8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

أبعاد التسليم "اللبناني" للثنائيّة الشيعيّة ومترتباته المباشرة والبعيدة

في المفاوضات التي جرت بشأن قانون الانتخاب عشيّة الجلسة النيابيّة السبت الماضي، نُقل عن الرئيس نبيه بري قوله لوفد من المعارضة المسيحيّة انّ "الشيعة" ـ ويقصد قوى التمثيل السياسي الشيعي الراهن ـ يرفضون اعتماد القضاء دائرة انتخابية في مقابل رفض المسيحيين لقانون العام 2000، ودعا برّي، ناطقاً باسم "أمل" و "حزب الله"، الوفد النيابيّ المسيحيّ المعارض الى "التفتيش" عن صيغة أخرى، واقترح على سبيل المثال اعتماد الأقضية في الشمال وغيره من المناطق بحيث يرضى المسيحيون ويكون الشيعة راضين هم أيضاً، طالما ان لا تغيير في القانون في ما يعنيهم منه.
وذكر في المعلومات المتداولة أيضاً ان "حزب الله" كان موافقاً على ما طرحه برّي، وأنّه كان مؤيداً لاعتماد الأقضية في الشمال تحت العنوان نفسه.
رفض نواب المعارضة المسيحيّة هذا العرض، وأبرز حيثيّات الرفض أنّ اعتماد الأقضية في الشمال يؤدّي إلى إعادة تعويم رموز من السلطة "السابقة"، من المسيحيين خصوصاً. أما الزعيم المعارض وليد جنبلاط الذي قُدم له العرض نفسه، وهو الذي كان باحثاً عن تسوية بين القضاء من جهة والمحافظة مع النسبيّة من جهة أخرى، فكان شديد الوضوح في قوله أنّه يرفض أيّ تسوية تكون على حساب طائفة بأكملها ـ ويقصد الشيعة ـ أو تؤدي الى "عزل" هذه الطائفة.
وبعيداً من "المناورة" المقصودة في اقتراح الأقضية في الشمال، وهي مناورة لاستنقاذ رموز من مسيحيي مرحلة الوصاية على لبنان، فقد ظهر انّ ثمّة تسليماً من قبل الجميع، بما في ذلك من المعارضة بشقيها المسيحي والمسلم، بالواقع الراهن للتمثيل السياسي للشيعة، لا بل ظهر أنّ ثمّة تسليماً للشيعة إلى الثنائيّة السائدة. وعلى هذا الأساس يمكن القول أنّ الانتخابات حُسمت شيعياً سلفاً، وأن لا تغيير على هذا الصعيد في المدى المنظور.
الدخول الشيعي إلى الانتخابات و"الفاتورة" اللبنانية
لماذا هذا الأداء حيال الشيعة وما هي المترتبّات؟
أولاً ـ ثمّة اقتناع لدى معظم الأطراف ـ لا سيمّا في المعارضة ـ بأنّ دخول طرفي المعادلة الشيعيّة الراهنة في الانتخابات، ومن ثمّ في الصيغة السياسيّة التي تنتج عن الانتخابات، أمر أساسيّ في عمليّة الانتقال اللبناني من مرحلة الى مرحلة، وبأن "تقديم" قانون الانتخاب المناسب لطرفي هذه المعادلة، هو بمثابة جزء من "الفاتورة" المطلوب دفعها وهو الثمن الأولي لدخول الطرفين في المرحلة الجديدة.
ثانياً ـ وثمّة اقتناع أيضاً بأنّ الثمن السياسيّ لانعطاف "حزب الله" نحو الداخل، لا مفرّ منه اذا كان المطلوب "استقطابه" الى الصيغة التي يفترض ان تبحث لاحقاً أمور "المقاومة" و "السلاح" وغيرهما. وبهذا المعنى فإنّ "تقديم" القانون هو أول الأثمان، فيما "الفاتورة" تتضمن أثماناً أخرى سواء في الوزارة أو في الادارة في المرحلة التالية.
