الآن وقد هدأت العاصفة حول قانون الانتخاب وظهر بوضوح أن الكلام عن "صفقة" بشأنِه بين تحالف رباعي إسلامي وبعض المعارضة المسيحية لم يكن يهدف إلاّ الى ضرب قوى المعارضة ببعضها والى قطع المسار الديموقراطي لتغيير السلطة، يمكن استعادة عدد من النقاط الرئيسية بأفق مستقبلي هذه المرة.
المظلّة الدولية و"أحكامها"
أولاً ـ إن فوق المسألة الانتخابية اللبنانية مظلّة دولية، ولم يكن خافياً أن الإصرار الدولي كان على إجراء الانتخابات النيابية في موعدها وبأيّ قانون، ثقةً من المجتمع الدولي بأن الظروف والتحالفات السياسية أياً يكن القانون، ستأتي بتغيير أكيد على مستوى السلطة السياسية، وأن هذا التغيير لن يتوقّف عند أسوار النتائج الانتخابية. وقد عبّر السفير الأميركي جيفري فيلتمان بعد لقائه البطريرك نصرالله بطرس صفير أول من أمس عن الموقف الأميركي والدولي في هذا المجال بملاحظة أنه لم يكن ممكناً في أسابيع حلّ مسألة قانون الانتخاب التي لم تحلّ سابقاً.
ثانياً ـ أدركت الشيعية السياسية مضمون الموقف الدولي المشدّد على أولوية قانون الانتخاب، ومارست تحت سقف هذا الموقف الدولي ضغوطاً وصلت الى حدّ التلويح بأن لا لانتخابات لا تجري على أساس قانون العام 2000، وفي ظلّ هذا الموقف "الشيعي" كانَ النصح الدولي بمحاذرة تأجيل الانتخابات أو تعطيلها ولو كان القانون هو الثمن الذي لا بد من دفعه، لأن الموقف الدولي ينظر الى مسار متكامل وليس الى محطّة من ضمنه فقط.
ثالثاً ـ إن المعارضة بشقّيها المسلم والمسيحي، كانت معنيّة بأخذ الموقف الدولي في الاعتبار، لأنها أدركت أنها لو لم تأخذه في الحساب لم تكن فقط لتجازف بالانتخابات، بل كانت لتجازف باستمرار الرعاية الدولية للوضع اللبناني الى حين رسوّه على برّ الأمان أساساً. وأكثر من ذلك، كانت المجازفة بتعطيل الانتخابات تحت أي عنوان كان ستعني تغيّراً في الأولويات الدولية التي يجب الاعتراف بأن لبنان كان من ضمنها.
خطأ المعارضة المسيحية: الرضوخ للابتزاز
رابعاً ـ الموقف الدولي معطىً إذاً ولم يكن قانون الانتخاب صفقة بل أمراً واقعاً. بيدَ أن المعارضة أخطأت في إخراج تعاطيها الواقعي مع قانون العام 2000، فبدا أن في الأمر استبعاداً إسلامياً للفريق المسيحي، خصوصاً أن المعارضة المسيحية تصرّفت كمن يرتكب خيانة ضد المسيحيين وأدارت الموقف بطريقة تفتقد الى الوضوح، ورضخت لابتزاز الرموز المسيحيين من السلطة "البائدة" ولابتزاز العماد ميشال عون في آن. وسيكون غريباً أن يكتشف المرء مثلاً أن البطريرك ليس مبلّغاً بالموقف الدولي من مصادره المباشرة أو أن "قرنة شهوان" لم تنسّق معه.
باختصار، كان ثمة ابتزاز للمعارضة كافة لكن لـ"جناحها" المسيحي بشكل خاص، وبرز ارتباك لا مبرّر له، كان يجب ألاّ يحصل بل أن يردّ له الصاع صاعين قبل أن يستفحل الابتزاز ويتخّذ من بكركي منصّة له.
الفريق المسلم يختار شريكه المسيحي
خامساً ـ إن الغاية من هذه المقدّمات هي القول أن ثمّة شريكاً مسيحياً غير مغيّب في هذا المسار، وأن هناك تحالفاً إسلامياً ـ مسيحياً هو الذي قاد انتفاضة الاستقلال، وهو الذي يفترض أن يشكّل العمود الفقري للسلطة الميثاقية الجديدة. لذلك كانَ من الطبيعي ان يتفق التحالف على أن المسألة أبعد من قانون انتخاب يعتبره الجناحان جائراً، لأن المسألة تحالف سياسي أولاً وأخيراً.
