ثمة في التاريخ اللبناني، بعيده وقريبه "ثورات مضادة" قامت في وجه التسويات التي أنتجها تفاهم عربي ـ دولي بشأن لبنان في محاولة لتعديلها أو تعديل توازنها.
فبعد أحداث العام 1958، وفي أعقاب التفاهم المصري ـ الأميركي آنذاك على مجيء فؤاد شهاب الى رئاسة الجمهورية وقيامه بتشكيل حكومة اللاغالب واللامغلوب، قاد حزب الكتائب برئاسة الشيخ بيار الجميل يومئذ ما عرف بالثورة المضادة التي انطلقت من ان التمثيل المسيحي في العهد الشهابي الجديد لن يكون قوياً أو فعلياً ما لم تكن الكتائب ـ القوة الصاعدة حينها ـ وريثة للشمعونية في الحكم وجناحه المسيحي. ونجحت الكتائب في ثورتها المضادة وفي شغل مقاعد التمثيل المسيحي في معظم حكومات المرحلة الممتدة بين 1958 و1975، وهي السنوات التي شهدت أواخرها انقلاب الكتائب على الشهابية وبداية تأسيس "الجبهة اللبنانية" انطلاقاً من "الحلف الثلاثي"، وشهدت بروز نظرية الحزب القائد في الساحة المسيحية.. طبعاً في ظروف لا مجال لاستعادتها الآن.
ومع اتفاق الطائف، الذي شكل تسوية عربية ـ دولية في بعده الرئيسي، قاد العماد ميشال عون ثورته المضادة على الاتفاق بأمل تعديل في بعض بنوده المتعلقة بسوريا ووجودها في لبنان. لكن نهاية الثورة المضادة هذه المرة كانت الفشل وكان ما كان من معطيات فرضتها "صخرة" الموقف الخارجي، ودفع عون ثمناً باهظاً.
بطبيعة الحال ان الفارق بين الثورتين المضادتين ليس بسيطاً، بين محاولة الكتائب الدخول في التسوية ومحاولة عون تعطيلها، بيد ان المقاربة هنا تطمح الى استعادة سياق لثورات مضادة في وجه تسويات إقليمية ـ دولية لها قوتها في حدّ ذاتها.
التفاهم العربي ـ الدولي الراهن
والمخضرمون في السياسة، يعتبرون ان ما يقوم به اليوم فريق الرئيس الممدد له سورياً في حقبة الوصاية السورية، تحت عنوان ظاهره الاعتراض على قانون العام 2000 من أجل "حقوق المسيحيين"، هو ثورة مضادة بكل معنى الكلمة.
أولاً ـ ان الخروج السوري من لبنان، ما كان ليتم بجهود اللبنانيين وحدهم أي بالاستناد الى العامل الداخلي اللبناني فقط، بل ساهم الموقف الخارجي مساهمة رئيسية فيه، وهو موقف عربي ودولي في آن. وكذلك فإن نقل البلد الى مرحلة ما بعد الانسحاب السوري، هو قرار عربي ـ دولي انعكس عبر التطورات التي شهدها لبنان خلال الشهر المنصرم وصولاً الى تشكيل حكومة نجيب ميقاتي وما تلاها حتى جلسة مجلس النواب الأسبوع الماضي.
ثانياً ـ ان المعادلة التي كرسها التفاهم العربي ـ الدولي لا لبس فيها: إما الانتخابات في موعدها ولا تعود للقانون الذي تجري الانتخابات على أساسه قيمة في حد ذاتها، وإما القانون ولا ضمان لحصول الانتخابات في موعدها. وهذه المعادلة ليست اعتباطية. ذلك ان التفاهم العربي ـ الدولي يرغب في أن يستعيد البلد سيادته السياسية بسرعة، ليكون التعاطي الخارجي مع التعبير عن هذه السيادة الذي تفرزه الانتخابات.