ثالثاً ـ وثمة مواكبة من قبل الأطراف المعنيين للموقف الدولي على ما يبدو، في ظلّ استئخار المجتمع الدوليّ ـ عملياً ـ للبنود الواردة في القرار 1559 والمتعلقة بحزب الله، وهو ما شجع هذه الأطراف على الاعتقاد أنّ هناك فرصة لـ"لبننة" الحلول للبنود الواردة في القرار الدولي.
رابعاً ـ وثمّة واقع أخذه الأطراف المعنيون في الاعتبار، يتمثل بـ"التضامن" ضمن الطائفة الشيعيّة، وهو في حقيقته تضامن بين طرفي الثنائيّة السائدة، في ظلّ حال من التخويف للشيعة من الآخرين، وفي ظلّ دعوة الشيعة الى الاستنفار حول "حقوقهم" المهدّدة بتبدّل توازن القوى العام في البلاد.
خامساً ـ وثمّة أخيراً واقع آخر يراه المعنيّون، وهو أنّ البديل من الثنائيّة القابضة الآن على التمثيل الشيعي، غير قائم فعلياً وأن ثمّة "نثريّات" شيعية عاجزة حتى عن التوحّد في معركة انتخابية واحدة.
"تسوية" قانون 2000 تلزّم الشيعة الى الثنائيّة
وتقرر سلفاً الشريك الشيعي في الدولة
إذاً، من خلال ما تقدّم، من الواضح أن "البلد" باعَ الى الثنائيّة الشيعية "الحاكمة" قانون الانتخاب الملائم، وبذلك لا ضير من الاعتراف بأن "البلد" أي ممثلي البيئات الأخرى قرّروا أن عليهم دفع فاتورة كبيرة، وبأن "البلد" رسم للشيعة نتائج انتخاباتهم سلفاً. بيدَ أن ذلك يستدعي النظر الى النتائج والتداعيات الآتية:
1 ـ إذا كان قانون الانتخاب رسا على صيغة العام 2000، وإذا كانت إشكاليّات التمثيل المسيحي قابلة للحلّ من خلال التحالفات السياسية، فإن الموافقة على "تلزيم" الشيعة الى الثنائيّة إيّاها ستسحب نفسها موافقة على تمثيل هذه الثنائيّة في المناطق التي لا يشكّل الشيعة فيها الأكثريّة الناخبة كما في بيروت والجبل.
2 ـ إن هذه الموافقة تعني إذاً عدم توفير فرصة لـ"تطعيم" التمثيل الشيعي بنوّاب شيعة ينتخبهم تكتّل ناخب مختلط كما في بيروت والجبل.. والبقاع أيضاً، علماً أن هذا "التطعيم" كان يمكن أن يحصل وأن يكون مفيداً سياسياً.
3 ـ إن هذه الموافقة لا تعني فقط حسم نتائج الانتخابات سلفاً في مناطق الأكثريّة الشيعية الناخبة، بل تعني أيضاً حسم طبيعة الشريك الشيعي في الدولة والسلطة معاً في المرحلة المقبلة، وتفويض طرفي الثنائيّة بكل ما يعود الى الشيعة.
4 ـ وتعني الموافقة أخيراً قيام تحالف حاكم "جديد" يشارك طرفا الثنائيّة الشيعية القديمة السائدة فيه. وفي هذه الحال، يمكن أن ينضمَّ الى التحالف الحاكم الجديد تمثيل مسيحي جديد متفق عليه خلال التحالفات الانتخابيّة، لكنه يضمّ تمثيلاً شيعياً "قديماً" في المقابل.
"المعارضة" الشيعية المفككة
هكذا إذاً، ومع أن هذا الواقع الشيعي المكرَّس يدعو الى إحباط الشيعة ممّن لا يرون أنفسهم ممثلين بأحد طرفي المعادلة السائدة الآن، فإن في الأمر جانباً "موضوعياً" لا بد من أخذه في الاعتبار، وهو أن "الفاتورة" المدفوعة "ثمناً" لانضمام الشيعية السياسية الى المرحلة المقبلة، وهذا الجانب يعني الشيعة من غير شيعة "أمل" أو "حزب الله"، أي أنه قد يحبطهم شيعياً لكنهم معنيّون به "لبنانياً". بيدَ أن ذلك يستدعي التنبيه فوراً الى أن السلطة الجديدة بعد الانتخابات مطالبة بعدم تحويل الطوائف ـ ومن ضمنها الشيعة ـ الى إقطاعات ملزّمة، بما يتيح للديناميّات ضمن الطوائف أن تأخذ مداها، وبما يتيح ـ تراكماً ـ تشكُّل كتلة لبنانية مختلطة ميثاقيّة وإصلاحيّة في آن.
