إذاً، في أسبوع واحد، شنّت بقايا النظام الأمني وعلى رأسها رئيس الجمهورية الممدد له سورياً، هجوماً على عدة محاور، بهدف استنقاذ وجودها ومحاولة الهروب من "حكم التاريخ" عليها، هذا قبل ان ترتد هذه المحاولة عليه، كما تجلّى ذلك في جلسة المجلس النيابي امس.
محاور الهجوم
المحور الأول من الهجوم تمثل في الحملة الإعلامية ـ السياسية التي اتخذت عنوان رفض قانون العام 2000 للانتخابات والمطالبة باعتماد قانون القضاء باسم حقوق المسيحيين المهدورة على "مذبح" تآمر الشركاء المسلمين المزعوم على المسيحيين، ودخولهم في صفقة على حساب هؤلاء.
وتؤكد المعلومات المتوافرة والمتداولة ان المدير العام السابق للأمن العام اللواء جميل السيد "خطط" لهذه الحملة بالتفاهم مع الرئيس إميل لحود، وان هذه الحملة مموّلة من عدة أشخاص منهم نائب رئيس مجلس النواب ميشال المر والنائب عصام فارس، ورجل الأعمال روجيه إده.
أما المحور الثاني للهجوم، فتمثل في "الملاحقة" التي تمت للبطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير أثناء وجوده في الفاتيكان بهدف "إقناعه" باتخاذ موقف يؤكد أولوية "تصحيح" قانون الانتخاب على أولوية إجراء الانتخابات. وكان فريق لحود يأمل في أن يعلن البطريرك في اللحظة التي يحط فيها في مطار بيروت ان تصويب قانون الانتخاب مهمّ ولو اقتضى ذلك تأجيل الانتخابات لبعض الوقت، حتى إذا ما أعلن البطريرك ذلك، خرجت مسيرات "معينة" تتضامن مع هذا الموقف. غير ان هذا الأمر لم يحصل وبقي صفير متمسكاً بمعادلة تقول بإجراء الانتخابات في مواعيدها وبتعديل القانون في آن.
"القوات"
والمحور الثالث للهجوم تمثل في شبه "الانتفاضة" التي نظمت ضد السيدة ستريدا جعجع في "القوات اللبنانية"، والتي (الانتفاضة) استحضرت تشكيلات كانت أخرجت من "القوات"، بهدف تخوين زوجة قائد "القوات" واتهامها بـ"بيع" اقتراح قانون العفو عن سمير جعجع لقاء مقاعد نيابية تحصل عليها في إطار صفقة مع الشق الإسلامي من المعارضة في إطار قانون الـ2000.
والمحور الرابع استكمال للسابق، وتمثل في الموقف الذي اتخذه الرئيس عمر كرامي حيال العفو عن سمير جعجع، والذي زاوج بين استعادة لغة عدائية حيال "القوات" ووصف جعجع ومعاونيه بـ"القتلة" من ناحية وبين إشارات التنويه بالعماد ميشال عون عندما كان قائداً للجيش في فترة استشهاد الرئيس رشيد كرامي من ناحية ثانية، وبين ربط قضية الشهيد الرشيد بقضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري من ناحية ثالثة.. وهي مزاوجة هدفت الى إعادة تحريك عصبية إسلامية ضد "القوات" وإضعاف وضعها الانتخابي ايضاً.
وفي التقدم نحو المحور الخامس، ليس خافياً على أحد ان فريق لحود مقيم على اعتقاد ان عودة الجنرال عون من المنفى وعلى أبواب الانتخابات ستخلق "تسونامي" سياسية تصيب المعارضة المسيحية، ويحاول هذا الفريق اتخاذ عون "متراس" مراهناً على التناقضات بين عون وأطراف المعارضة الأخرى، محاولاً اكتساب شرعية ما، مسيحية خصوصاً من عون بعد أن أيقن انه لن يأخذها من بكركي.
اقتراح الأقضية في الشمال
أما آخر المحاور، فتجلى في الاقتراح الذي عاد به سليمان فرنجية من دمشق، ونسّقه مع أطراف أخرى، والذي يقضي باعتماد الأقضية في الشمال والبقاء على قانون الـ2000 في سائر المحافظات الاخرى، والهدف كما هو واضح، إنقاذ نيابة فرنجية وكرامي وفارس.
ان محاور الهجوم الذي يشنه فريق لحود من بقايا النظام الأمني، تدل على ان الهدف هو محاولة تفكيك المعارضة بإصابة جناحها المسيحي المتمثل بـ"لقاء قرنة شهوان" أولاً وبخلق أجواء من انعدام الثقة بين الجناحين المسيحي والمسلم في المعارضة ثانياً، وبمحاولة استظلال العماد عون ثالثاً. وكل ذلك من أجل حماية رموز من السلطة القديمة ومن أجل حماية بقائه في المرحلة المقبلة. وهذا الأمر ليس مفاجئاً بمعنى ان الفريق من فلول النظام الأمني سعى الى تأجيل الانتخابات لمنع المعارضة من تحقيق انتصار يتجسد في إعادة تشكيل السلطة، وهو لا يزال يمارس سعيه الى تأجيل الانتخابات أو في حد أدنى جعل هذه الانتخابات عرضة للطعن الدستوري. وهذه النقطة الأخيرة كانت موضع ملاحظة عدد كبير من النواب أمس خلال مناقشة رسالة الرئيس الممدد له، حيث أثار النواب احتمال الطعن بالانتخابات على أساس قانون مغاير للقانون المتضمن في مرسوم الدعوة الى الانتخابات.
