قالت العاصمة بيروت كلمتها أمس. وإذا كانَ من نافل القول إن بيروت عبّرت عن وفائها للرئيس الشهيد رفيق الحريري بالاقتراع للوائحه في الدوائر الثلاث، فإن الأصحّ هو أن بيروت اقترعت للنهج الذي افتتح سعد رفيق الحريري مسيرته السياسية به، نهج الشراكة الوطنية في اللوائح، والذي سيتابعه بعد الانتخابات، وهو النهج نفسه الذي قرّره الرئيس الحريري قبل استشهاده، ولعلّه السبب الرئيس في جريمة اغتياله.
وفي هذه الانتخابات، الأولى بعد نهاية عصر الوصاية السورية، أكّدت العاصمة أنها واعيةٌ للتنوّع الطائفي والتعدّد السياسي فيها، فصوّت المسلمون للمسيحيين والمسيحيّون للمسلمين، وقالوا جميعاً أن اللوائح التي ركّبتها تحالفات سياسية هي أقوى من القانون، وهذا ما عبّرت عنه صولانج الجميّل بقولها أن الانتخابات لو جرت على أساس قانون العام 1960، لكانت تحالفت في الدائرة الأولى مع جبران تويني وميشال فرعون، أي أن اللائحة في هذه الدائرة كانت ستكون هي نفسها.
إذاً، عندما يستفيق أبناء بيروت اليوم بعدَ إعلان النتائج، سيبقى في ذهنهم المشهد السياسي ـ الوطني قبل غيره، مشهد الشراكة السياسية ـ الوطنية التي وحّدت بيروت على الرغم من تقسيماتها الانتخابية، وعندما يستفيق سعد الحريري بعد يوم انتخابي طويل، سيكون سعيداً بأن الفوز المتحقّق هو فوز التواصل الإسلامي ـ المسيحي الذي كان ممنوعاً على زمن النظام الأمني المخابراتي اللبناني ـ السوري، وهو فوز للوائح لا "ودائع" فيها ولا اختراقات.
سعد الحريري والقرار السياسي الكبير
وبالمناسبة، يجب الاعتراف بأن سعد الحريري اتخذ قراراً سياسياً كبيراً عندما قرّر التحالفات في إطار لوائحه. والقرار السياسي الكبير تمثّل بالذهاب الى التحالف مع كل تيّارات المعارضة المسيحية في بيروت وخارج بيروت، وتشمل هذه التيّارات "قرنة شهوان" و"القوّات" و"الإصلاحية الكتائبيّة" و"الوطنيين الأحرار" وغيرها، وهي كلّها تيّارات فاعلة في بيئتها. والأمانة تقتضي القول أن الحريري اتخذ قراره هذا قبل أن يصدر مجلس المطارنة الموارنة بيانه الشهير الذي استنكر القانون الذي تجري الانتخابات على أساسه، وهو أبلغ موقفه الى البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير.
وليس سرّاً في هذا المجال أن الحريري الذي ما فتئ يشدّد على أهميّة صورة 14 آذار، وما زال يؤكّد على معنى 14 آذار، بما هو حدث الالتفاف الوطني ـ الشعبي حول استشهاد الرئيس الحريري، إنّما كان ولا يزال يعبّر بذلك عن مجموعة من الأمور دفعة واحدة: أن التمثيل الذي فرض على المسيحيين في زمن الوصاية السورية فرض من منطلق محاصرة الاتجاهات الأكثر تعبيراً عن هذه البيئة أولاً، وأن الزعيم المسلم القويّ هو من لا يخشى التحالف مع شركاء مسيحيين أقوياء ثانياً، وأن الزعيم المسلم القويّ هو من ينجح في إقناع قواعده بحلف الأقوياء الذي يحفظ الميثاق ويصنع الاعتدال ثالثاً.
اّن سعد الحريري مقتنع بكل ذلك، ومقتنعٌ بأن الانتخابات محطّة في توكيد الشراكة الإسلامية ـ المسيحية التي تشكّل أساس الطائف وأساس الميثاق، ولذا كان تعطيلُ هذه الشراكة في الخمسة عشر عاماً الماضية تعطيلاً للطائف. قرّر سعد إذاً شريكه المسيحيّ وأمل في لحظة معيّنة في أن يكون "التيّار الوطني الحرّ" جزءاً من هذه الشراكة لكنه اصطدم بحسابات العماد ميشال عون.
