ثمة محاولة أخيرة من جانب بقايا السلطة التابعة لسوريا لتشويه الانتخابات النيابية الآتية، تنطلقُ من لا ديموقراطية القانون الذي تجري هذه الانتخابات على أساسه أي قانون العام 2000، وصولاً الى الطعن بوفاقيّة الانتخابات وبديموقراطيتها. وتتّخذ هذه المحاولة صيغة رئيسية تتمثّل بالعزوف عن الترشّح تارةً أو الدعوة الى مقاطعة الانتخابات ترشّحاً واقتراعاً تارةً أخرى.
قانون الـ2000 والأثمان المدفوعة
وفي معرض التوقّف أمام هذه المحاولة، تسجّل أوساطٌ سياسيّة متابعة مجموعة من الملاحظات وتذكّر بعدد من العناوين.
أولاً ـ إن القانون المعتمد لهذه الدورة الانتخابية هو الثمن الذي كان على الجميع لا سيما المعارضة دفعه من أجل حصول الانتخابات في موعدها أي من أجل تحقيق الانتقال اللبناني بإشراف دولي الى مرحلة ما بعد الوصاية السورية ونظامها الأمني ـ المخابراتي. وهذا الأمر باتت المعلومات والمعطيات بشأنه معروفة.
ثانياً ـ إن القانون المعتمد لهذه الدورة الانتخابية هو الثمن الذي كان لا بد من دفعه ليس فقط تجنباً لتأجيل استحقاق الانتقال الى مرحلة جديدة، وليس فقط تجنباً لمحاولات انقلاب بقايا نظام الوصاية السورية على إنجازات المرحلة الانتقالية، وليس فقط لإجهاض عمليات الشحن الطائفي الهادفة الى البرهنة على أن اللبنانيين عاجزون عن إدارة بلدهم من دون وصاية، بل تجنّباً لفتنة أهلية داخلية أساساً، كان الساعون إليها يأملون حدوثها إجهاضاً لـ"التغيير"، على قاعدة استحضار الإشكالية التاريخية التي تواجه التغيير في لبنان، أي إشكالية التصادم الطائفي.
ثالثاً ـ إن القانون المعتمد لهذه الدورة الانتخابية هو الثمن الذي كان لا مفرّ من دفعه من أجل إدخال الشيعية السياسية لا سيما "حزب الله" في المرحلة الجديدة والتأسيس لحوار وطني شامل يتعلّق بعملية "لبننة" جميع الاستحقاقات المطلوب من لبنان مواجهتها، ولا يخفى أن إدخال "حزب الله" في المرحلة الجديدة يمثّل واحداً رئيسياً من سُبل حمايته.
رابعاً ـ إن القانون المعتمد لهذه الدورة الانتخابية هو إذاً مجموعة أثمان اقتضت المعطيات الداخلية والخارجية دفعها، ومن ضمن هذه الأثمان لا ديموقراطية القانون. وفي ذهن من وافقوا على دفع هذه الأثمان الاضطرارية أنه لا يمكن العبور الى المرحلة التالية إلاّ بالوفاق والوحدة الوطنية ـ أي بالميثاق والشراكة ـ كي يمكن التصدّي للجانب الإصلاحي ـ الديموقراطي في فترة لاحقة.. أي أن الحفاظ على الوفاق والوحدة الوطنيين هو الجسر الموصل الى بحث الإصلاح في إطار الميثاق، لأن العنوانين يترابطان.
التسوية بين الطوائف وبينها وبين الخارج
بكلامٍ آخر، إن القانون الانتخابي الحالي، هو تسوية "صعبة" بين الطوائف من جهة وبين هذه الطوائف والمجتمع الدولي من جهة أخرى، والتعويض عنه ـ أي القانون ـ هو ما تقوم به الآن القوى الرئيسية في بيئاتها الطائفية أي تغليب الاعتبارات الوفاقية ـ الميثاقية على الاعتبار "الديموقراطي" بما هو قانون الانتخاب لتمكين لبنان من الذهاب بعدَ الانتخابات الى مرحلة تأسيسية بكل معنى الكلمة. ولا أهمية تالياً للاعتراض على القانون وفقاً لكل المقاييس التي جرت الإشارة إليها آنفاً.
