدها "حركة اليسار الديموقراطي" لا تشكل موقعاً لتمثيل طائفي معيّن أو موقعاً تقليدياً. وقد ساهمت هذه الحركة التي لم يتجاوز عمرها التنظيمي سنتين في معركة الاستقلال والسيادة واستعادة الديموقراطية منذ ولادتها، على مجموعة من الأسس والمرتكزات لا بد من تسجيلها:
خلاصات من تجربة "اليسار الديموقراطي"
أولاً ـ إن الحركة المتشكلة من مجموعة من التجارب التنظيمية اليسارية ومن المستقلين الديموقراطيين، وقد قرأت التجارب السابقة بتمعن ودقّة أدركت بالنقاش الواسع والحوار أن أزمة اليسار اللبناني تاريخياً تمثلت بـ"اغترابه" عن القضايا والعناوين التي تجعل من لبنان وطناً بعد أن كان في عرف اليسار "ساحة"، فأدركت تالياً أن "اللبننة" هي ما يحتاج اليسار اليه، وأن مرجعية أي لبننة هي الميثاق الوطني وأن أي تطور في الميثاق الوطني بما هو العقد بين اللبنانيين رهن بالتطورات في الاجتماع اللبناني على المدى التاريخي.
ثانياً ـ وعلى هذا الأساس لم تقدّم الحركة يساريتها بوصفها ايديولوجيا، ولا هي قاربت مشكلات البلد ايديولوجياً، فلم يكن لها موقف ايديولوجي "متعفّف" من المسألة الطائفية، ولا هي قاربتها من زاوية "طبقية" محضة ولا من زاوية "علمانية" فجة، بل دخلت في الموضوع بوعي لـ"التركيبة" اللبنانية بهدف التغيير المتدرج من جوار قريب لقضاياها.
ثالثاً ـ ويُسجل لحركة اليسار الديموقراطي أنها أول "تجربة يسارية" لبنانية تقارب مسألة السيادة الوطنية بلا عُقد ولا مركبات نقص، فجاهرت بأنها تمثل "اليسار السيادي". وكان لها من الشجاعة بنتيجة تقويمها لتجربة اليسار مع موجات العروبة المتعاقبة على لبنان، كي تتحرر من العقد "القومية" أو "الوطنية"، لتؤكد أن بداية "الوطنية" هي "اللبنانية" المنفتحة في الداخل اللبناني كما في المدار العربي.
رابعاً ـ وبما أن النقاش في الحركة هو نقاش في اليسار، وبما أن هكذا نقاش يطول، يمكن الاكتفاء بـ"الملامح" التي سبق ذكرها لاستنتاج أن حركة اليسار الديموقراطي وفي قيادتها وصفوفها من لا يستطيع أحد أن يزايد عليهم في قتال إسرائيل، تقدمت على المسرح السياسي بوصفها حركة يسارية غير ايديولوجية، وبوصفها كتلة مختلطة، ميثاقية وسيادية وديموقراطية، فاحتلت موقعها ضمن المشهد السياسي اللبناني بسرعة لتضيف لوناً مهماً الى معركة استرجاع البلد الى سياقه الطبيعي، متمتعة بميزة إضافية هي الآتية: قدرتها على استقطاب جيل من الشباب اللبناني بخطاب "غير ثوري"، كاسرة بذلك كل الادعاءات إما بأن الشباب لا يأتي إلا على خطاب "ثوري" أو أنه لا يأتي إلا على مهمات "فوق وطنية". وهكذا كانت الحركة شبيهة جداً بـ14 آذار أي الشباب الذي ينادي بـ"الرابطة اللبنانية" وبالتغيير أو الإصلاح في آن.
كيف أخطأت المعارضة مع "الحركة"
وأحد أبرز أدلة نجاح "اليسار الديموقراطي" حتى الآن، هو أنه "استقبل" في الحياة السياسية بترحيب كبير فلم يُحدث دخول الحركة في المعترك أي صدمة سلبية، فمارست التحالفات الكبرى كما مارست الاستقلالية في الوقت نفسه.
طبعاً، لا يتسع المجال لبحث التجربة بكل أبعادها ولا لبحث الإشكاليّات التي تثيرها أو ستثيرها مستقبلاً. بيد أن ما جرى تقديمه يهدف إلى تقديم "وعي" معيّن برسم الآخرين، وبرسم المعارضة بشكل خاص، التي عليها أن تتذكر أن "حركة اليسار الديموقراطي" ساهمت في الانتفاضة باندفاع كبير، وكانت قيادتها محاطة بمخاطر وقد طاولتها تهديدات النظام الأمني ـ الاستخباري. وأكثر من ذلك ينبغي التذكير بأن الدور الذي لعبته لم يكن أقل من تنظيم الانتفاضة عبر تنظيم ساحة الحرية وإبقاء قلبها نابضاً.