على ان هذا الهجوم الذي يتوسل التضخيم المذهبي وافتعال مناخ انقلابي أو ردة على 14 آذار الماضي، يكشف مرة اخرى ان النظام الأمني لم يفكك، وأن قادة الأجهزة ـ حتى الذين استقالوا أو أقيلوا ـ لا يزالون في موقع مؤثر لا يرتبط بالمنصب، كما يكشف ان سوريا لا تزال تتدخل في الشأن اللبناني وهذا ما تجلى في اقتراح الأقضية في الشمال.
استغلال ضعف وحدة المعارضة
بيد ان الواقعية تفترض الاعتراف بأن هجوم بقايا النظام الأمني وفلوله ما كان ليحصل لو لم تُبدِ المعارضة علامات ضعف ووهن، على مستوى وحدتها، لا سيما انها بكّرت في اعتبار انها انتصرت وسمحت للتناقضات في صفوفها أن تنمو وتتطور، وأوقفت حواراتها، ودخل كل فريق من فرقائها في حسابات سياسية "خاصة".
لذلك، من المفترض أن تشكل المحاولة "الأخيرة" لبقايا النظام الأمني لتعويم نفسها، رسالة الى المعارضة بأن تتوحد في الانتخابات، وبأن تحرص على إنجاز 14 آذار.
ولعل في الحركة التي قام بها سعد رفيق الحريري في الأيام الماضية سواء باتجاه البطريرك صفير أو عبر موفده النائب أحمد فتفت الى ستريدا جعجع، وفي الحركة التي قام بها وليد جنبلاط ايضاً، وفي الثقة المتجددة التي منحها صفير لـ"لقاء قرنة شهوان"، ما يؤشر الى استيعاب هذه الرسالة، والى انه ليس جائزاً في غفلة من الزمن أن تنجو فلول النظام الأمني بأفعالها بأي شكل من الأشكال.
والمسألة هنا لا تزال هي نفسها: التحالف السياسي الوطني أهم من القانون، وعنوان هذا التحالف ثلاثة: وليد جنبلاط وسعد الحريري والبطريرك صفير، تحالف منفتح على الحوار مع الآخرين، لكن على قاعدة إنهاء النظام الأمني ومتابعة المسار الديموقراطي وقيام سلطة جديدة ميثاقية.
عون وضرورة ردع فلول النظام الأمني
واليوم وقد عاد العماد عون الى الوطن بعد خمسة عشر عاماً من المنفى، وكان وجوده في الخارج أمراً مخالفاً لحقوق الانسان والديموقراطية ولمقتضيات المصالحة الوطنية، وفيما يستعد الجنرال لاستئناف دوره في وطنه، من البديهي أن يكون موضع ترحيب من الجميع، لا سيما انه يمثل حالة سياسية استطاعت بالرغم من القمع والاضطهاد أن تثبت وجودها وأن تشكل رافداً مهماً في معركة السيادة والاستقلال والحرية.
لكن، ومع ان الجنرال يغضب مما يعتبر انه "محاكمة للنوايا"، لا بد من لفت انتباهه الى نقطة سياسية جوهرية. فلا يُعقل أن تكون بقايا السلطة السابقة التابعة لنظام الوصاية تكيل له المديح وتعلن مراهنتها على "فرسه" وتستخدم "سيفه" علناً لتضرب به الآخرين، لا يُعقل أن يحصل ذلك في وضح النهار، ولا يقوم هو نفسه بردعه، ولا تنفع في هذا المجال مقولات "التسامح" أو "الصدر الكبير"، لأن ثمة سلطة لا بدّ من استكمال إسقاطها وعدم إعطاء فلولها أي "رمق". وهذه مسؤولية الجنرال الذي ينبغي أن يكون موافقاً على ان التناقض لا يزال قائماً حيال "خصم مشترك"، طالما انه لا يحبّ الحديث عن عداوات.
يجب أن تشعر بقايا السلطة بأن لا رافعة لها، وبأن الطريق الى الجنرال مقفلة بإحكام. ومن هنا تبرز نقطة اخرى برسم الجنرال. انها خوف المعارضة منه، وهو خوف يستند الى تجارب آخرها هجومه على المعارضة من منطلق يبدو معه وكأن عون هو وحده من يمتلك الحقيقة. وتبديد مخاوف المعارضة منه هي مسؤوليته ايضاً، ويبدأ التبديد بالاعتراف بالآخرين وأدوارهم، ويتواصل عبر حوار لا يستطيع الجنرال أن يفرض معايير نجاحه سلفاً ولا أن يفرض مضمونه، بل هو حوار مفتوح، وثمة في السياسة حد أدنى وحد أقصى. فبعد 15 عاماً من الظلم الذي لحق به، لا يحق للعماد عون ألا يكون استخلص العِبر وأعاد بلورة مقتضيات العمل السياسي في لبنان.
ان تشديد الطوق حول بقايا النظام الأمني وفلوله هو مسؤولية المعارضة، كل المعارضة، وهو مسؤولية القوى التي ترى مستقبلها بالديموقراطية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.