8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

لا معنى لأي اتفاق ثنائي إن لم يوثّق في إطار المعارضة ككلّ

ثمة مفاوضات تدور حالياً بين "تيار المستقبل" و"التيار الوطني" الحرّ من جهة وبين "الحزب التقدمي الاشتراكي" و"التيار العوني" من جهة ثانية، بقدر نسبي من التنسيق بين "المستقبل" و"التقدمي"، حيث يستمع الطرفان الى تقدير "التيار" لحجمه في الشمال والجبل.. والبقاع، واقتراحاته لحجم تمثيله في اللوائح.
ويستدعي هذا الحوار الانتخابي مجموعة من الملاحظات الأولية:
أولاً ـ ليس ثمة مانع في المبدأ من الحوار مع العماد ميشال عون وتيّاره، لأن ليس هناك قرار لدى أي من الطرفين سعد رفيق الحريري ووليد جنبلاط باستبعاد عون أو عزله كما يقول هو، بل هناك قرار بالتعاطي "الواقعي" لاستكشاف إمكان التحالف "المنطقي" انتخابياً، وإمكان التعاون السياسي مستقبلاً بعد الانتخابات.
ثانياً ـ ومن المفهوم تماماً أن يبدأ الحوار ثنائياً بين "تيار المستقبل" وعون وبين "التقدمي" وعون نظراً الى خصوصية المناطق التي يتولى كل من الطرفين النقاش بشأنها، في الشمال والبقاع بالنسبة لـ"المستقبل"، وفي الجبل والبقاع بالنسبة الى "الاشتراكي"، وباعتبار أن مناطق التماس الانتخابي ليست مشتركة بين تيار الحريري والتقدمي الاشتراكي في عدد من المناطق المذكورة.
عدم بت أي اتفاق ثنائي بمعزل عن الآخرين
ثالثاً ـ وإذا كانت المفاوضات الدائرة الآن تعكس قراراً بعدم استبعاد عون، كما تعكس احتراماً لما يمثّله في العديد من المناطق، فإنه لا بد في حال التوصّل الى اتفاقات انتخابية ألاّ يبقى الأمر ثنائياً، أي ألاّ يبتّ الاتفاق الانتخابي بين "تيار المستقبل" وعون إذا حصل بمعزل عن الاتفاق بين "التقدمي" وعون، أو أن يثبّت أي اتفاق ثنائيّ إذا لم يثبّت الاتفاق الثنائى الآخر. كذلك، لا يجوز بتّ أي اتفاق بمعزل عن المعارضة المسيحية سواء "قرنة شهوان" أو "القوات اللبنانية".
رابعاً ـ والسبب المباشر لذلك هو أنه لا يجوز أن "يعطى" عون في مناطق معيّنة ضمن لوائح المعارضة فيرتاح ليخوض معركة ضدّ جزء آخر من المعارضة في مناطق أخرى، أي أن الاتفاق لا بد أن يكون متكاملاً. وبكلام آخر، أن المفاوضات الاستطلاعية بين فريقين من المعارضة وعون، ليست بديلاً من اتفاق بين المعارضة ككل والتيار العوني، لأن المعارضة تخوض معركة انتخابية موحّدة في إطار من الشراكة السياسية والوطنية، ويفترض تالياً أن يعلّق أي اتفاق ثنائي في انتظار الاتفاق الكامل.
ضرورة حماية الحلفاء
خامساً ـ وليس خافياً في هذا المجال أن للعماد ميشال عون استهدافاً خاصاً للمعارضة المسيحية، لا سيما في مناطق الغلبة الناخبة المسيحية كما في دائرتي المتن الشمالي وكسروان ـ جبيل، حيث يطمح عون الى أن يبرز بوصفه الزعيم المسيحي بلا منازع ولو اقتضاه الأمر "تأديب" كل المعارضين المسيحيين.
سادساً ـ أن مسؤولية الشركاء أن يحموا بعضهم، ومن غير المنطقيّ أن يكون اتفاق انتخابي في مكان ما مفتوحاً في المقابل على تصفية حسابات يقوم بها عون تجاه حلفاء في المعارضة المسيحية، علماً أن هؤلاء الحلفاء ينظر إليهم على أنهم الشريك المسيحي في المرحلة المقبلة. وبطبيعة الحال، ليس هناك ما يمنع الشريك المسلم من أن يلعب دوراً ملموساً في التقريب بين المتنافسين على "الساحة" المسيحية، لكن المسألة تتعلق بالدرجة الأولى بضمان عدم حدوث خروق يمكن أن يستفيد منها يتامى النظام السابق أو تضرّ حلفاء مسيحيين.
التعاطي الواقعي مع عون: لا مبالغة ولا استضعاف
إن الملاحظات الست التي جرى استعراضها آنفاً، تُثار قبل التوصّل الى أي اتفاق ثنائي وحتى لو تمّ التوصل الى اتفاق معيّن، علماً أن "المطالب" التي يقدّمها "التيار" والمتعلقة بـ"حصته" هنا وهناك تدلّ على تقدير مبالغ فيه للحجم، وتنمّ عن نيّة "تكبير الحجر". والى ذلك يضاف أن إعطاء "مكافآت"، أي ما يتجاوز حجم التمثيل الحقيقي ليس مبرراً سياسياً في هذه الحالة، لا سيما بعد الحملة السياسية التي شنّها الجنرال على الجميع تارة تحت عنوان "إنكّم لستم أفضل من رستم غزالة"، وتارة أخرى تحت عنوان "إنّكم تنفّذون أجندة دولية"، وتارة ثالثة باسم المفاضلة بين ما يسمّى "الإصلاح" وما يسمّى "الفساد"، في وقت لا يزال العنوان السياسي هو استكمال مسار الاستقلال واستعادة النظام الديموقراطي.
