8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

بيروت: الاعتبار لرؤية سعد الحريري إلى الشراكة الوطنية

ثمة في بعض الدوائر المسيحية مَن كان لا يزال يناقش نجلَ الرئيس الشهيد سعد رفيق الحريري في التمثيل المسيحي على لوائحه في بيروت، معتبراً أن هذا التمثيل لا يكون متحققاً إلاّ إذا تجسّد بمرشّحين لقوى أو تيّارات حزبية مسيحية أو رموز معيّنة.
وقبل الخوض في هذا الأمر مباشرة لا بدّ من التذكير بعدد من العناوين الرئيسيّة التي يُفترض باستذكارها أن يصوّب النقاش:
تذكير
أولاً ـ إن الرئيس رفيق الحريري استشهد وهو في صميم معركة المعارضة الهادفة الى تحقيق الاستقلال والحريّة وما يستتبعهما من استعادة للسياق السياديّ ـ الديموقراطي في البلاد. وإذا كان البعض لم يرَ في استشهاد الرئيس الحريري إلاّ عاملاً مسرّعاً للإنجاز الوطني، فإن الصدق في قراءة الوضع يحتّم الاعتراف بأنّه لولا لم يكن الحريري رأس المعارضة وقلبها، ولو لم يدفع دمَه على مذبح الاستقلال اللبناني الثاني لما كانَ هذا الإنجاز.
وللتذكير أيضاً، فإن الحريري قبل استشهاده ورفيقه النائب باسل فليحان وسائر إخوانه الآخرين، كانَ ومن أجل الوحدة الوطنية والعيش المشترك من ناحية ومن أجل وحدة المعارضة من ناحية أخرى، وافق على السير بالقضاء دائرة انتخابية، مع معرفته ليس فقط بأنه سيكون عليه التضحية بعدد من المقاعد في بيروت، بل معرفته بأن الثمن المطلوب من المسيحيين في مقابل مشروع القضاء هو عدم التحالف معه، الأمر الذي يقتضي إنصافاً التذكير أيضاً بأن المسيحيين رفضوه.
ثانياً ـ وباستشهاده، تحقّقت حالة وطنية ـ لبنانية عامة ـ بلغت ذروتها في الرابع عشر من آذار الماضي فرضت نفسها على كل المتعاطين في السياسة اللبنانية لا سيما المعارضين منهم، أي أن الرئيس الشهيد تحوّل الى رمز للوحدة الوطنية والى بطل للاستقلال في آن. وكانَ سعد الحريري في مقدّم الذين أدركوا معنى 14 آذار، فراح يكرّر بعدَ كلّ لقاء أجراه التشديد على الشراكة الوطنية الإسلامية ـ المسيحية وعلى أن الوفاء للشهيد يكون بالتزام مبدأ الشراكة، لا بل أكثر من ذلك اعتبر سعد الحريري أن من واجبه تحقيق انفتاح حتى ضمن تيّاره ـ تيّار "المستقبل" ـ على البيئة المسيحية.
الميثاق والإصلاح
ثالثاً ـ إن استحضار هذه المقدّمات يهدف إذاً الى التذكير بأن على مَن "يفاوض" الوريث السياسي للرئيس الشهيد أن يُبقي نصب عينيه حقيقة أن الشهيد كان في قلب المعارضة وأن نجله يرث الموقع المعارض وإنه ـ بعد 14 آذار ـ حريص على الوحدة الوطنية في إطار الميثاق الوطني ومرجعيّته اتفاق الطائف من جهة وفي إطار الإصلاح الديموقراطي من جهة أخرى، وهو سارَ مع المعارضة المسيحية حتى "اللحظة الأخيرة" في مشروع القضاء. وأكثر من ذلك، يتطلّع سعد الى أن تُفضي الانتخابات الى تشكّل سلطة ميثاقيّة ـ إصلاحية تجسّد الشراكة الإسلامية ـ المسيحية وتخاطب مستقبل اللبنانيين، بمعنى أنه شديد الوعي بأهمية الشريك المسيحي، وتزعجه تسريبات الأجهزة والتي يتبنّاها بعض مَن في البيئة المسيحية، والتي تتحدّث عن تحالف إسلامي رباعيّ يعزل المسيحيين أو يتحكّم بتمثيلهم.
وبعدَ هذا التذكير وغرضُه إعادة جلاء موقع سعد الحريري وطبيعة تفكيره، تذكيرٌ آخر بالخيارات المسيحية التي اعتمدَها في بيروت. فالمرشّح الكاثوليكي النائب ميشال فرعون هو أقوى المرشّحين الكاثوليك في دائرته الانتخابية فضلاً عن كونِه ابن عائلة كاثوليكية عريقة في العاصمة وله أياد بيضاء عليها. والمرشّحان الأرثوذكسيّان جبران تويني والنائب الحالي عاطف مجدلاني هما إبنا عائلتين عريقتين أيضاً، وجبران تويني يأتي من إرث معارض ومن موقع إعلامي ـ سياسي كبير. وكذلك مرشّح الأقليات النائب نبيل دو فريج سليل أسرة بيروتية عريقة ويتمتّع بمواصفات نيابية جدية.
غطاس خوري
يبقى المرشّح الماروني، وهنا بيت القصيد، وهذا المرشّح هو النائب الدكتور غطاس خوري. والنائب خوري كان موضع ثقة الرئيس الشهيد وهو الآن موضع ثقة نجله سعد. وقد لعبَ خلال فترة نيابته، لا سيّما في مراحل الأزمات أدواراً بارزة:
1 ـ كان خوري همزة الوصل باستمرار بين الحريري والبطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير.
2 ـ وكان أوّل من "استطلع" ظروف الحوار مع "لقاء قرنة شهوان" بحثاً عن نقاط مشتركة.
