8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مسيرة الاستقلال بدأت بدماء كمال جنبلاط وانتهت بدماء الحريري ومرّت بآلام بكركي

ثمة لدى العماد ميشال عون ـ وأركان تيّاره ـ نوع من الاعتداد بالذات يصل الى حدّ إلغاء الآخرين، وتجلّى ذلك أكثر ما تجلّى في الأيام الماضية في عملية تهميش دور استشهاد الرئيس رفيق الحريري في تحقيق الاستقلال اللبناني، لا بل تجلّى في اتهام الرئيس الشهيد وحليفه رئيس "الحزب التقدّمي الاشتراكي" النائب وليد جنبلاط بأنهما يمثّلان رمزين من رموز الحقبة السورية البائدة.
محطّات تاريخية في صراع الشهيد مع الإدارة السورية
أولاً ـ لا بدّ أن العماد عون وتيّاره يدركان أو "يجب" أن يدركا أنّ صراع الرئيس الشهيد رفيق الحريري مع الإدارة السورية لما كانَ يُسمّى "الملفّ اللبناني" بدأ فعلياً منذ أن تولّى الرئيس الحريري رئاسة الحكومة في تشرين الثاني من العام 1992، واشتدّ في مرحلة ما بعد التمديد للرئيس الياس الهراوي عام 1995 وتفاقم في العام 1998، وغدا مفتوحاً منذ العام 2000، وليس صحيحاً الزعم بأن الرئيس الحريري انتقل الى معارضة الإدارة السورية بعد التمديد الأخير للرئيس إميل لحّود.
أ ـ أتى الرئيس الشهيد الى الحكم من خارج ما يسمّى "الطبقة السياسية"، والجميع يعلم أنه انتفض مرّات بين 1992 و1994 ضدّ التسويات ـ الصفقات التي كان مطلوباً منه الدخول فيها مع عديدين، وصولاً الى اعتكافه الشهير في العام 1994، مروراً بما تعرّضت له محاولته الإصلاحيّة في الإدارة من إجهاض.
ب ـ لقد تعاطى اللبنانيون عموماً والمسيحيّون خصوصاً مع مجيء الحريري الى الحكم في العام 1992 بإيجابية بالغة، لا بل تعامل المسيحيون مع وصوله الى الحكم بعد انتخابات ذلك العام والتي قاطعوها على نحو شبه شامل، على أنه نوعٌ من التعويض عن تلك الانتخابات وعن المجلس النيابي المنبثق عنها. وكان الشهيد مدركاً لأهميّة المصالحة الوطنية ورافضاً ما كان يسمّى "الإحباط المسيحي" في تلك الفترة، فسارع الى تنظيم لقاءات وحوارات مع فاعليات دينية وسياسية مسيحية، اتخذت منها الإدارة السورية موقفاً سلبياً في العام 1993 فمنعت هذا الحوار.
ج ـ أمّا في العام 1995، فقد أعلن موافقته على التمديد للرئيس الهراوي، وقال مرّات قبل استشهاده أن هذا الموقف الخاطئ كان محاولةً لمنع المجيء بإميل لحّود الى السلطة، وهو الذي كان على معرفة بالتوجّه السوري الى رعاية ولادة نظام أمني في لبنان يقف لحّود على رأسه، وقد بدأ إعداده لهذا الدور منذ ما قبل تسلّمه قيادة الجيش كما يقول العارفون.
د ـ ومع تنامي الميل السوري الى إرساء دعائم نظام أمني في البلاد، وقد قُدم الأمر تحت عنوان المجيء برئيس قويّ للجمهورية يستطيع "قصقصة أجنحة الحريري"، دخل الشهيد في حوار مع الكنيسة المارونيّة في العام 1997 ووضعت بنتيجة هذا الحوار ورقة مشتركة عملت عليها الإدارة السورية.
هـ ـ وبعد سنوات من النظام الأمني الموازي، كان مجيء لحّود الى رئاسة الجمهورية ليؤذن بقيام الجمهورية الأمنيّة بالرعاية السورية، وكانت السلطة في دمشق انتقلت عملياً في العام 1998 الى يد الرئيس بشّار الأسد الذي أصبح رئيساً للجمهورية العربية السورية في العام 2000 رسمياً.
