8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الضحايا هم ميثاقيو الطوائف ومرشحو الوحدة الوطنية في طوائفهم

هل ان ما شهده لبنان في الأيام الماضية يمثل محطة فرز طائفي حادّ "عابرة" ام انه مقدمة لتأسيس الواقع السياسي اللبناني على قاعدة هذا الفرز الحادّ نهائياً؟. والمستقبل الى أين تالياً؟.
هذا السؤال لا ينطلق بداهة من اكتشاف مفاجئ لـ"المسألة الطائفية" وعمقها في لبنان، انما من محاولة استكشاف الآفاق المباشرة للواقع الطائفي الراهن وما عناه من تحولات، خصوصاً في سياق المرحلة الانتخابية. وفي "الظواهر" التي برزت مؤخراً يمكنُ تسجيل المعطيات الآتية:
الشيعة والشيعية السياسية
اولاً ـ "بدأ" الأمر في الدائرة الشيعية، إذ بدا لفترة ان الثنائية الشيعية السياسية أوجدت مناخاً في الاطار الشيعي يعلن الخوف الشيعي من التطورات الآتية على "حاملة" انتفاضة الاستقلال، ويعلنُ الخشيةَ من ان تؤدي هذه التطورات الى إضعاف موقع الشيعة في النظام السياسي، فكان "قرار" الثنائية بالتوحد وبخلق تضامن بين الطائفة وحزبيها، اي ان الثنائية اتخذت قراراً باسم الطائفة الشيعية بـ"حجز" الوفاق الوطني الى حين، وصار كل شيعي يتعاطف مع انتفاضة الاستقلال معتبراً انه غير شيعي من قِبل المعارضة ومن قِبل الثنائية في آن.
وبما ان الثنائية صارت الطائفة، وبما ان الطائفة حجزت ـ والحالة هذه ـ الوفاق، صار الحديثُ من قِبل اركان في المعارضة بتشجيع دولي عن تسوية مع "الطائفة الشيعية" تفكّ بموجبها الحجز عن الوفاق، وصار الحديثُ عن قانون العام 2000 بوصفه تلك التسوية التي تدخل "الطائفة الشيعية" في المرحلة الجديدة.. فقدّم القانون المذكور على انه الإرضاء الضروري للشيعة.
وعلى هذا الاساس تلقف طرفا الثنائية الشيعية السياسية اي "امل" و"حزب الله" كل ذلك، وشكّلا لائحتيهما المشتركتين في الجنوب، وتمّ "تصعيد" التقاسم لهاتين اللائحتين، وحُسمت الانتخابات قبل ان تبدأ، ووُضِع الشيعي غير المنتمي اليهما في العزل، وشمل ذلك حتى الذين من الشيعة افترضوا إمكان التعاون مع أحدهما دون الثاني.
الاستنفار الماروني
ثانياً ـ في مقابل هذا الاستنفار الشيعي، برز خلال الايام الماضية استنفار مسيحي ماروني، الفارق بينهما هو ان الاول حصل تحت عنوان المحافظة على موقع الشيعة كما هو الآن في النظام السياسي، في حين ان الثاني ـ اي الماروني ـ حصل عملياً تحت عنوان تعديل موقع الموارنة في النظام السياسي من مدخل تعديل التمثيل.
اعتبر الموارنةُ كنيسةً وتياراتٍ حزبية عدّة ان تطبيق الطائف على النحو الذي تم فيه خلال خمسة عشر عاماً بالوصاية السورية، أدّى الى "معس" التمثيل المسيحي في مقابل تشكيل طبقة سياسية مارونية تابعة لسوريا، والى اضعاف لا بل تشويه الموقع الماروني ككل. وبما ان هذا صحيح وبما ان الانسحاب السوري حصل، وبما ان المرحلة المقبلة يفترض ان تشهدَ تطبيقاً لبنانياً ذاتياً لاتفاق الطائف، فان الفرصة مؤاتية لـ"فرض" قواعد جديدة اي صياغة متجددة للعلاقات السياسية المسيحية ـ الاسلامية طالما ان لا تعديل على خارطة الاسلام السياسي. وبموجب هذه الصياغة المتجددة، يبدو من المواقف التي اعلنتها الكنيسة والتيارات السياسية على حد سواء ان لا استعداد لقبول تمثيل مسيحيّ يمرّ عبر قنوات العلاقة بالمسلمين، وان المطلوب تمثيل مسيحي صاف. وقد عبّر البطريرك نصرالله بطرس صفير عن هذا الموقف بصيغتين: الاولى عندما قال ليأتِ المسلمون بنوابهم والمسيحيون بنوابهم، والثانية عندما اوضح ما قصده فقال ليقترع المسلمون والمسيحيون معاً لكن في دوائر مصغرة. واذا كانت الصيغة الاولى لا تنطوي على أيّ ابهام في اختيار المسيحيين لممثليهم، فان الصيغة الثانية تنطوي على دعوة المسلمين الى انتخاب من يقررهم المسيحيون.