.. المهم أنه عندما جاء وقت الانتخابات، لم تتصرف المعارضة حيال "حركة اليسار الديموقراطي" كما يجب، لا بل بدا أن المعارضة وضعت الحركة جانباً فلم يؤخذ برأيها ولا جرى الاستماع اليه، وفجأة وبخلاف مشهد 14 آذار بدا أن المعارضة تلفظ "التلوين" اليساري غير التقليدي، وأنها تتعاطى بنوع من "الفوقية" مع هذا الرافد "الحديث" والشاب، لا بل الرافد الجديد بين الروافد القديمة. وهنا برزت إشكالية تعاطي "الطوائف المعارضة" وممثليها مع طرف معارض يساري فكان الخطأ، حيث كان على المعارضة أن تدرك مبكراً أن "اليسار الديموقراطي" هو المثل الوحيد الذي يمكن أن تعطيه عن اختراقها لـ"حدود" الطوائف في الوقت الحاضر وأنه "حاجة" للمرحلة المقبلة إذا كان ثمة تفكير بعملية "إعادة تكوين" المجتمع السياسي في موازاة عملية إعادة تكوين السلطة. وكان على المعارضة أن تدرك مبكراً أن "اليسار الديموقراطي" يستطيع أن يكون "صوت الناس" في مرحلة تتوقع المعارضة ومعها الكثيرون أن هذا الصوت سيزوّره "الشعبويّون الجدد" كما بقايا الحقبة السورية في مواجهتهم المرحلة الجديدة، وكان عليها أن تدرك مبكراً أن تغييب "اليسار الديموقراطي" عن المشهد السياسي "الجديد" إنما هو فعل "قديم".
تمثيل "اليسار الديموقراطي" في المجلس حاجة
كان على المعارضة إذاً ولكل الاعتبارات الآنفة أن تدرك أن تمثيل "حركة اليسار الديموقراطي" في المجلس النيابي الأول خارج الوصاية السورية، مهم جداً، لا بل سيكون المجلس الجديد ناقصاً من أحد المكونات الرئيسية للعمل السياسي "الحديث". كان عليها ألا تتعاطى طائفياً مع مكون غير طائفي، وكان عليها أن تدعو الحركة إلى التحالف في الانتخابات لا بل أن "ترجوَها" الانضمام الى لوائح التحالف.
اخطأت المعارضة في مجالات كثيرة بعد 14 آذار، واعترف عدد من أركانها بهذه الأخطاء، لكن بدا خلال الأيام الماضية أن ثمة ميلاً لدى المعارضة بمكوناتها الرئيسية: "تيار المستقبل" و"الحزب التقدمي" و"قرنة شهوان" بتياراتها وشخصياتها، الى استدراك ولو جزئي لهذا الخطأ، عبر توافق معظم مكوّنات المعارضة على ترشيح أمين سر الحركة الياس عطاالله عن المقعد الماروني في طرابلس بعد أن كان تقدم بترشيحه منفرداً عن المقعد الماروني في مسقط رأسه الشوف.
الياس عطاالله في طرابلس
وفي هذا المجال، ينبغي أن تسجل العناوين الآتية:
1 ـ صحيح أن الياس عطاالله ليس من أبناء طرابلس لكن طرابلس كما المدن اللبنانية الأخرى "تسمع" به وتعرفه مناضلاً من أجل التحرير من الاحتلال الإسرائيلي ومن أجل السيادة من سوريا، وفي سبيل الحرية والديموقراطية.
2 ـ صحيح أن الانتخابات في لبنان تجري على أسس تقليدية عشائرية ـ عائلية ـ مناطقية ـ طائفية، وليس من "التقليد" أن يترشح شخص من منطقة معيّنة في منطقة أخرى، لكن الياس عطاالله لا يدخل طرابلس "غريباً غازياً"، بل يدخلها من باب التحالف مع قوى المعارضة التي تمثّل في طرابلس ما تمثّل.
3 ـ والياس عطاالله هو أحد رموز "حركة اليسار الديموقراطي" التي لها في الشمال تيار فاعل ويمثل في عدد من مدنه وبلداته قوة ناخبة مهمة، ومن حق هذا التيار أن يكون له دوره في هذه المنطقة من لبنان.
4 ـ ومن "حق" الياس عطاالله على الجميع ممن واكبوا انتفاضة السيادة والاستقلال أن يبادروه بموقف ايجابي بوصفه رمزاً من رموز هذه الانتفاضة، ولا شك أن طرابلس اللبنانية الوطنية التي عانت في الحقبة السورية أكثر من غيرها ستلمس أن عطاالله يتحسّس تلك المعاناة وسيقدّم لهذه المدينة مع حلفائه ما لم يقدّمه لها آخرون.
5 ـ والياس عطاالله الذي لا يؤمن بأنّ بين مناطق لبنان وطوائفه وفئاته حواجز، إنما يعبر عندما يوافق على دعوة المعارضة له الى الترشح في طرابلس، عن احترامه ليس فقط لمبادئه بل لطرابلس والشمال أساساً.
ليس نهاية المطاف
وإذ يقتضي التأكيد أن عطاالله "مقاتل" في الدفاع عن القضايا التي حملتها المعارضة وأنه سيكون صوتاً مميزاً في البرلمان، لا مجال بطبيعة الحال لاعتبار أن هذا الاستدراك الذي أقدمت عليه المعارضة بالنسبة الى "اليسار الديموقراطي" يمثل نهاية المطاف. ذلك أن المسألة تتجاوز مقعداً نيابياً مُستَحقاً لأحد أبرز ممثليه لتطرح عنواناً كبيراً للمرحلة المقبلة يتعلق بإعادة صوغ حركة المجتمع السياسي اللبناني ككل... مع التذكير بأن ترشيح الياس عطاالله في طرابلس ليس ترشيحاً عن مقعد "سهل" ولو كان كذلك لما قبل عطاالله ذلك وهو الذي "يغوى" المعارك الصعبة، لكنه وافق نظراً إلى كل الاعتبارات التي تحيط بالانتخابات النيابية الحالية. وهذا البحث اليوم ليس سوى بحث أولي.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00