طبعاً، ثمّة ظروف أخرى لا بدّ من أخذها في الاعتبار. فالجنرال الذي هاجم الجميع يجد نفسه مطوّقاً، وهو قد طوّق نفسه بنفسه ولم يسعَ أحد الى تطويقه. والجنرال الذي جعل منه يتامى نظام الوصاية السورية متراساً ضدّ المعارضة، لن يستطيع لاعتبارات تيارية (تعني التيار العوني) وسياسية عامة محلية وخارجية التحالف مع هؤلاء اليتامى لأنه سيخسر مصداقيّته وسيخسر الكثير من جمهوره. والجنرال بحاجة الى أن يثبت قدرته على أن يكون له شركاء مسلمون حقيقيّون. وبمعنى آخر، فإن العماد عون ومنذ عودته الى البلاد في السابع من أيار، خاض معارك سياسية خاسرة، ولا يستطيع تالياً حيال شراكة وطنية إسلامية ـ مسيحية قيد التكوّن أن يسلك في وجهة تعترض هذه الشراكة.
ليس مطروحاً هنا استضعاف الجنرال، بل التعاطي الواقعي معه، وهذا التعاطي الواقعي لا يهدف الى تطفيشه بل الى "استعادته" الى "السرب"، وهذا لا يكون إلاّ باتفاق شامل في كل المناطق.
سليمان فرنجيّة و"الدفرسوار" السوري
على أي حال، إن المطروح يقع في لحظة تتميّز بأمرين رئيسيين يرتكزان على المعطيات الآتية:
1 ـ عاد النائب سليمان فرنجية من إحدى زياراته المتكرّرة الى دمشق بـ"فكرة" تشكيل "جبهة وطنية" يقترح لها أن تضمّ إليه، الرئيس عمر كرامي والعماد عون وطلال أرسلان، تحاول الحصول على أكبر عدد ممكن من المقاعد، ثمّ تتحالف في المجلس النيابي الجديد مع الثنائية الشيعية، فتكون لـ"الجبهة" كلمة وازنة في المرحلة المقبلة. وفي تقدير فرنجية الذي أبلغه الى الرئيس كرامي الذي شكّك فيه أن تحالف فرنجية ـ كرامي ـ الجماعة الإسلامية ـ عون شمالاً، يمكن أن يحصد غالبية المقاعد في دائرة الشمال الأولى.
إذاً، إن المشروع الذي يُدعى عون إليه هو مشروع "دفرسوار" سوري ليس منطقياً أن يسير الجنرال فيه وهو تحت المجهر المحلّي، المسيحي واللبناني، والدولي أيضاً.
"القرنة" والمبادرة المتجدّدة
2 ـ في المقابل، وبعدَ أن بهتت الحملة التي استهدفت المعارضة ككلّ، لا سيما "لقاء قرنة شهوان" مسيحياً، وبعدَ أن أعادَ البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير "اللقاء" الى تحت عباءته وبرّأه من أي تواطؤ على حساب المسيحيين وتمثيلهم بعد أن اتضحت الأمور وانجلت حقيقتها، يبدو "لقاء القرنة" في طريقه الى استعادة المبادرة، وقد عزّزت مجموعة من التطوّرات الانتخابية الأخيرة في بيروت والشوف والشمال، من مقولته أن الشراكة الوطنية أهمّ من القانون، وأن المعارضة قادرة على تحقيق انتصار انتخابي كبير أياً يكن القانون الانتخابي.
وفي استعادته المبادرة، يكون البطريرك أعطى "القرنة" دفعاً جديداً لتشكّل الشريك المسيحي في المعادلة الوطنية. وهنا لا بد أن يتذكّر الجنرال أن احتلال موقع في الشراكة الوطنية مسألة تتّصل في جانب رئيسي منها بـ"القبول" لدى الشريك الآخر وهذا ما يستدعي منه جهداً استثنائياً لمراجعة خطابه السياسي وتنقيحه.
إن التحالف مع العماد عون ضروري لكن ليس بأي ثمن، خصوصاً أن الظروف لا تحتّم دفع فاتورة مرتفعة. ولذلك فإن التقدّم نحو اتفاقات ثنائية إذا ظهر أنه حقيقي (التقدّم)، لا بدّ أن يوثّق في إطار المعارضة ككلّ، ولذا فإن المطلوب من الجنرال أن يتهاودَ في شروطه ليسهّل الحوار وينجحَه.
الباب لا يزال مفتوحاً لكنه لا يمكن أن يبقى كذلك أياماً طويلة، لأن المعارضة بكلّ أطرافها معنيّة بالذهاب الى الانتخابات بسرعة وبخطاب معارض موحّد، كي يكون لهذه الانتخابات زخمٌ تغييري كبير. وتستحقّ المعارضة أن تصل الى المجلس الجديد بهكذا زخم يضع عملية إعادة تشكيل السلطة على حاملة شعبية كبيرة. وهذه مناسبة للقول أن ما شهدته بيروت من انسحابات أدّت حتى الآن الى فوز تسعة مرشّحين بالتزكية، لا يشكّل طعناً بديموقراطية الانتخابات، لأنه باستثناء النائب غطاس خوري الذي ضحّى بمقعد مضمون من أجل الشراكة الإسلامية ـ المسيحية، فإن الانسحابات الأخرى ناجمة عن الفشل المحتوم للمرشحين المنسحبين، وهذا الأمر من علامات انهيار منظومة التعيينات النيابية في الحقبة السورية، ومن علامات عودة الانتخابات لتشكل محطّة "طبيعية" في المسار السياسي الديموقراطي.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00