8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

البطريرك يصرع "لقاء القرنة" الذي فاخر بأن آتوني بمثله

لا يزال الموقف الذي يتّخذه البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير مِن قانون الانتخاب موضع نقاش في العديد من الأوساط السياسية من زاوية علاقة هذا الموقف بالخطاب المعروف لبكركي منذ سنوات كما من زاوية تأثيراته السياسية المباشرة والبعيدة المدى.
أولاً ـ في رأي الأوساط السياسية أن من حقّ البطريرك أن يعترض على قانون العام 2000 لأن له موقفاً سلبياً منه منذ جرى اعتماده قبل خمس سنوات، ولأنه ومنذ أن فتح البحث في القانون قبل أشهر عدّة كان واضحاً في مطالبته باعتماد الدائرة الصغرى ولم يحِد عن هذه المطالبة قيد أنملة.
ثانياً ـ ومن حقّ البطريرك أن يحتجّ ـ ضمناً ـ على تقديم بعض المعارضة لقانون العام 2000 ليس فقط بصفته أمراً واقعاً فرضه اتفاق دولي ـ إقليمي، بل بصِفته كما قيل تكراراً إرضاء للشيعيّة السياسية لتمكينها من الانتقال الى مرحلة ما بعد الانسحاب السوري من لبنان، الأمر الذي قد يكون عنى له استبعاداً للمسيحيين.
ثالثاً ـ ومِن حقّ البطريرك أن يتوجّس من نشوء تحالف إسلامي سنّي ـ شيعي ـ درزي يتمّ إلحاق تمثيل مسيحي ما به، خصوصاً أنه ألمحَ أمام بعض من التقوه أخيراً الى أن إسقاط رئيس الجمهورية يبدو بالنسبة إليه الهدف الوحيد للبعض في المرحلة المقبلة، أي الاكتفاء من التغيير بتغيير رئيس الجمهورية وليسَ آخرين من طوائف أخرى في مواقع سلطويّة رئيسية.
رابعاً ـ بيدَ أن ما يفاجئ الوسط السياسي في التعبيرات الأخيرة للبطريرك عن مواقفه يتمثّل في الآتي:
1 ـ إنه يعلَم أن تجديد العمل بقانون الـ2000 ليس بقرار من المعارضة بشقّيها المسلم والمسيحي، وهو فوتح أصلاً بهذا الأمر من قِبل رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في الاتيكان ولم يكن للبطريرك في تصريحه العلني آنذاك ما ينبئ بموقف من النوع الذي يُسمع اليوم بل اكتفى بالدعوة الى "تحسينات".
بينَ "مسيحيين سوريين" و"مسيحيين مسلمين"
2 ـ وإذا كانَ من حقّه الطبيعي أن يعيد التذكير بالخلل في تطبيق الطائف خلال حقبة الوصاية السورية ونظامها الأمني، فليسَ منطقياً مباشرةً بعد الانسحاب السوري ـ الذي لم يكتمل أمنياً وسياسياً بعد ـ أن يحمَّل المسلمون الذين شاركوه معركة الاستقلال مسؤولية سوء التطبيق، وأن تُنسب إليهم نيّة تعيين نوّاب مسيحيين بحيث يتمّ الانتقال من حقبة "المسيحيين السوريين" الى حقبة "المسيحيين المسلمين". هذا مع الإشارة الى أن مطالبة البطريرك بالـ64 نائباً مسيحياً لم تصل خلال الزمن السوري الى ما وصلت إليه في الأيام الأخيرة.
خارج المألوف
3 ـ وبأدائه الأخير خرج البطريرك صفير عن موقعه وخطابه المعروف في آن معاً. فإذا كان البطريرك يطلق عادة مواقف من موقعه كمرجعيّة مسيحية ـ وطنية فإنه لم يتعاطَ يوماً في "السياسة السياسية" بمعنى أن يدير مباشرة معركة سياسية يستحضر معها الشارع. وكذلك، فإن اللبنانيين عموماً والمسلمين خصوصاً اعتادوا خلال السنوات الماضية على خطاب بطريركي يتّسم بالحرص على العيش المشترك، لا بل أن البطريرك وجّه السياسيين المسيحيين باستمرار باتجاه الشريك المسلم وباتجاه الانفتاح على الأفق اللبناني الأوسع واعتبر أن لا استقلال ولا سيادة خارجَ الوحدة الوطنية والشراكة المسيحية ـ الإسلامية، فكيف تصحّ والحال هذه دعوته الى أن يأتي المسلمون بنوّابهم والمسيحيون بنوّابهم بصرف النظر عن الموقف من قانون الانتخاب؟ وكيف يصحّ أن يرفض البطريرك بتّ الانتخابات بالشراكة وقد ارتضاها عنواناً وطنياً عاماً، وذلك تمهيداً لإصلاح سياسيّ من ضمنه قانون الانتخاب بعد الانتخابات؟
تأجيل الانتخابات
4 ـ واللافت في الموقف الأخير للبطريرك أنه بعدَ أن كانَ داعية إجراء الانتخابات في مواعيدها، عادَ من الاتيكان ليطرح معادلةً صعبة هي عدم تأجيل الانتخابات وتعديل القانون في آن، لكن بقيت الأولويّة عندَه لإجراء الانتخابات.. الى أن باتَ موقفه يعطي الأولويّة للقانون مجازفاً بتأجيل الاستحقاق، مغلّباً "المنطق الانتخابي" على منطق "الشراكة الوطنية".