وليس خافياً على أحد في هذا المجال ان المعادلة "المفروضة" تتضمن اعتماد قانون الـ2000. وقد أُبلغ عدد كبير من المعنيين لبنانياً ان المطلوب تسهيلاً لحصول الانتخابات في موعدها ومن أجل صدقية الانتخابات، هو تسهيل دخول الشيعة بتمثيلهم السياسي الراهن في هذه الانتخابات. وترافق ذلك مع مواقف دولية تعلن ـ عملياً ـ ان الانسحاب السوري من لبنان هو المطلوب تحقيقه من القرار 1559 وقد تحقق. اما البنود الاخرى فـ"مؤجلة" وبعضها متروك لـ"الحل اللبناني".
ولم يكن مستغرباً والحالة هذه، أن ينضم "حزب الله" الى هذه التسوية، وأن يدخل الى الحكومة بوزير يمثله من غير اعتراض خارجي. وكل ذلك في إطار الأولوية التي شدد عليها التفاهم العربي ـ الدولي.. أي الانتخابات.
التغيير يصيب مسيحيي سوريا
ثالثاً ـ يدرك فريق الرئيس الممدد له سورياً إميل لحود ان التغيير الأساسي الذي ستأتي به "هذه" الانتخابات سيكون على صعيد التمثيل المسيحي. ذلك ان التغيير في البيئات السنية والشيعية والدرزية لن يكون أساسياً، والمشهد سيبقى على حاله إجمالاً. لذلك فإن ثورة لحود المضادة تستهدف إنقاذ ما يمكن إنقاذه من وضع مسيحيي السلطة التابعة لسوريا أو مسيحيي سوريا الذين يعدّون الأيام المتبقية لهم في السياسة، وبعضهم يعرف أن لا مستقبل له بعد التطورات. كما تهدف ثورة لحود المضادة الى حماية السنتين المتبقيتين له، في وقت يدرك ان مصير رئاسته سيطرح بعد الانتخابات. ومن هنا محاولة هذا الفريق الظهور بمظهر من يمتلك عصباً مسيحياً يغش به الرأي العام.
النظريات العونية وأوهام الجنرال
رابعاً ـ بيد ان فريق لحود يعلم أن لا مصداقية له، وان تصدّيه لعنوان "حقوق المسيحيين" مشتبه بأغراضه. لذلك دخل على خط العماد عون منتهزاً مجموعة من العوامل:
أ ـ في النظرية أولاً، سارع عون الى إعلان انه لم تعد ثمة موالاة أو معارضة بعد إتمام الانسحاب السوري، فاتحاً بذلك المجال أمام تحالفات أو تقاطعات مع يتامى السلطة التابعة لسوريا. وفي المقابل، وفي النظرية ايضاً، استمر الغزل السلطوي بعون طويلاً وهو بدأ قبل جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، تحت عنوان ان الجنرال يمثل "المعارضة المبدئية" التي لا بد من احترامها.
ب ـ وإضافة الى العامل النظري، فقد أثبت عون قدرة على البراغماتية التي تلبي حساباته ومصالحه. ويتذكر الجميع انه وقبل الاستحقاق الرئاسي في الصيف الماضي، برزت دعوته الى تأجيل هذا الاستحقاق، مما كان يعني القبول ضمناً بالتمديد للحود، و"حجته" آنذاك ان البلد سيتحرر من سوريا في العام المقبل فتجري الانتخابات الرئاسية، مما كان يعني ـ ضمناً أيضاً ـ انه يستعد لرئاسة الجمهورية.
ج ـ وانتهز فريق لحود ايضاً واقع ان عون المسكون بهاجس الحجم، انتقل فجأة ودفعة واحدة الى الهجوم على المعارضة. ويحرك عون في هذا المجال عاملان: الأول تقديره المبالغ فيه لدوره الخاص وبأنه زعيم المعارضة ولولاه لما حصل ما حصل من تطورات. والثاني هو تقديره لحجمه الانتخابي الى درجة انه يفترض ان في وسعه تشكيل لوائح وترك مقاعد لمعارضين، وان في وسعه اختيار مرشحين غير مسيحيين أيضاً. والحال ان ما جرى في البلاد انما كان حصيلة تحالف وطني لم يكن يمكن للجنرال أن يكون خارجه من ناحية وموقف عربي ودولي من ناحية ثانية، والأهم ان دماء الرئيس الشهيد رفيق الحريري هي التي شكلت رافعة الاستقلال اللبناني.
