لماذا هذه الحملة التي يشنها يتامى السلطة ولا يدير لها بعض المعارضة المسيحية "الأذن الطرشى"، ضد المعارضة بمكوناتها الرئيسية في معرض الهجوم على قانون العام 2000؟
قبل الإجابة المباشرة عن هذا السؤال، ومع التذكير بأن أحداً لا يمكنه بطبيعة الحال اعتبار قانون الـ2000 نموذجاً للقانون الانتخابي العادل ولا يمكنه الدفاع عنه تالياً، لا بد بداية من إعادة التذكير بالمواقف التي التزمتها المعارضة في الفترة السابقة، لاسيما بعد 14 آذار الماضي.
أولاً ـ عندما دعت المعارضة ـ "لقاء قرنة شهوان" بداية ـ الى اعتماد التقسيم الانتخابي الذي كان معمولاً به في قانون العام 1960، كانت تعتبر في الظرف السياسي القائم آنذاك ان هذه الصيغة هي "الأنسب" لحماية المعارضة من تزوير نظام الوصاية السوري وملحقه النظام الأمني في لبنان، فيما وافق هذان النظامان ـ السوري والأمني ـ على القضاء لضرب العلاقة بين المعارضة ـ المسيحية تحديداً ـ والرئيس الشهيد رفيق الحريري، ومراجعة تصريحات وزير الداخلية آنذاك سليمان فرنجية توضح هذا الجانب من الأمر. وبكلام آخر، لم تعط المعارضة لصيغة القضاء "البعد التاريخي" الذي تعطيها إياه بعض المواقف اليوم، لان القضاء ايضاً لا يمثل الصيغة "الأهم" لقانون الانتخاب العادل في لبنان.
3 شروط للمعارضة ليس بينها قانون الانتخاب
ثانياً ـ بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري، وتحديداً في 14 آذار الفائت، حُسمت المعركة السياسية لصالح المعارضة عملياً، وكان يبقى أن يترجم الانتصار السياسي ـ الشعبي دستورياً، أي بالانتخابات لانهاء المرحلة الانتقالية والذَهاب الى المرحلة الجديدة. وهنا بالتحديد طرحت المعارضة ـ كل المعارضة بمن فيها العماد ميشال عون ـ ثلاثة شروط متكاملة: تأليف حكومة انتخابات، إجراء الانتخابات في مواعيدها الدستورية، وإقالة قادة الأجهزة الأمنية.. وهذا الشرط الأخير طرح من أجل تسهيل التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ومن أجل نزاهة العملية الانتخابية في آن.
ثالثاً ـ لم يكن إذاً بين الشروط الثلاثة المطروحة من المعارضة، شرط يتعلق بقانون الانتخاب وصيغته لان الأولوية التي برزت كانت أولوية حصول الانتخابات وعدم تهريب هذا الاستحقاق استئخاراً للتحول السياسي في البلاد، مع أنّ المعارضة أعادت عند هذه المحطة صوغ موقفها من القضاء عبر اقتراح قانون معجل مكرر يدخل تعديلات على مشروع القانون المرسل من حكومة الرئيس عمر كرامي الى مجلس النواب.
رابعاً ـ وعلى الأرجح، فإن المعارضة في هذه الفترة بالتحديد ناقشت قانون الانتخاب بالعلاقة مع التطور الأهم الذي حصل في سياق انتفاضة السيادة والاستقلال والتي بلغت ذروتها في 14 آذار. وبالرغم من وجود تقدير موحد لدى كل أطرافها ان حدث 14 آذار كان أكبر من الجميع، وشكل محطة بارزة في "تاريخ" الوحدة الوطنية اللبنانية، لم يبرز تقدير موحد لدى كل الأطراف حول قانون الانتخاب المباشر وتلبيته لمقتضيات هذا الحدث. ومع ذلك، وتحت عنوان المحافظة على "وحدة المعارضة"، تم صوغ اقتراح القانون بالقضاء. بيد ان ذلك لا يلغي في الواقع مجموعة من الحقائق: الأولى ان المعارضة كانت مدركة ومنذ تلك اللحظة ان القانون الديموقراطي العادل للانتخاب هو احدى مهام السلطة الجديدة بعد الانتخابات في مجال الإصلاح، والثانية ان المعارضة كانت مدركة ايضاً لواقع ان انتصارها في الانتخابات رهن بتحالفاتها أياً يكن القانون، والحقيقة الثالثة ان الوفاء لـ"جماهير 14 آذار" يقتضي سلوكاً وفاقياً يؤكد العيش المشترك وقدرة اللبنانيين على حكم أنفسهم بأنفسهم، كما يقتضي إسقاطاً نهائياً لهواجس الخوف من الآخر.