3 ـ وكان من أوائل الموقّعين على عريضة الإفراج عن قائد "القوات اللبنانية" سمير جعجع، ومن أوائل الذين زاروا العماد ميشال عون ونسّقوا معه.
4 ـ والأهم أن غطاس خوري نائب بيروت الماروني صوّت ضدّ التمديد لرئيس الجمهورية إميل لحّود، ممثلاً بذلك إرادة الناخبين المسيحيين ومزاجهم، وكلّفه ذلك مضايقات كثيرة وتهديدات من قِبل النظام الأمني، كما كلّفه لفترة علاقة إشكاليّة مع كتلة قرار بيروت على الرغم من تفهّم الرئيس الشهيد لموقفه. ثمّ صار صلة الوصل بين الكتلة والمعارضة وعضواً في لجنة المتابعة.
هذه الأدوار التي أدّاها غطاس خوري لا تدلّ فقط على كفاءته السياسية، إنما والأهمّ هي تدلّ على طريقة تعاطي الرئيس الشهيد مع النوّاب من غير طائفته واحترامه للخصوصيّات، ووعيه العميق أن الماروني في كتلته ليس "مارونياً مسلماً" (!) ولا يمكن إلاّ أن يعكس مناخات بيئته، ووعيه أيضاً أن النائب الماروني ليس ملحقاً بمسلمين، وأن الوقوف على مناخ الناخب المسيحي ضروريّ ومهمّ، وأن الاعتدال لا يتشكّل إلاّ من خلال التواصل.
طبعاً ليس سرّاً أن خوري واحدٌ من الذين يستأنس رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط بآرائهم لا سيّما بشأن العلاقة مع المسيحيين. ولذلك فإنّ الأسئلة كثيرة حول النقاش بمقعد خوري في بيروت. هل هو مفروضٌ من الحريري فرضاً؟ وهل يجوز أن يكافأ على أدواره في السنوات العجاف بالإبعاد؟ وهل من كان ضدّ التمديد حان وقتُ إزاحته؟ وهل يقابَل سعد الحريري في أول دخوله الى المعترك السياسي بتوجّه لا يقيم فاصلاً مع المسلمين فقط بل يفرز ضمن المسيحيين أيضاً؟ وأي تشجيع هذا لسعد الحريري بأن يمضي في رؤيته الى الشراكة الوطنية؟
إعادة النقاش الى سياقه الطبيعي
أسئلةٌ كثيرة تطرحُ بالفعل ليس دفاعاً عن الحريري ولا عن غطاس خوري، بل في محاولة لإعادة النقاش الى سياقه الطبيعي. وفي هذا السياق الطبيعي ان الميثاقيين المسيحيين يتعرضون الآن لمزايدات كبيرة، وهم محرجون فعلاً في ظل البيان الصادر عن مجلس المطارنة الموارنة أمس. وعليه فإن الطرفين المسلم والمسيحيّ معنيان كلّ من جانبه بعدم "زرك" الآخر.
ولذلك فإذا كان المسيحيّون شكوا بحقّ خلال حقبة الوصاية السورية من تزوير تمثيلهم، فالمنطق يقضي بأن يشجّع المسيحيون المسلمين الميثاقيين وأن يشجّع المسلمون المسيحيين الميثاقيين أيضاً.
الأحرى أن تستخدم الفترة المقبلة خلال الانتخابات وبعدَها لتشكيل التيّارات المختلطة المؤسّسة على "فروع" جدّية في الطوائف، وفاءً لشباب 14 آذار. هذا مع العلم أن الأمر لا يتوقّف على بيروت، حيث من الواضح أن قرار سعد رفيق الحريري هو التحالف مع تيّارات المعارضة في كلّ المناطق، و"مناطق العلاقة" الإسلامية ـ المسيحية في الانتخابات كثيرة شمالاً وبقاعاً، ولا بد من العمل في إطار هذا التحالف على أن يأتي التمثيل المسيحي "صافياً" من نوّاب حقبة الوصاية.
التدخّل السوري المستمر
يُقال هذا الكلام في فترة لا يزال التدخّل السوري مستمراً وبقايا النظام الأمني تستمدّ الروح من التناقضات. وكلّ من راقبَ عودة الاستقبالات في دمشق، والخطط الآتية من هناك في إطار "التنسيق" بينَ سوريا وبقاياها، يوقنُ تماماً أن المستهدفين لا يزالون هم هم، ويجب أن يلاحظ الجميع تجدّد التحريض على بيت الحريري والتجاسر على إرث الرئيس الشهيد.
التدخّل السوري المستمرّ يعني أن الانسحاب الأمني ـ السياسي لم يتمّ وإن كان أقلّ قوّة في ظلّ المراقبة الدولية، وما ينبغي أن يدركه الجميع هو أن خطر الانقلاب على التطوّرات لا يزال قائماً، سواء عبر تأجيل الانتخابات بإدخالها في بحث لا ينتهي، أو عبر "التمترس" وراء هذا أو ذاك من المعارضة، أو عبر إدارة التحريض الطائفي والمذهبي.. أي باختصار محاولة فرض واقع سوري من دون سوريين. ألا يلفت الأنظار مثلاً أن يُستقبل في دمشق المدير العام السابق للأمن العام اللواء جميل السيّد وهو موظّف "سابق"، ألا يلفت ما يسرّب عن نيّته الترشّح للانتخابات على الرغم من كلّ التطوّرات؟ ألا يلفت ما يُشاع عن تدخّلات في التحالفات الانتخابية في عدد من المناطق؟
المسألة هي الآتية ببساطة: هل يكون المعارضون أوفياء لـ14 آذار أو لا يكونون؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00