و ـ وإذا كانت أولى المعارك مع العهد الأمني في العام 1998 تمّت تحت عنوان دستوري يتعلّق بالمادة 53 من الدستور بشأن الاستشارات النيابية الملزمة وانتهت بإبعاده عن رئاسة الحكومة، فإن الرئيس الشهيد عانى بين 98 و2000 من الاضطهاد "الموصوف" والتهديدات وأحدها كان يتضمّن مطالبةً له إمّا بمغادرة البلاد أو المجازفة بحياته أو الذهاب الى السجن، ونقل إليه هذا التهديد على لسان المدير العام السابق للأمن العام اللواء جميل السيّد.
ز ـ ومع عودته الى الحكم بين 2000 و2004 بعد انتخابات حقّق فيها انتصاراً، خاض الرئيس الحريري معارك مع لحّود المدعوم من الأسد ومن الأجهزة الأمنية، من أجل وقف الانتهاكات المتمادية للدستور ومن أجل وقف عمليّة إسقاط الطائف، وفي سبيل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الوضع الاقتصادي. ولم يكن الحريري يخفي اعتراضه المباشر على السياسة السورية، وهو في موقف صارخ ذي دلالة، قال صحافياً أنه مستعدّ للتوقيع على أي تشكيلة حكوميّة تأتي من دمشق، وهي صيغة لا يخفى على أحد أنّه يدين بها التدخّل السوري الذي كان يتمادى، وهو الأمر الذي استشهد به الجنرال عون في شهادته أمام الكونغرس الأميركي.
شريط التهديدات للحريري
ح ـ ولم يعد سرّاً أن التمهيد السوري للتمديد للحود والذي بدأ مبكراً، ترافق مع تهديدات سورية، صحيح أنها بلغت ذروتها في الاجتماع الشهير في آب الماضي مع الرئيس الأسد والذي باتت وقائعه معروفة لدى لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتياله، لكنها امتدّت ـ أي التهديدات ـ على فترة طويلة، وكانت إحدى محطّاتها في تشرين الثاني 2003 عندما جمع له الرئيس الأسد أركان الأمن في خطوة للنيل من مقامه، فأمطروه اتهامات وتهديدات، و"قرارات" وصلت الى حد منعه من الصلاة في الجامع يوم الجمعة، كما كانت تهديدات خلال السنوات الماضية بمنعه من إقامة مآدب إفطار رمضانية ومن الاستقبالات في الأعياد ومن تقديم المساعدات للمواطنين. ولم توفر التهديدات معاونيه وزراء وشخصيات عامة، ووصلت الى حدّ التحذير من تناول أداء المدعي العام التمييزي عدنان عضّوم بالنقد لأن عضّوم "سيف سوريا والعروبة" كما كان رئيس الأمن والاستطلاع السوري يقول.
يمكن الاسترسال طويلاً جداً في عرض محطّات صراع الرئيس الشهيد مع الإدارة السورية في كلّ الميادين المتعلّقة بالسياسة والاقتصاد والاجتماع والأمن، وهي إدارة عطّلت اتفاق الطائف والدستور وصولاً الى التمديد. لكن المقدّمات الآنفة تهدف الى تذكير الجنرال وتيّاره بـ"نضال" الرئيس الحريري من أجل الاستقلال المقرون بعلاقة صحية بسوريا، وهي العلاقة التي انحدر بها النظام الأمني الى مستوى مافيوي... الى أن اغتيل وكانت شهادته لأجل لبنان.
ثانياً ـ و"ينبغي" على الجنرال وتيّاره أن يتذكّرا أن الرئيس الحريري إنّما جرى اغتياله لكلّ ما يمثّله من اعتدال إسلامي قادر على التواصل مع الشريك المسيحي في الوطن وعلى تحقيق شراكة وطنية ضامنة لاتفاق الطائف، ولأن حجمه ظلّ مقلقاً للسوريين طوال 13 عاماً. لكن "ينبغي" أيضاً أن يتذكّرا أن رفيق الحريري الاستقلالي كان عربياً ولم يقارب مسألة العلاقات مع سوريا عدائياً، وعندما لا يعود لسوريا سوى أتباع، لا يكون له مكان.
الشهيد دعا عون للعودة.. فعطّلها النظام الأمني
ثالثاً ـ واستعراض هذه المحطّات جميعاً، والتي تخلّلتها دعوات متكرّرة منه الى عودة الجنرال من المنفى والتي عطّلها النظام الأمني وعلى رأسه إميل لحّود، يهدف ـ استعراض المحطّات ـ الى إعادة الاعتبار لفكرة جوهريّة وهي أن النضال الاستقلالي من ضمن معادلات داخلية وإقليمية ودولية معقّدة، وعن مقربةٍ من المطلوب الاستقلال عنه ومِنه، هو النضال الرئيسي، لأن النضال الاستقلالي ليس مجرّد تبشير إنّما هو صراع وموازين قوى.