وللعلم فقط، وفي حسابات رقمية، لم يكن ما يمنع "تيار المستقبل" أن يسير بقانون القضاء الذي يعطيه عدداً أكبر من النواب. أما رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط فلفت الى مسألة غاية في الأهمية نسبها الى جهات دولية لكنها فعلية، وهي أن قانون القضاء الذي يظلم الشيعة من خارج الثنائية السائدة، يمكن أن ينقذ في المقابل مسيحيي سوريا. فلماذا اذاً البكاء على قانون الـ 2000 مسيحياً؟ وهل كان إميل لحود وسليمان فرنجية وميشال المر وغيرهم لـ"يرحموا" المعارضة لو انتهت معركتها السياسية الى فشل.
ثم أن هناك أمراً طبيعياً، هو أن الفريق المسلم اختار شريكه المسيحي ووقع اختياره على "بيئة" البطريرك صفير، وقرر أن يشاركه، والحديث عن "بيئة" البطريرك هو عن "قرنة شهوان" ومن ضمنها "القوات اللبنانية"، وهو (أي الفريق المسلم) لا يقدم مِنَحاً انتخابية لهذا الشريك المسيحي، أي انه لا "يتفضّل" عليه بمقاعد، لا بل إن تحالف الشريكين يوصل عدداً من النواب المسيحيين من هذه "البيئة" يوازي العدد الذي كان سيفرزه اعتماد القضاء وأكثر. انها مسألة "شراكة" اذاً وليست مسألة انتخابية "صرفة". وهذا ما حصل في لوائح بيروت بانضمام السيدة صولانج الجميل والزميل جبران تويني اليها. مع معرفة سعد رفيق الحريري المسبقة بأن الجميل وتويني لن يكونا عضوين حكميين في كتلته النيابية. وهذا ما حصل في الشوف بانضمام جورج عدوان اليها. وبكلام آخر، اختار الفريق المسلم شريكاً مسيحياً قوياً ولم يختر مسيحيين يخصّونه إلا في حالات لها تمثيل انتخابي فعلي.
قراءة استرجاعية "منصفة" لموقف البطريرك
في ضوء كل ما تقدم، وبقراءة استرجاعية لمواقف بكركي الأسبوع الماضي ابتداءً من بيان مجلس المطارنة الموارنة مروراً بكل ما أطلقه البطريرك، يمكن القول ان الاعتراض ـ من موقع المعارضة ـ على ما أُعلن من مواقف لم يكن تخطيئاً للبطريرك على الجوانب المبدئية الرافضة لقانون الانتخاب، ولا على الاشتباهات من استهداف للتمثيل المسيحي، ولا على تخوفاته من أن يكون ثمة من يريد مواصلة معاملة المسيحيين بعد الانسحاب السوري كما كانوا يعاملون في حقبة الوصاية السورية. كان الاعتراض ـ من موقع معارض ـ على السياق السياسي لما طرح وعلى محاولة رموز الحقبة السورية تجيير الموقف البطريركي لمصلحتهم وإعادة تعويم أنفسهم مسيحياً فيما هم فاقدون للشرعية مسيحياً ووطنياً لأنهم أركان نظام بائد صرعَ الطائف وخدمةً للنظام الأمني الذي أقيم على أنقاض الميثاق الوطني.
اذاً، كان الاعتراض ـ من موقع معارض تكراراً ـ على وضع الشريك المسيحي للفريق المسلم في موقع ضعف، إذ بدا هذا الشريك فاقداً المظلة في الوقت الذي يتعرض لحملة شعواء من بقايا النظام الأمني ومن العماد عون على حد سواء. والأخطر هو ان هذا الشريك بالتحديد بدا ضعيفاً أمام شريكه المسلم الذي راح يسأل ـ وبخبث أحياناً ـ هل ان الاختيار كان صحيحاً طالما ان الشريك المسيحي المفترض لا يستطيع حتى ادعاء القرب من البطريرك. وعلى أي حال، قد يقول قائل ان مواقف البطريرك حققت هدفها في تثبيت موقف الفريق المسلم واختياره مسيحيين أقوياء الى جانبه في الانتخابات.. لكن الأمانة تقتضي تأكيد أن هذا الأمر كان مبتوتاً في خطوطه العريضة من قبل .. ومع ذلك فإن الأمر مُنتهٍ من هذه الجهة.