5 ـ والأخطر في كل ما يجري أن بكركي تحوّلت بين ليلة وضحاها الى ملجأ لفلول الطبقة المسيحية السورية وبقايا النظام الاستخباراتي يستظلّون بها وتمنحهم بمجرّد قبولها بهم في رحابها بركةً لا يستحقونها.
الخطأ الجسيم: قتل "قرنة شهوان"
خامساً ـ وإذا كانَ ما تقدّم لا يدعو البطريرك الى القبول بتهميش المسيحيين إنّما يسلّط الضوء حيث يخطئ البطريرك وأكبر الأخطاء هو بلا شك المشهد غير المألوف الذي يبدو عليه سيّد بكركي قائداً للتطرّف المسيحي "من دون مناسبة" فيما كان ولا يزال يمثّل رمزاً للاعتدال والعيش المشترك، وإذا كان البعضُ يفسّر هذا التحوّل بـ"عقدة عون" لدى البطريرك، فإنه قدّم هديّة كبيرة للعماد العائد الى الوطن: أن يبدو هو ـ أي صفير ـ رمزاً للتطرّف وأن يتحدّث عون لغةً غير مسيحية.
إلاّ أن الخطأ الجسيم، هو أن البطريرك شطب بشحطة قلَم ما كان أنجزه بنفسه خلال السنوات الأخيرة، أي تشكّل تيّار مسيحي في فيء بكركي وعلى أساس خطابها، مجسّداً في "قرنة شهوان" عموماً وفي عدد من شخصيّاتها البارزة خصوصاً. وهكذا وفي أسبوع واحد فقط أعطى صفير ثقته المتجدّدة لـ"القرنة" وأطلق "رصاصة الرحمة" عليها. وغدا التيّار المسيحي المعتدل ضحيّة التطرّف في البيئة المسيحية.. مِن أين؟ من البطريرك، وبين مطرقته وسندان عون، عرضةً لهجوم شرس، وهو التيّار ـ الفريق الذي خاض منذ النداء الأول للمطارنة الموارنة في أيلول 2000 معركة السيادة والاستقلال مِن "الداخل" وليس من الخارج.
الشريك المسلم ودوره
إن هذا الوضع الذي لا يُحسد عليه التيّار ـ الفريق المعتدل، لا تكتمل صورتُه إلاّ بملاحظة لا بدّ من إعطائها في وقت لاحق حيّزاً مهمّاً من النقاش.
وهذه الملاحظة تتعلّق بأداء الشريك المسلم حيال الاعتدال المسيحي، لكأن الخوف من التطرّف دفع باتجاه استنفار عصبيّات طائفية متقابلة، ولكأنّ التنازل للاعتدال المسيحي لتذخيره في مواجهة التطرّف في بيئته أصبح تنازلاً أمام التطرّف وتغذيةً له، ولكأنّ المسلمين لا دور لهم في تشجيع فريق الاعتدال ليجعلوا منه الشريك المسيحي الذي يبنون معه الدولة، ولكأنّ المسلمين لا يقيمون وزناً إلاّ للنافذين في الشارع، أي للذين يخيفون، فيؤدّي أداؤهم من دون أن يقصدوا حتى الى عدم تجديد واقع الشراكة المسيحية.. ولكأن المسلمين "يستكبرون" على النخبة المسيحية المعتدلة التي وحدها تستطيع أن تشاركهم. وهذا الكلام عن المسلمين يتعلّق بعدد من المواقع وليس بها كلها.
14 آذار "فرط" واستنتاجات دولية
المهم أن 14 آذار "فرط" و"لقاء القرنة" فرطه البطريرك.. والانتخابات قد تفرط بدورها.
والأخطر بكثير، وفي هذا المناخ، يتمثّل في معلومات ديبلوماسية توافرت خلال الساعات الماضية تفيد بالآتي:
أ ـ إن القوى الدولية النافذة، لا سيّما الولايات المتحدة توصّلت الى استنتاج أن الأداء اللبناني خلال الأسابيع المنصرمة يبرهن على أن بقايا استخباراتية نجحت في تعقيد الوضع اللبناني مستفيدةً من أخطاء المعارضة.
ب ـ واستنتجت أيضاً أن "ادعاء" القوى اللبنانية بقدرتها على معالجة الملفّات المطروحة على لبنان توصلاً الى حلول لبنانية لها، ليس في محلّه.
ج ـ واستنتجت أنه طالما أن الأولويّة التي كانت معطاة لإجراء الانتخابات يجري التفريط بها لبنانياً، فإنّه يمكن جدولة الأولويات من جديد، خصوصاً إذا لم تجرِ الانتخابات بالتوافق أو إذا لم تؤجّل بالتوافق. وهكذا لم تعد الولايات المتحدة مهتمّة بالانتخابات أو بالتمديد للمجلس النيابي الحالي، على أساس أن تكون الخطوة التالية انتخاب رئيس جديد للجمهورية، والانتقال مباشرة الى تنفيذ باقي بنود القرار 1559.
إن ما يشهده الوضع اللبناني منذ أيّام، يُدخل البلاد في المجهول فعلاً، والمعارضة التي ظنّت أنها حسمت المعركة في 14 آذار تكتشف اليوم أن هذا الرهان كان خاطئاً، وأن 14 آذار يغدو والحالة هذه مجرّد "صفحة" مضيئة لم تحترم كما يجب ولم يجرِ التأسيس عليها.
رحمَ الله الرئيس الشهيد رفيق الحريري!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00