هذا الواقع الشيعي المكرَّس يفرض الانتقال الى بحث واقع "المعارضة" الشيعية:
أ ـ تشكو المعارضة العائليّة، الأسعديّة خاصة من وهن كبير، في ظلّ الانشقاق ضمن هذه الكتلة بين الرئيس كامل الأسعد من ناحية ونجله أحمد من ناحية أخرى. والجناح الأول من هذه الكتلة، أي الرئيس الأسعد، وعلى الرغم من بقايا حضور جنوبي، فإنه لا يحضر إلاّ في المناسبات الانتخابية نيابية أو بلدية، في حين أن الجناح الثاني، أي أحمد الأسعد، راح يتصرّف باكراً بعقليّة الزعامة المتوّجة التي "تنظر" في أحوال الآخرين.
ب ـ أمّا رياض الأسعد وعلى الرغم من نشاطيّته، فإنه ليس طرفاً معارضاً، وذلك بالصلة مع مروحة علاقاته السورية والخليجيّة واللبنانية. وهو تعاطى حتى فترة قصيرة على أمل التحالف مع "حزب الله"، فيما التحالف بين الحزب والحركة لا يزال مقدساً حتى الآن.
ج ـ من جهته، تصرّف النائب السابق حبيب صادق بوصفه صاحب "الوكالة الحصريّة" للمعارضة، في الوقت الذي لم يشرح أسباب علاقته المأزومة بالمعارضة على الصعيد اللبنانيّ العام، ولم يفسّر اعتبارات التقرّب من "حزب الله"، ناهيك عن التناقص في الوزن الانتخابيّ من دورة إلى أخرى.
د ـ أمّا اليسار فيتأرجح بين تطلع "الحزب الشيوعي" الى مقعد على لائحة التحالف بين "أمل" و "حزب الله"، وبين دخول "حركة اليسار الديموقراطي" على الخطّ للمرة الأولى بشكل رسميّ، وبين موقف "الحزب التقدمي الاشتراكي" الذي يبدو مضطراً ككتلة ناخبة في الدائرة الجنوبيّة الثانية إلى أخذ موقف قيادته في الاعتبار.
هـ ـ أمّا "اللقاء الشيعي اللبناني" فهو حديث العهد ولم يمض سوى شهر على إطلاقه، وليس مؤهلاً بعد لخوض هذه التجربة بوصفه "لقاء". ويُستحسن أن يدير علاقته بالمسألة الانتخابيّة بما لا يعطّل دوره المستقبلي في الديناميّة الشيعيّة.
و ـ وخارج الجنوب، ثمة "معارضة" ذات طبيعة خاصة بقاعاً، بمعنى انّ ثمّة ممثلي عشائر وعائلات معترضون على التمثيل الشيعي البقاعي، ويأملون، إضافة إلى تأييد عائلاتهم وعشائرهم، بتأييد الكتل الناخبة السنيّة والمسيحيّة والدرزيّة. ويصل بعضهم إلى حدّ الأمل بأن تجري مقايضة تمثيل "حزب الله" في بيروت والجبل بتمثيلهم إلى جانب الحزب في البقاع.
انّ هذه المراجعة تفضي إلى استنتاج كبير: إنّ واقع "المعارضة" الشيعيّة ليس معارضاً تماماً، وإنّ ديناميّة هذه "المعارضة" محاطة بالعديد من الاشكاليّات.. ويزيد التسليم العام للثنائيّة الشيعيّة الوضع تعقيداً. ويبدو أنّ العمل الأنجع في هذه المناسبة الانتخابيّة هو استغلالها لإطلاق توجهات جديدة تساهم في خلق مناخ جديد فعلاً، لا المنافسة الانتخابيّة في حدّ ذاتها.. خاصة اذا كانت النتائج المحتملة للمنافسة تبدو بائسة سلفاً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00