وكما الشيعة من خارج الثنائية غير المعتبَرين شيعة "حقيقيين" من قبل الشيعيّة السياسيّة والذين يعتبرون أنفسهم في المقابل شيعة "ميثاقيين"، فقد حكم على الموارنة الذين لا يأتون من موقع ماروني "موصوف" بالإعدام السياسي، علماً هنا ان ثمة موارنة مثّلوا خلال السنوات الماضية ما كان يسمّى "موارنة البطريرك"، وجّهت اليهم بالموقف الذي اتخذه سيّد بكركي ضربة كبيرة، إذ غدوا من الوجهة المارونية "الصرفة" أشبه بـ"الخوارج" عند المسلمين، وباتوا من الزاوية الاسلامية "الصرفة" ايضاً لا يمثلون مسيحياً.
الهياج الطائفي: من ضمن الطائف كيف ومن خارجه لماذا؟
ثالثاً ـ ان السؤال في ضوء هذين المعطيين الشيعي والماروني، هو بداهة عن علاقة كلّ ذلك بالطائف. وفي هذا الاطار يمكن للبعض أن يعتبر أن لا علاقة لهذه المواقف بالطائف من زاوية ان الميثاق هو في العمق ميثاق لا يرتبط ـ مبدئياً ـ بتوازنات القوى السياسية، كما لا يرتبط بصعود او هبوط هذا الفريق السياسي او ذاك ضمن الطوائف، لان حقوق الطوائف محفوظة في الميثاق الذي لا يقوم على ثنائية الطائفة ـ الحزب او "حزب الطائفة". بيدَ انه لا يمكنُ اتهام من يتعاطى في الأمر على النحو الذي تم شرحه آنفاً بالخروج كلياً على الطائف الذي تقوم فكرتُه في جانب رئيسيّ منه على "التوازن الطائفي" وعلى المناصفة. وليس مستغرباً امام أول اختبار لـ"لببنة" تطبيق اتفاق الطائف ان تبرز المواقف من ضمن كيفية المناصفة ومن ضمن كيفية تحقيق التوازن الطائفي. وبكلام آخر، لا إمكانية لإصدار حكم على المواقف المعلنة بأنها خارج الموضوع تماماً، بل باعتبارها "وجهات نظر". ذلك ان الطائف بقدر ما يسمح بـ"استيعاب" التوازن الطائفي والمناصفة من ضمن توجه الى تشكل كتل ميثاقية وهو الامر الذي لم يتحقق، فإنه يسمح بالذهاب الى الطائفية "الصافية" أيضاً.. اي أن للأمر علاقة مباشرة بالديناميات السياسية.
ان هذه المقدمات في الدائرتين الشيعية والمارونية بالرغم من الفارق بينهما، تسمحُ باستنتاج ان ميثاقيي الطوائف من جهة والمستقلين عن "الطائفة ـ الحزب" من جهة ثانية والتيارات السياسية من جهة ثالثة، هم الآن ـ وفي المحطة الانتخابية الراهنة ـ ضحايا التطورات الاخيرة بما حملته من فرز طائفي حادّ، في وقت كان الظنّ ـ المتسرّع ربما ـ ان انتفاضة الاستقلال وضعت مثل هذه الاصطفافات "وراءنا". وعلى ذلك امثلة عدة:
غطاس خوري نموذجاً
1 ـ حيالَ التهيّجات الطائفية، من الواضح ان كل المحاولات التي بذلت لمعالجة المسألة الانتخابية بمنطق "الشراكة الوطنية" وتغليبه على المنطق الانتخابي البحت، قد فشلت. وصار سعد الحريري ووليد جنبلاط كي يحصلا على "تغطية مسيحية" مضطرين الى أخذ أسماء معينة في لوائحهما.