خطاب قسم واحد
د ـ والغريب ان عون "العلماني" تحرّك فجأة ليحكي عن "حقوق المسيحيين"، واتهم المعارضين بأنهم كانوا في السلطة التابعة لسوريا. ومثله مثل الجنرال الآخر، أدلى في اطلالته عبر شاشة "العربية" الأحد الماضي بـ"خطاب القسم" الذي لا يختلف عن خطاب القسم ـ الكارثة والذي يعلن الحرب على "الطبقة السياسية" باسم الحرب على الفساد، حربٌ يعلن نيته خوضها عبر القضاء، رافضاً الصراع الديموقراطي. ونسي عون استشهاد الحريري، ونسي دور وليد جنبلاط فراح يهدّد بالويل والثبور وعظائم الأمور.
خامساً ـ دخل فريق لحود إذاً على خط عون الذي كان يستعد لثورته المضادة الثانية بعد 16 عاماً من الأولى، ويأمل الطرفان في أن تؤتي الثورة المضادة على المعارضة والتفاهم العربي ـ الدولي ثمارها فيربح عون ويستفيد يتامى السلطة التابعة لسوريا.
الشراكة الإسلامية ـ المسيحية:
سعد الحريري وجنبلاط وصفير... و"القوات"
إذا ان ما يشهده الوضع اللبناني هذه الأيام هو ثورة مضادة موصوفة من قبل الجنرالين لحسابات متقاطعة، وإن كان أفقها محدوداً بساعات. غير ان الوقائع التي واجهتها الثورة المضادة أكبر من أن يُمرَّ بها أو أن يجري تجاوزها:
1 ـ إعلان سعد الحريري و"تيار المستقبل" وقوفهما إلى جانب المسيحيين وتأكيدهما على الشراكة الإسلامية ـ المسيحية أياً يكن القانون. وهذا ما تجلى في اتصال الحريري بالبطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير وفي زيارة النائب أحمد فتفت الى السيدة ستريدا جعجع، تأكيداً على المضي في قانون العفو عن قائد "القوات اللبنانية".. وقبل الانتخابات.
2 ـ التحرك الذي قام به وليد جنبلاط باتجاه البطريرك وستريدا جعجع والرئيس أمين الجميل، توكيداً على الشراكة.
3 ـ الارتياح الذي أبداه البطريرك والتيارات المسيحية حيال مواقف الشركاء المسلمين، ورفضهم كل الايحاءات والتصريحات من جانب لحود أو من جانب عون بأن المسلمين غدروا بالمسيحيين. وعلى الرغم من التهييج الطائفي، فلقد برزت أصوات شجاعة في البيئة المسيحية تؤكد ان الإنجاز الوطني المتحقق في 14 آذار الماضي لا رجعة عنه. وعبّر بيان مجلس المطارنة الموارنة أمس عن رفضه التحريض الطائفي وأجواء الفتنة، كما عبّرت مسيرة التضامن مع مطلب الافراج عن جعجع عن مناخ وطني لا ارتداد عنه.
4 ـ إذاً، كان من مفاعيل الثورة المضادة أن أعادت توحيد المعارضة الى أن تحقق أهدافها عبر الانتخابات لفرز سلطة جديدة، وإنهاء بقايا النظام الأمني في بعبدا. وستكون هذه المعارضة جبهة موحدة في الانتخابات لتمنع تعطيل الترجمة السياسية لانتفاضة السيادة والاستقلال.
الثورة المضادة الحالية إذاً كشَفت ما كشَفت.. وهي في لحظاتها الأخيرة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.