8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الردّ بحكومة اتحاد وطني وبورشة إصلاحية في إطار الميثاق

بعدَ الفشل الذي منيت به بقايا النظام الأمني في تأجيل الانتخابات بذريعة أن القانون نفسه الذي صنّعته في العام 2000 يضرب الوحدة الوطنية اللبنانية، ثمّ بعد الفشل في التسويق لـ"المقاطعة" كي تأتي نسبةُ الاقتراع هزيلةً، تارة تحت عنوان أن التحالف المعارض يهدف الى إغلاق بيوت سياسية "عريقة" وتارةً أخرى تحت عنوان أن لا انتخابات حقيقية بل مجرّد تعيينات، يبدو أن بقايا السلطة ورموزها انتقلوا الى "خطّة" جديدة تبدأ في الانتخابات وتستكمل بعدَها.
التوجّه إلى عون
وتبدو ملامح الخطّة الجديدة قائمة على الآتي:
أولاً ـ التوجّه الصريح نحو العماد ميشال عون بالقول له أن حصول انتخابات "حقيقيّة" أمرٌ يتوقّف على الموقف الذي يتّخذه، فإن سار بتحالفات مع المعارضة تكون الانتخابات قد انتهت عملياً لأنّ نتائجها تكون قد حسمت، وإن هو افترق عن المعارضة تحتدم المعركة الانتخابيّة وتختلط أوراقها.
ولا يخفى أن هذا التوجّه نحو العماد عون بهذا المضمون لا ينطوي فقط على تشجيع للجنرال على مواجهة حلفاء الرابع عشر من آذار، إنّما يحاول أيضاً توظيف قوّة التيار العوني للعبور معه وتحت مظلّته الى المرحلة المقبلة عبر تكريس الانفصال النهائي بين عون وسائر الأطراف المعارضة الأخرى. ويترافق ذلك مع تغزّل بمبدئية عون وقوّته حيناً ومع تحريض ضد المرجعيات الروحية والسياسية التي يستهدفها طموح عون الى الزعامة الأحاديّة حيناً آخر، ومع الإشادة بـ"حداثة" عون في مقابل "التقليد السياسي" حيناً أخيراً.
ثانياً ـ التلويح بأن مدّة المجلس النيابي الجديد الذي سينبثق عن الانتخابات الحالية لن تكون طويلة ولن تتجاوز السنة، على أساس أن الانتخابات الحالية بمثابة أمر واقع مفروض على اللبنانيين. وتجدر هنا ملاحظة أن في هذا الطرح عودةً بصيغة جديدة الى المطلب الأصلي للنظام الأمنيّ وبقاياه بتأجيل الانتخابات.
حديث "الجبهة الوطنية" والشارع
ثالثاً ـ الحديث المتزايد لدى رموز الحقبة السورية أشخاصاً وأحزاباً عن تشكيل جبهة وطنية سياسية لمعارضة السلطة الجديدة التي ستفرزها نتائج الانتخابات.
رابعاً ـ التلويح باللجوء الى الشارع في المرحلة المقبلة لحمل العناوين السياسية والاجتماعية كافة.
خامساً ـ وليس خافياً أن هذه الخطّة بملامحها الرئيسية الظاهرة، تحظى بدعم سوري، وقد تكرّرت عناوين كثيرة منها من قِبل الرئيس عمر كرامي والنائب سليمان فرنجية بعد زيارتيهما الى دمشق، وتجلّت في استقبال الرئيس السوري بشار الأسد لعدد من الشخصيات والقيادات الحزبية الموالية لسوريا وآخر الاستقبالات أول من أمس لرئيس "كتائب الصيفي" كريم بقرادوني ورئيس "الحزب السوري القومي الاجتماعي" جبران عريجي.
إذاً، في ما يتجاوز الانتخابات ونتائجها "المضمونة"، لا بد أن يذهب تفكير المعارضة ـ أي السلطة المقبلة ـ نحو المرحلة المقبلة ومتطلّباتها لمواجهة خطة "الافتراق" السوري للوضع السياسي اللبناني الجديد.
المهمات الرئيسية
تبدأ بحكومة اتحاد وطني وبت مصير الرئيس
وفي هذا السياق، تبرزُ مجموعة من المهمّات الرئيسيّة على عاتق المعارضة الذاهبة الى تولي الحكم، وتُعدّد أوساط معنيّة عدداً منها على النحو الآتي:
1 ـ تشكيل حكومة اتحاد وطني تطبيقاً لاتفاق الطائف، تضم الشركاء الأكثر تمثيلاً في بيئاتهم، مع الأخذ في الاعتبار خللين رئيسيين من المرحلة السابقة: أن يكون الشريك المسيحيّ قوياً من جهة وأن يجري تكريس مجلس الوزراء مؤسسة للقرار الفعلي من جهة أخرى.
2 ـ بتّ مصير رئيس الجمهوريّة الحالي، ذلك أنه لا يمكن لإميل لحوّد أن يبقى في موقعه خلال سنتين هما سنتان تأسيسيتان بكل معنى الكلمة، ولا يستقيم وجوده في رئاسة الجمهورية وهو رأس النظام الأمني، مع التطورات السياسية الجارية والتغيير المنشود. بيد أن هذه المهمة تقتضي تفاهماً عميقاً مع البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير، على أساس أن يكون الرئيس المقبل مارونياً قوياً، ومؤمناً بالعيش المشترك وبالشراكة الميثاقية وملتزماً باتفاق الطائف وبالدستور.