جنبلاط
رابعاً ـ وينطبق الأمر كذلك على وليد جنبلاط الذي ورث الزعامة عن والده الراحل كمال جنبلاط الذي كان اغتياله ممرّاً لبداية التدخّل السوري، تماماً كما كانت دماء الحريري باب الخروج السوري. فوليد جنبلاط "قاوم" مجيء لحّود الى السلطة، وتعرّض لـ"التهميش"، وعندما أطلق صرخاته التي وصل في إحداها الى المطالبة بأن أعطونا حكماً ذاتياً على الأقلّ تعرّض للتهديدات بالقتل. لكنه لم يغادر قناعاته بالمصالحة الوطنية وجمعه بالرئيس الشهيد التمسّك بـ"الوطنية اللبنانية" التي لا تتناقض مع العروبة المنفتحة والعلاقات الطبيعية مع سوريا. وأكثر من ذلك، فإن جنبلاط الذي ما فتئ يكرّر أن الرئيس سأله مرة قبل استشهاده: من ترى منا نحن الإثنين سيسبق الآخر في الاستشهاد؟ لا يزال على لائحة الاغتيال.
البطريرك و7 آب
خامساً ـ ولا يمكن في مجال هذا الاستعراض "التاريخي" التنكر لمعارضة البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير، ولعدد من الأركان السياسيين الذين تحلقوا بعد العام 2000 في إطار "لقاء قرنة شهوان"، وحملوا "صليب الآلام".
سادساً ـ ويقتضي تذكير الجنرال بان الأصعب على السوريين كان الاعتراض المسلم. وهل يفترض تذكير العماد عون بأن 7 آب 2001 مروياً على لسان اللواء السيد كان لهدفين: إرهاب المسيحيين وقمع التواصل المحقق في الجبل إثر زيارة البطريرك الى المختارة من ناحية ومنع الالتقاء المسلم ـ المسيحي بعد "صورة كليمنصو" التي جمعت الرئيسين الحريري ونبيه بري والنائب جنبلاط آنذاك؟
المعارضة في الداخل
سابعاً ـ وهنا بيت القصيد. ذلك أن العماد عون يستطيع أن يقول إنه تعرض لهجوم سوري عليه في قصر بعبدا، ويستطيع أن يقول إنه تعرض للنفي ولاتهامات شتى، وأن ناشطي "التيّار الوطني الحر" واجهوا القمع. لكنه لا يستطيع أن يثبت أن قراره عدم مغادرة بعبدا بعد الطائف كان صحيحاً، والأهم هو أنّه لا يستطيع أن يثبت أن نضاله من الخارج كان أكثر جدوى، ولا يستطيع أن يبرهن أنّه أقوى من التحالف الاسلاميّ ـ المسيحيّ الذي شكل عاملاً رئيسياً في الاستقلال الذي استفاد من قرار دولي بمساعدة لبنان، عكس القرار الدولي الذي ذهب هو نفسه ـ أي عون ـ فرق عملة فيه. وإذا كان من حق الجنرال على اللبنانيين أن يعترفوا له بمعارضته وبالكلفة التي دفعها، فلا يحقّ له المزايدة على الحريري وجنبلاط والبطريرك، وعليه أن يقرّ بأنه كان رافداً في المعارضة وليس المعارضة كلها، لأنّ الاستقلال مبدأ وتوجّه ورؤية لكنّه أيضاً تحالفات وظروف وتوقيت.
ثامناً ـ إذاً لا يستطيع عون المزايدة على أحد في المعارضة والاستقلال، ولا يعني الالتقاء معه في الشهور الأخيرة أنّه كان على حقّ منذ العام 1990، وإن كان ما تعرض له منذ ذلك التاريخ يجب إدانته. والأهمّ أن العماد لا يستطيع أن يتصرف وكأنه يمكنه فعل ما يريد لأنّه "أب القضية". وإذ يستنكر عون وتياره حتى قبل عودته الى لبنان سلبيّة المعارضة تجاهه والتي بلغت (السلبية) حدّ عدم المشاركة في احتفال الترحيب به في ساحة الشهداء مساء العودة، و"يجب" أن يتذكّر الجنرال أنّ هذه السلبيّة مبنيّة على أمرين: الأول هو أن العودة كان بدأ تنسيقها مع "السلطة" قبل استشهاد الرئيس الحريري، واستعدت حكومة الرئيس عمر كرامي لها سياسياً ومالياً (مستحقّات العماد)، والثاني هو أنها تمّت في توقيت لم يشأه عون توقيتاً معارضاً لأنّه اختار أن تتم العودة بعد "قرار قضائي" وفي ظلّ جوقة مدّاحي ما تبقى من النظام الأمني.