التحالف الإسلامي ـ المسيحي وتوازن السلطة المقبلة
والأهم الآن، هو تسليط الضوء على حقيقة أن التحالف الإسلامي ـ المسيحي (الذي في المعارضة حتى الآن) يجب أن "يتحكم" بالتوازن السياسي العام بعد الانتخابات، وبالتوازن السياسي ضمن المؤسسات الدستورية مجلساً نيابياً وحكومةً. والكلام عن تحكم بالتوازن السياسي، أي الخارطة السياسية، لا يعني المواجهة مع الشيعية السياسية التي وضعت نفسها بشكل أو بآخر تحت سقف المعادلة الداخلية ـ الدولية. بل يعني التوصل معها الى تسويات من موقع تمثيل سني قوي ودرزي قوي ومسيحي قوي. أما بعض المتباكين على القانون ممن خدموا نظام الوصاية السورية، فإنهم لا يغشون أحداً، لأنهم انتعشوا من بعض أخطاء المعارضة، لكن لا يمكنهم البقاء مع انقلاب المعطيات، ويجب أن يخجلوا مما يقولون، وهم الذين استقووا بسوريا على اللبنانيين في مرحلة سابقة، وليعيدوا تأهيل أنفسهم قبل أن يتقدموا للمرحلة الجديدة.
عون: الأخطاء والخطايا
يشذّ العماد عون عن هذه التطورات جميعاً، وبقرار ذاتي، أي أنّ أحداً لم يجبره على ذلك "الانعزال" عن التطورات والقوى الفاعلة فيها:
1 ـ افتتح عون النهج الذي أدّى الى هذا "الانعزال" عندما أعلن انّ المعركة انتهت بانسحاب سوريّا من لبنان، وحين تحدّث عن انتهاء ما يسمّى موالاة ومعارضة. وهذا غير صحيح لأنّ المعارضة لم تصبح سلطة بعد، ولأنّ معركة بناء المرحلة الجديدة لا تزال في بدايتها، ولا يمكن تبرئة الموالين من موالاتهم ولا يجوز استيعاب هؤلاء في "المشروع الجديد" كونهم لا يزالون امتداداتٍ للنظام الأمني السابق.
2 ـ وافتتح عون هذا النهج عندما ارتضى العودة الى لبنان ليس من موقع القوة المعارضة بل من موقع تسوية الأمور مع السلطة، وهي تسوية ستتّضح بنودها تباعاً.
3 ـ وتعاطى عون مع مكونات المعارضة بصفتها مدينةً له، وعاد بسرعة الى خطاب "الاختزال"، فهل صحيح مثلاً أنّ "تيار المستقبل"، و"الحزب التقدمي الاشتراكي" لم يكونا يريدان ما يسمّيه "التحرير"، وهما اللذان فجرا انتفاضة الاستقلال والسيادة، باستشهاد الرئيس رفيق الحريري ومحاولة اغتيال مروان حمادة؟ وهل يتصوّر عون أن دوره ـ المهمّ ـ في المعارضة كان يكفي لولا التصالح الإسلامي ـ المسيحي حول السيادة؟ وهل كان الاعتراض على التمديد اعتراضاً على لحود أو اعتراضاً على الوصاية السوريّة التي ارتكبت التمديد؟.. وهل صحيح أن ينزّه عون العسكر والمخابرات وينسب قيام النظام الأمني إلى السياسيين؟
4 ـ وارتكب عون خطيئة كبرى بوصفه "تيار المستقبل" ووليد جنبلاط بأنهما "رستم غزالة". هل يحق له ان يهين ذاكرة اللبنانيين وأن يغضّ النظر عن حقيقة أنّ تحالف المعارضة يضمّ ابناء وأزواج من تعرضوا للاغتيال في ذروة الوجود السوري في لبنان؟
5 ـ انّ هذا التنكر للإنجاز المشترك للمعارضة وتضحيات مكوناتها، لا تبرره أيّ سلبيّة من جانب المعارضة حيال الجنرال، خاصة أنّه أعلن أهدافه من باريس تحت عنوان أنّه يمثّل "التيار الإصلاحي" فيما الآخرون سلطويون فاسدون. فهل لا يحقّ للمعارضة ان تخشى النوايا المعلنة؟. وهل من حقّه ان يُبقي أمر التحالف غير مبتوت الى اللحظة الأخيرة موصيا بميشال المرّ تارةً وبسليمان فرنجية تارةً أخرى وبطلال أرسلان تارة ثالثة، وأن يفرض تصوّره للتحالفات باسم التحالفات البرنامجيّة المسبقة؟
لا شكّ في أنّ عون ارتكب من الزلاّت ما يقتضي التصحيح... إلاّ إذا كان كما تدلّ حركته حتّى الآن متجهاً الى تغطية تحالف يضم رموز الحقبة السوريّة، ويعتبر أنّ رئاسة الجمهوريّة المقبلة ستضمن له بتسوية دوليّة ـ سوريّة ما!.. الأكيد أنّ الجنرال يخطئ الرهان.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.