من هنا، وإذا كان يحقّ لقوى ديموقراطية شاركت في انتفاضة الاستقلال وساهمت مساهمة فعّالة في الوحدة الوطنية، أن تعترض على لاديموقراطية قانون الاتخاب، فإنه لا يحقّ لفلول سلطة تابعة قامت ضدّ الوفاق وضدّ الديموقراطية أن تعترض. أمّا القوى الديموقراطية، و"حركة اليسار الديموقراطي" نموذجاً، ففي أدائها ما يستوجب التصويب: فمن حقّها أن تكون معارضة لقانون الانتخاب، ومن حقّها أن تترشّح الى الانتخابات على الرغم من اعتراضها على القانون، لكنها لا تستطيع أن تبدو مفاجأة بتركيب اللوائح، لأن هذا التركيب يخضع فعلياً لـ"وفاق طائفي". وطبعاً، كانَ من الأفضل أن يُدخل الأقوياء في طوائفهم لوناً ديموقراطياً في لوائحهم، طالما أن هؤلاء الأقوياء في طوائفهم هم مَنْ صَنَع الاستقلال اللبناني الثاني أو ساهمَ فيه، وأن الديموقراطيين غير المعرّفين طائفياً ميثاقيّون أيضاً. والاستنتاج من ذلك أن القوى الديموقراطية يجب أن تُشهر تميّزها لكنها لا بدّ أن تأخذ في الاعتبار أنها والأقوياء في طوائفهم حقّقوا إنجازاً وطنياً كبيراً.
انسحابات رموز الحقبة السورية
ووفاقية الانتخابات المقبلة
إنطلاقاً من هذه المقدّمات جميعاً، ينبغي القول أن انتخابات هذا العام وفاقية بامتياز على الرغم من قانون الانتخاب، ويمكن أن تشهد منافسات بين تحالفات متقابلة على الرغم من لاديموقراطية القانون، خصوصاً في ظلّ ضمانات لنزاهة الانتخابات. بيدَ أن بقايا السلطة التابعة لسوريا إذ تدعو الى مقاطعة الانتخاب، إنّما تُخفي جوانب رئيسية أخرى:
1 ـ عدم قدرة هؤلاء من عصام فارس الى عمر كرامي الى سليمان فرنجية وغيرهم على تأمين ائتلافات وفاقيّة تواجه الائتلافات الوفاقية التي تشكّلها قوى المعارضة.
2 ـ سقوط الرهان الذي عقده هؤلاء على شقّ المعارضة من ناحية وعلى عودة العماد ميشال عون من ناحية ثانية، بعدَ أن بات عون أمام واحد من خيارين: إمّا التحالف مع المعارضة وإمّا خوض الانتخابات مستقلاً.
3 ـ السقوط الفعليّ للنظام السياسي الذي أقامه السوريون في لبنان وانهيار قسم كبير من طبقته الحاكمة، وارتباط أسماء الذين يعلنون الانسحاب ـ المقاطعة بحقبة أسقطها اللبنانيون، وعدم قدرة هذه الأسماء على "تبييض" صفحاتها.
4 ـ إنكشاف ارتباط هذه الأسماء بـ"موبقات" الحقبة السورية، في جميع ميادين هذه الموبقات.
5 ـ إن الدعوة التي يطلقها بعضهم الى مقاطعة الانتخابات ـ والأمر هنا لا يشمل "الجماعة الإسلامية" التي يحتاج قرارها بالمقاطعة الى نقاش مستقلّ ـ تعكس والحالة هذه صورةً عن انهيار النظام التابع لسوريا من جهة وهي بمثابة فرار من المعركة الانتخابية من جهة ثانية وهي هروب من المرحلة الجديدة من جهة ثالثة لا سيما أن المقاطعة لن تتجاوز المناصرين من جهة رابعة. وبكلام آخر، لن تشبه مقاطعتهم بأيّ حال من الأحوال مقاطعة العام 1992، لأنها مقاطعة أفراد.