التحالف العوني مع فرنجية وأرسلان والمر
تاسعاً ـ وإذا كان العماد عون لا يستطيع بمناسبة الانتخابات أن يفرض قراءته للتاريخ وأن يبني على هذه القراءة استنتاجاته، فإن أوّل ما يطعن في صدقيّة طروحاته هو اتجاهه الى التحالف مع رموز حقبة الوصاية السورية، أي أولئك الذين لعبوا أقذر الأدوار ورافعوا عن المخابرات السوريّة واللبنانيّة. وقد استمع اللبنانيون في الأيام الماضية الى تنظيرات عونية وصل بعضها الى حد القول: مما يشكي سليمان فرنجية، هو كان سورياً كما كان الحريري وجنبلاط، لكنّه أفضل من الآخرين لأنّه لم يطعن سوريا في الظهر!
"يجب" أن يتذكر عون ان للبنانيين ذاكرة: فسليمان فرنجية قال مرات عدّة أنّه سياسته تقوم على تنفيذ ما يطلبه منه الرئيس الأسد، وقال على مدى سنوات أنّه ينتمي الى خط منتصر ومن الطبيعي أنّ من خسر أن يكون إمّا في الخارج وإمّا في السجن. وقال إن الرئيس الحريري يحمل مشروعاً مشبوهاً (ليت الـ.بي.سي تعيد بثّ المقابلة التي قال فيها هذا الكلام). أمّا طلال ارسلان فلا يستحق الأمر سوى التذكير بأنه انتمى الى "كتيبة الدفاع" عن كل الأدوار السورية، وعارض ـ مع فرنجية ـ الحريري عندما كان يصطدم بلحّود والإدارة المخابراتية السورية، وحمل على من سمّاه "بركيل قريطم"، فضلاً عن الفوائد التي جناها من علاقاته بنظام المافيا.
ولا يمكن أحداً أن ينسى ميشال المرّ والعائلة والأدوار الملعوبة على امتداد زمن الوصاية السوريّة.
عاشراً ـ والعجيب أن كلمة واحدة لم يعد عون يأتي على ذكرها لا في ما يتعلق بسوريا ولا في ما يتعلق بلحّود ولا بأركان النظام الأمني. فجأة صار الأمر برداً وسلاماً، والنار تنصب على المعارضة التي استطاعت أن تنجز شراكة وطنية، وصار الكلام عن جريمة اغتيال الرئيس الحريري على طريقة: أليس هناك غيرها؟
"حزب الله"
وبعد، إذاً كان من حق الجنرال ومن واجبه أن يدافع عن مواقفه، فليس من حقه أن يوزع الأنصبة على الفرقاء، وإذا كان من أهدافه الوصول الى رئاسة الجمهورية، فـ"يجب" أن يكون واضحاً أن ذلك ليس ممرّه لا إلغاء المعارضة المسيحية ولا التصويب على الشركاء المسلمين، وبالتأكيد لن يأتيه بها "الحلفاء الجدد".
والعودة بالذاكرة الى محطات سابقة، إنما هدفت الى المساعدة في التذكر من جهة، وإلى القول إن أركان الاستقلال اللبناني الثاني الحريري وجنبلاط والبطريرك ما كانوا أعداءً لسوريا التي كانت سياستها عدوتها بل كانوا حريصين على علاقة صحيحة بها من جهة أخرى.
أما النقطة الأخيرة، فتلك المتعلقة بالتحالف مع "حزب الله"، حيث يكرر مسؤولو "التيّار الحر" أن تحالف الحريري وجنبلاط مع "حزب الله" يشبه التحالف مع سليمان فرنجية وطلال أرسلان وميشال المر... ووئام وهّاب. فهنا يقع "التيّار" في الخلط القاتل بين فريق شكّل انجاز التحرير من الاحتلال الإسرائيلي إسهامه في الاستقلال وهو "حزب الله" وبين أشخاص ينفذون تعليمات، وهو خلط بين حليف لسوريا هو الحزب وأشخاص يقال لهم نفذوا ولا تعترضوا. ولتكن الأمور واضحة طالما أنّ الجنرال "يَفْكس" كل العلاقات.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00