طبعاً، لا جدال هنا في ان الحريري وجنبلاط كي لا يكونا في موضع الاتهام بأنهما يسعيان الى تحالف اسلامي يستبعد المسيحيين، لكن اساساً من موقعهما في الوفاق الوطني، مدعوّان الى مشاركة تمثيل مسيحي لا يكون مفروضاً على المسيحيين. بيدَ انه لا ضمانة في ظل الاجواء الحالية من ان يكون مجردّ فيتو تضعه دوائر مسيحية معينة كافياً لنزع "المسيحية" عن اي مرشح، ولا ضمانة من ان يكون كل سائد على طائفته في مجال استدعاء اي مرشح الى بيت طاعة الطائفة.
بطبيعة الحال، النائب غطاس خوري هو في هذه الحالة ضحيّة. والموضوع لا يناقش هنا من زاوية موافقة سعد رفيق الحريري على ترشيح صولانج الجميل على اللائحة في بيروت الاولى، انما من زاوية ان ثمة من بات يستطيع ان يقول ان فلاناً يؤمّن تغطية الطائفة الفلانية وان فلاناً لا يؤمنها.
الميثاقيون الموارنة في "القرنة"
2 ـ وفي مناخ التهيجات الطائفية (في كل الطوائف) من المؤسف ان مرشحين مسيحيين، من بينهم نواب حاليون، يعلنون انهم لا يستطيعون الترشح في مثل الاجواء القائمة حتى لو كانوا قادرين على الفوز لانهم سيتّهمون في طائفتهم بأنهم فازوا بأصوات غير مسيحية، وصاروا "يرجون" ان سلّحونا بالقدرة على مواجهة الهياج الطائفي بترشيح فلان او فلان في هذه المنطقة او تلك. هذا مع العلم ان هؤلاء كانوا خلال السنوات الخمس الماضية تحت عباءة البطريرك ومناضلين من اجل الاستقلال والسيادة، وكانوا الجسر الى البيئات الاخرى.. وهم ضحايا ايضاً.
"اليسار الديموقراطي": ضحيّة نموذجية
3 ـ وفي المناخ نفسه، تبدو "حركة اليسار الديموقراطي" ضحية نموذجية. فهذه الحركة التي شكلت رافداً رئيسياً مهماً من روافد معركة الاستقلال والسيادة، وتولّت "العتالة" نيابة عن المعارضة كلها، "تعاقب" الآن في ظل "الاضطرارات" عند عدد من الحلفاء الى تأمين "التغطية المسيحية".
ليس الهدف من كل ما تقدّم نعي التحالفات الجارية ولا الاعتراض على ممّرات يبدو بعضها اضطرارياً ولا مهاجمة محاولات استيعابية لاوضاع معيّنة، انما الهدف هو فضلاً عن تسليط الضوء على جوانب الوضع القائم من المدخلين الفعليين المطروحين حالياً، الشيعي والماروني، الاشارة الى الضحايا الذين لو كانوا من موالاة نظام الوصاية الامني لما أسف بشأنهم احد، انما هم من مكونات الانتفاضة الاستقلالية. والهدف الآخر هو القول ان "شيعة الوحدة الوطنية" و"موارنة الوحدة الوطنية"، اي الذين لا نجاحَ لهم الا في اطار الاختلاط الميثاقي الوطني، يدفعون الى هامشية اكبر من اي وقت مضى.
الأمل الخائب
امّا الهدف الرئيسيّ، فهو الجواب عن السؤال المطروح في بداية هذا التحليل، وذلك بتأكيد ان ما يشهده لبنان حالياً، طبيعي اي غير مفاجئ من جهة طالما ان الإطباق على حراك البلد كان السمة الرئيسية خلال خمسة عشر عاماً ويزيد، لكنه ليس محطة عابرة تنتهي بانتهاء الانتخابات من جهة مقابلة، بل مقدمة لمرحلة ما بعد الانتخابات وللصراعات حول السلطة "الجديدة".
ومن الطبيعي ان يكون أيّ عمل هادف الى تكوين استقطاب عابر للطوائف مهدّداً، وأيّ محاولة لتغيير التمثيل السياسيّ او فتح المجال امام هكذا تغيير ستكون معقدة جداً. وهكذا، فان ما أمِل فيه شباب لبنان في 14 آذار من تغيير في موازاة إنهاء نظام الوصاية الامنيّ، لم يعد سوى مجرّد "حلم"، اي نقل لبنان الى مرحلة الدولة المدنية في ظلّ تحالف ميثاقي حاكم ومجتمع سياسيّ متحرّك يأخذ بعنواني الميثاق والإصلاح معاً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00