6 ـ لن يستطيع المنسحبون الطعن بوفاقيّة الانتخابات وصدقيّتها، لأن الجميع يعلم أن هؤلاء المنسحبين فقدوا القدرة على خوض الانتخابات في غياب ضابط الإيقاع السوري الذي كان يركّب لهم تحالفاتهم ولوائحهم أو يركّب بعضهم في هذه اللائحة أو تلك.
صحيح إذاً أن ثمة فوزاً بالتزكية في عدد من الدوائر الانتخابية، لكن هذا المشهد هو مشهد انهيار لطبقة سياسية تابعة لسوريا. ومع ذلك فإنه مشهد انتقالي، لأن الديناميّات السياسية المعطّلة في زمن الوصاية السورية، لا بد أن تنطلق بعد الانتخابات مزاوجةً بين العنوانين الميثاقي والإصلاحي ـ الديموقراطيّ.
"الإشكالية الشيعية" ورئاسة المجلس
غير أنه من الضروري برأي الأوساط المتابعة، وبعدَ هذا الاستعراض لسياق الانتخابات المقبلة، التوقّف عند سؤال يطرحه "الشارع المعارض" وهو الآتي: هل يستوي التغيير المتوقّع على مستوى خارطة المجلس النيابي الجديد مع بقاء الحال على حاله على مستوى رئاسة المجلس، خصوصاً إذا كانت نيّة التغيير تذهب الى مطالبة رئيس الجمهورية الممدّد له سوريّا بالاستقالة؟
جواباً عن هذا السؤال، تعترف الأوساط نفسها بالآتي:
أ ـ أن الإشكالية الأولى التي تواجه التغيير في هذا المجال، هي أن لا تغيير مباشراً على مستوى التمثيل السياسي الشيعي. ذلك أن الشيعية السياسية التي كان قانون الانتخاب لصالحها ثمناً لاعتبارات مشروحة آنفاً، تتصرّف بـ"التوحّد" الذي فرضته على نفسها والآخرين على أنها تملك حقّ "الفيتو"، أي على الرغم من أنها لن تستطيع بتحالفاتها النيابية أن تشكّل أكثرية، فإنها تملك أن "تحجز" باسم الطائفة على أي أمر لا يعجبها.
ب ـ أما الإشكالية الثانية التي تواجه التغيير في هذا المجال فهي أن اختيار رئيس المجلس كان يتمّ تاريخياً من بين الزعامات الشيعية في المراكز الشيعية أي في الجنوب والبقاع وليس من "الأطراف" حيث يُعتبر النائب الشيعي منتخباً بأصوات كتل ناخبة من طوائف أخرى، وإن كان هذا التقليد عرفاً وليس ما يمنع حصوله دستورياً.
ج ـ لكن الإشكالية الثالثة، فهي أن الاضطرار ـ إذا حصل ـ الى اختيار رئيس المجلس من ضمن الشيعية السياسية الراهنة، يعني اختياره من الأقلية النيابية ليقود مجلساً من أكثرية مختلفة.
من هنا، تقول الأوساط أن الإشكالية الرئيسية التي يورثها اعتماد قانون الـ2000 ضمن الظروف المعروفة، هي هذه بالضبط، وليس غيرها: التغيير هنا، إلاّ إذا تمكّنت الأكثرية الجديدة من أن تعقد تسوية مع أركان الشيعية السياسية السائدة، أو توافقت معها على اختيار معيّن، علماً أن الواقع التمثيلي الراهن للشيعية السياسية لا جدال فيه، وإن كان ما لا جدال فيه أيضاً أن قانوناً آخر للانتخاب كان سيعطي نتائج مختلفة "نسبياً".. أي أن الفارق هو أن طرفي الثنائية الشيعية على العكس من المنسحبين من المعركة الذين يغطّون "السماوات بالقباوات"، كانا، على قانون آخر، سيخوضان المعركة ويحقّقان أكثرية في مناطقهما في الظرف السياسي الراهن وفي ظلّ ضعف المعارضة الشيعية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.