تحالف إسلامي ـ مسيحي
وليس تحالفاً إسلامياً
وإذا كانت صورة الشراكة الوطنية، الإسلامية ـ المسيحية، تبدو الآن مركبة، أي أنها قرار اتخذ من فوق، فلا ضير من الاعتراف بأنها ـ أي الشراكة ـ اجتازت ممراً انتخابياً، وبأن هذه الشراكة يجب إعادة انتاجها باستمرار، وبأن لا مشكلة في أن تكون بداية تأسيسها المتجدد قراراً سياسياً "من فوق"، فالرابع عشر من اذار لم يجسّد اندماجاً وطنياً، بل كان اختلاطاً طائفياً ـ مناطقياً ـ سياسياً، والمهم أن تتابع هذه المهمة.. أي لا شيء يمكنه الطعن بهذا الإنجاز أياً يكن العنوان.
والقرار السياسيّ الكبير الذي اتخذه سعد الحريري، هو نفسه القرار السياسيّ الكبير الذي اتخذه وليد جنبلاط بتحالفاته في الجبل. وبهذا المعنى ليس صحيحاً ما يجري تسريبُه سواء من قبل بقايا النظام الأمني الاستخباريّ أو من قبل غلاة هناك أو هناك بأنّ ثمّة تحالفاً إسلامياً "منّ" على المسيحيين بمرشحين. ذلك أن الصحيح هو أن ثمّة تحالفاً معارضاً أكدّ وجوده بمكونّاته الثلاثة: الحريري و"تيار المستقبل"، جنبلاط و"التقدمي الاشتراكي"، "قرنة شهوان" وتياراتها وشخصيّاتها، وأن هذا التحالف المعارض الإسلامي ـ المسيحي يتعاطى معاً في الوضع اللبناني العام مع تحالف "أمل" و"حزب الله". أمّا الصورة المقلوبة التي يجري الكلام عنها، وهي أن ثمة تحالفاً رباعياً إسلامياً سنياً ـ شيعياً ـ درزياً يتفق في وجه المسيحيين، فهي صورة مغرضة، علماً أن ثمة تسويات منتظرة بين التحالف الاسلاميّ ـ المسيحيّ المعارض والتحالف الشيعي بالنسبة الى المرحلة المقبلة.
معركة عون ضدّ المعارضة المسيحيّة أساساً
وحده العماد ميشال عون خارج هذه الشراكة لماذا؟
أولاً ـ من الواضح بداية أنّ الجنرال اتخذ قراره بخوض المعركة ضدّ المعارضة المسيحية. وهو إذ يعلمُ تمام العلم أن الشريك المسلم قرّر أن يكون شريكه المسيحيّ قوياً، انما يخوض المعركة ضدّ المعارضة المسيحية أساساً وبالدرجة الأولى، في محاولة لاختزال "الساحة" المسيحية أو لتشكيل المرجعية الكبرى ضمنها.
ثانياً ـ والجنرال الذي يرى نفسه "المرجعية الكبرى" للوضع المسيحيّ، يطلق النار على المرجعيات الاسلامية السياسية الكبرى ليس في محاولة لـ"إصابة" هذه المرجعيات فقط بل لضرب تحالفها مع التيارات المسيحية الأخرى، وهو إذ يتحدّث عن "بازل" مركّب منذ ما قبل عودته الى لبنان، إنما يمارس لعبة "البليارد" ليصيب ثلاث "طابات" معاً: الحريري وجنبلاط و"القرنة".
ثالثاً ـ وأكثر من ذلك، ولأن الجنرال لا يرى غيره قوياً، ولأنه يخشى التعاطي مع أقوياء، فانه يختار شركاءه من غير المسيحيين ممن هم أقلّ تمثيلاً في بيئاتهم، وطلال أرسلان هو النموذج.