أولوية حصول الانتخابات والموقف الدولي
خامساً ـ وكان من الطبيعي بعد ذلك أن تنصرف المعارضة الى التأكد من أولوية حصول الانتخابات وأن تأخذ الضمانات اللازمة لتحقيق هذه الأولوية. وينبغي في هذا المجال تذكير الجميع، ولا سيما العماد عون باعتباره مقيماً على تقاطع عدد من الاتصالات الدولية، بأن الموقف الدولي كان يعطي الأولوية لإجراء الانتخابات في "أسرع وقت ممكن" ولم يكن يعير اهتماماً بالقانون الذي ستجري الانتخابات على أساسه.
كان يمكن للمعارضة أن تتجاهل هذا "الاولتيماتوم" الدولي، لكن ما تبقى من السلطة، وقوى رئيسية من خارج المعارضة، كل هؤلاء كانوا يعرفون الموقف الدولي وكانوا على استعداد لحشر المعارضة واتهامها بتأجيل الانتخابات، فيحصل تأجيل هذا الاستحقاق. وثمة من حاول استدراج المعارضة الى فَخ الايحاء لها بإعطائها القضاء في مقابل تأجيل الانتخابات من ثلاثة الى ستة أشهر للوصول بها بعد ذلك ليس فقط الى التأجيل بل الى قانون مختلف ايضاً. لذلك، كان على المعارضة أن تدير معركتها النيابية بما يجنبها الأفخاخ كافة، لكن بهدف حماية موعد الاستحقاق. وبهذا المعنى فإن معركة المعارضة كانت محكومة بسقف الوقت، وبهذا المعنى ايضاً، ليس قانون الـ2000 تسوية بين القضاء والمحافظة مع النسبية، فهو أمر واقع، أي عندما يقال الانتخابات في أسرع وقت فهذا يعني عملياً حصولها على أساس قانون العام 2000.
لذلك، فإن انسحاب نواب المعارضة من جلسة اللجان النيابية المشتركة لم يكن لرفضها خوض معركة دفاعاً عن قانون القضاء، بل لان إدارة "مسرح" اللجان كانت ترمي الى تحميلها مسؤولية التأجيل أو تلبيسها قانون الـ2000، وهذا ما تجلى بشكل واضح بعد ذلك.
إذاً، قبل الخوض في الحملة المستهدفة مكونات المعارضة الرئيسي، كان لا بد من التذكير بالمقدمات التي تظهر بوضوح ان المعارضة لم توافق على تسوية بقانون الـ2000 الذي فرض كأمر واقع وأن تضخيم مسألة القانون اليوم لم يكن له أصل مهم. أما لماذا الحملة؟ فالجواب المستند الى المؤشرات، هو في الآتي:
لحود والغزل مع عون والـ"ميك اب" المسيحي
1 ـ ان الأصل في الحملة هو فريق إميل لحود. ويستدل على ذلك من ان رئيس الجمهورية الممدد له سوريا كان قبل الجريمة الإرهابية التي أودت بحياة الشهيدين الرئيس رفيق الحريري والنائب باسل فليحان ورفاقهما، قد حاول "بيع" القضاء باتجاه بكركي كما فعل سليمان فرنجية بـ"شرط" عدم حصول تحالف مسيحي مع الرئيس الشهيد. لكنه بعد استشهاد الحريري، وفي اللحظة التي بدا فيها ان المعارضة تعطي أولوية لحصول الانتخابات على القانون الذي استمرت في التزامها بضرورة اعتماده القضاء، بعث (لحود) رسلاً الى عون الذي كان سارع ومن "جانب واحد" الى إعلان تأييده لقانون على أساس المحافظة مع النسبية. وهكذا استقبل عون في باريس كريم بقرادوني وإميل إميل لحود و"الطاشناق".
2 ـ إذاً، سعى لحود الرئيس الممدد له الى بيع القضاء تارة باتجاه بكركي وتارة اخرى باتجاه عون. ولا يخفى في هذا المجال ان هدفه هو السعي الى اكتساب "شرعية" مسيحية فقدها طوال سنواته في الحكم مثلما افتقد الى الشرعية بعد التمديد السوري. وهذه النقطة بالذات تجلت في مواقف فريقه التي حاولت بالهجوم على قانون الـ2000 تحميله للمعارضة من جهة وحاولت إسباغ لون مسيحي على هذا الاعتراض من جهة اخرى. هكذا فعل عصام فارس، وهكذا فعل إميل جونيور وهكذا فعل ميشال المر من لحظة ترؤسه لجلسة اللجان على النحو الرديء الى حديثه التلفزيوني الذي حاول أن يظهر فيه شطارة حيال المعارضة المسيحية. وغطى "الصهر" وزير الدفاع الياس المر هذا كله بـ"ميك اب" مسيحي من مدخل طائفة المدير العام الجديد للأمن العام. ويقف سليمان فرنجية على الحدود مع هذا الفريق.