3 ـ تطلق حكومة الاتحاد الوطني ورشة إصلاحية في كل المجالات مراعية القواعد الميثاقية، أي الإصلاح تحت سقف الميثاق، وفي طليعة العناوين الاصلاحية قانون جديد للانتخاب، وسبل تأمين الانتقال في إطار الطائف ـ أي الميثاق ـ نحو الدولة المدنية، وسبل تعزيز استقلالية القضاء.
..هيكلة الأمن وتطهيره
4 ـ تقوم حكومة الاتحاد الوطني بإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية و"تطهيرها"، بما يؤمن ولاء هذه الأجهزة لـ"الدولة" من ناحية وبما يحقق إبعادها عن السياسة من ناحية ثانية، وذلك يقع ضمن اتفاق الطائف أصلاً.
5 ـ وتتبنى حكومة الاتحاد الوطني الاقتراح الذي أطلقه سعد رفيق الحريري لقيام تحقيق دولي في الفساد وهدر الأموال. وعلى القضاء هنا أن يتعاون مع هذا التحقيق الدولي لكشف المصدر الرئيسي للفساد، وهو النظام المافيوي ـ الأمني اللبناني ـ السوري المشترك، وربما يكون مطلوباً من القضاء اللبناني نفسه أن يقوم بتحقيقات شفّافة وسرّية من أجل الانتهاء من هذه "الأسطوانة" ومن أجل أن يعرف اللبنانيون حقيقة ما كان يجري في بلدهم طوال السنوات المنصرمة.
المسألة الاجتماعية وتصحيح الوضع النقابي
6 ـ وتتبنّى حكومة الاتحاد الوطني خطّة إنقاذ مالي ـ اقتصادي، انطلاقاً من المشروع الذي وضعه الرئيس الشهيد رفيق الحريري، مع الأهمية القصوى لإيلاء المسألة الاجتماعية كل العناية.
7 ـ تتولى حكومة الاتحاد الوطني بالحوار وبالقرار تصحيح الوضع النقابي الذي حوّله نظام الوصاية المخابراتي الى "جهاز" يعمل على الطلب بدلاً من أن تكون النقابات لصيقةً بهموم الشرائح الاجتماعية وقوّة فاعلة في التسويات الاجتماعية.
8 ـ والمطلوب من القوى والتيّارات السياسية أن تبادر الى تجديد خطبها السياسية باتجاه تطوير ثقافة الميثاق والإصلاح والديموقراطيّة، وباتجاه مخاطبة الشباب. وفي هذا المجال، لا بدّ من إطلاق الديناميات السياسية التي سجنها نظام الوصاية المخابراتي، بما يعيد الى البلاد حيويّتها السياسية.
مخاطبة الناس بالحقائق
9 ـ والسلطة الميثاقيّة الجديدة، معنيّة بأن تملك القدرة على مخاطبة الناس والاستماع الى الناس، وأن تعتبر أن من حقّها الردّ على كلّ ما يُطلق من شعارات أو مواقف أو اتهامات، لأن شعب 14 آذار يستحقّ أن يعامَل بنُضج، لا أن تعني لسياسيين يشوّهون الحقائق. وفي هذا الإطار يقتضي القول أن نهاية النظام الأمني تعني نهاية عدد من السياسيين، لأن النظام الأمنيّ كان منظومة متكاملة سياسية ـ إعلامية ـ مافيويّة، وكان يخترع فضائح ويسوّقها، وبهذا المعنى فإن تحرير الحياة السياسية سيشكّل عاملاً مهماً ليستويَ الصراع السياسي على أساس ديموقراطي.
10 ـ وعلى السلطة الميثاقيّة الجديدة مجسّدة في حكومة الاتحاد الوطني أن تطلب من سوريا الكفّ عن التدخل في الشؤون اللبنانية فعلاً، وأن تدعى دمشق بسرعة الى تنظيم جديد للعلاقات بين البلدين.
وفي تقدير الأوساط المعنيّة أن النقاط المشار إليها آنفاً ليست فقط نقاطاً من برنامج حكم جديد، بديهيّ أن ترِد ضمنه، لكنها نقاطٌ لتأمين الالتفاف الشعبي حول حكم ميثاقي ـ دستوريّ ـ إصلاحيّ، ولمنع المنتسبين الى الحقبة الأمنيّة السوريّة من العودة الى الشارع بعدَ أن طردهم، ولمنعهم من العودة "مصلحين" بعد أن سقطوا "مخبِرين".
إذاً، إن الانتخابات التي تبدأ غداً في بيروت، وبعد التحالفات التي صاغتها المعارضة مؤكّدة عبرها على الشراكة الوطنيّة، هي انتخابات فعليّة وحقيقيّة، ستؤكّد الثقة الشعبية بالمعارضة، لأن من انسحبَ منها أو قاطعها إنّما هرب من الاستحقاق المحمول على تطوّرات كبرى أبرزها استشهاد الرئيس رفيق الحريري والانسحاب السوري من لبنان. أمّا العماد عون الذي تعاطوا معه بوصفه خشبة خلاصهم فقد ورّطوه وما كانت المعارضة ترغب له أن يتورّط.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00