دوري كشف المستور: التحالف العوني ـ السوري
رابعاً ـ ولم يعد خافياً، خصوصاً بعد ما أعلنه رئيس حزب "الوطنيين الأحرار" دوري شمعون من انه تبلغ من عون انّ لدى الأخير "التزامات" مع حلفائه من بقايا السلطة السابقة منذ أن كان في باريس، لم يعد خافياً أن عون عاد الى لبنان بـ "تصوّر" سياسيّ أو بـ"خطّة" سياسية ينال بموجبها دعم ومساندة بقايا السلطة تلك في مقابل أن يشكّل رأس الحربة ضدّ المعارضة و14 آذار.
خامساً ـ ومع ملاحظة أن عون رسم تحالفاته مع رموز الحقبة السورية بدقّة، فانه لا يمكن الا افتراض أن الهدف من محاولة التصدّي للمعارضة و14 آذار، هو محاولة منع حصول انتصار للمعارضة في حدّ أدنى، وهو محاولة "الانقلاب" على المعطيات التي يبشر انتصار المعارضة بها وفي مقدّمها إعادة تشكيل السلطة تحت سقف الطائف في حدّ أقصى، وما بينهما تشكيل "سلطة ظلّ" تحاول الانقضاض في "اللحظة المناسبة". وإلا لماذا هذا التسليم من قبل رموز الحقبة السورية لعون؟ ولماذا انسحابهم لمصلحته؟ ولماذا يتجرّأ هو نفسه على تحالفات من النوع الذي أقدم عليها إن لم يكن موعوداً بأن يكون الحليف المسيحي لسوريا أو أن يكون التسوية المفترضة بين سوريا والمجتمع الدولي في "اللحظة المناسبة"؟.
من هنا، وفي مقابل لوائح الشراكة الوطنية التي تقدمها المعارضة من بيروت الى الجبل ومن البقاع الى الشمال، يقدّم عون لوائح الشراكة مع بقايا سوريّا، تلك البقايا التي تقدّم خطاباً كاريكاتورياً لترجمة تموضعها الجديد بإشارة سورية.. وما هدف عون في الدوائر المسيحية سوى ضرب الشريك المسيحي للفريق المسلم ليضرب الشراكة الوطنية ككلّ.
17 أيّار ـ 7 آب
من هذا المنطلق وعلى هذه الخلفيّة، شكّلت انتخابات بيروت أمس اختباراً راقياً للشراكة ونجاحاً لقواها. والأهمية الأخرى لانتخابات بيروت بوصفها المحطّة الأولى في الانتخابات التي تمتدّ الى 19 حزيران المقبل، هي أنها ستؤثّر من دون شكّ في انتخابات المناطق الأخرى.
اّن الإنجاز في انتخابات بيروت، وهو إنجازٌ سياسي ـ وطني بامتياز، يفترض اعتباراً من اليوم أن يطلق شهيّة المعارضة على الكلام، وأن تخاطب المعارضة المسلمة ـ المسيحية معاً كل اللبنانيين لتقول لهم أن وحدَها الشراكة في اللوائح هي التي تحمي 14 آذار، وأنها ستتابع في المرحلة المقبلة... وأن عون باتَ خارج 14 آذار.
في السابع من آب 2001، والذي كان بطلهُ اللواء جميل السيّد، جرى ضربُ المعارضة المسيحية لمنع تواصل كان يتطوّر بين المسيحيين والشركاء المسلمين، وكانت محطّته الرئيسية مصالحة الجبل التي كرّستها زيارة البطريرك صفير الى الشوف. وتفاخر اللواء السيّد يومَها بأن انقلابه نجح ضدّ انقلاب قال أنه كانَ قيد الإعداد.
والتاريخ يعيدُ نفسه اليوم. فها هو 7 أيّار 2005، تاريخ عودة عون الى لبنان، يتحوّل الى 7 آب جديد: محاولة ضرب المعارضة المسيحية للانقضاض على الشراكة الوطنية. وإذا كان عون هو "البطل الظاهر" لهذه المحاولة، فليس مستبعداً أن يكون البطل الفعليّ هو "بطل 7 آب"، أليس لافتاً أن ينتهي الأمر بعون الى "تبنّي" أحكام جميل السيّد على السياسيين، بمن فيهم من كان عون يحالفهم في المعركة؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.