3 ـ وفريق لحود من يتامى السلطة، الذي يدرك "معظمه" انه لن ينجح في الانتخابات المقبلة، وبعضه سينسحب سلفاً من المعركة وأياً كان القانون، يحاول ليس فقط التحريض ضد المعارضة المسيحية الأقرب الى البطريرك بل هو يمارس تحريضاً ضد الفريق الإسلامي في المعارضة واتهامه بـ"خيانة" مسيحيي المعارضة. والقصد هنا ليس خافياً على الإطلاق: انه محاولة للدفع باتجاه الارتداد على مناخ الوحدة الوطنية، ومحاولة للدفع باتجاه خلاف إسلامي ـ مسيحي.
4 ـ إذاً، ان لحود يحاول اكتساب "شرعية" مسيحية يسعى إلى "تعزيزها" بخلق مشكلة إسلامية ـ مسيحية، ويتطلّع الى الاستفادة منهما لـ"تقطيع" ما تبقى من ولايته الممددة، أي تمديد وجوده في الرئاسة بالرغم من الانسحاب السوري، ولا يمكن تصور غاية اخرى.
الجنرال ومقولة انتفاء الموالاة والمعارضة
5 ـ وفيما يبدو جلياً ان معركة لحود أبعد ما تكون عن موقف "مبدئي" من قانون الانتخاب، يبدو في المقابل ان العماد عون يتصرّف بوصفه متضرراً من قانون الـ2000 على الرغم من تغيّر الظرف السياسي الذي انتج "قانون غازي كنعان" كما يسميه عون. لكن المؤسف ان عون يتيح ليتامى السلطة أن يتجرّأوا، إذ بدأ بمقولة "نظرية" تفيد انه لم يعد هناك موالاة أو معارضة في لبنان، وهذا طبعاً غير صحيح من زاوية انه لم تعد ثمة موالاة لكن ثمة معارضة ـ مشروع سلطة جديدة ـ. والمؤسف ايضاً ان عون الذي يعتبر ان قانون الـ2000 "مؤامرة" اشترك فيها بعض المعارضة، يستقبل هذا التحريض الذي يمارسه يتامى السلطة ولا يردعه حتى إشعار آخر، مع العلم ان المسألة الأساسية لا تزال قبل كل شيء مسألة تعاون مع حلفاء معركة السيادة والاستقلال وليس مع آخرين من أتباع السلطة السابقة.
"القوات": لماذا التعاطف؟
6 ـ وإذا كانت "القوات اللبنانية" أظهرت خلال الأسابيع الماضية وبشكل خاص منذ جريمة اغتيال الرئيس الحريري قدراً عالياً من التعقل، كما ظهر تضامن معها في المقابل من المعارضة الإسلامية، وقد تجلى هذا التعقل أكثر ما تجلى في خطاب السيدة ستريدا جعجع في بكركي قبل أسبوع، وفي موقف مندوب "القوات" في "قرنة شهوان" أول من أمس بموافقته على البيان الذي يعلن التحفظ على قانون الـ2000 ويقرر خوض الاستحقاق الانتخابي... فإن "القوات" تبدو هي ايضاً مخاطبة عبر الحملة التي يشنها يتامى السلطة وعلى رأسهم لحود. ومما يؤسف له انه وبالرغم من الموقف "الرسمي" للقوات، ثمة كوادر قيادية في هذا التيار تبدي تعاطفاً مع شعارات الحملة، وعلى الأرجح بجهل لأهدافها.
"الراديكالية المسيحية" المقصودة والرد الإسلامي ـ المسيحي
7 ـ ان محاولة يتامى السلطة اللعب على وتر ان تيّاري عون و"القوات" يتزعمان الشارع المسيحي، تهدف في جملة ما تهدف اليه الى وضعهما في مواجهة بعضهما، لكن الأخطر الذي يستدعي انتباهاً من هذين الفريقين هو ان ثمة محاولة لتأسيس ما يشبه "التحالف الموضوعي" بين يتامى السلطة والمتضررين أكثر من غيرهم من قانون الـ2000. وليس خافياً ان محاولة تغذية "راديكالية مسيحية" هي محاولة مشبوهة لانها الوسيلة الى الانقلاب على إنجاز 14 آذار.
هكذا إذاً، يمثل الهجوم الذي يشنه فريق لحود باسم القضاء ضد قانون الـ2000، الخط الذي يعتقد لحود انه يشكل له الحماية المطلوبة، في حين ان تيّاري عون و"القوات" يجب أن ينتبها الى عدم إعطاء هذا الفريق أي "نفس" للانقلاب على المشهد السياسي المتغيّر، عبر التلاعب بالوحدة الوطنية.
بيد ان هذا وحده لا يكفي. فوفاءً للرابع عشر من آذار، تقع على عاتق الفريق الإسلامي مسؤولية كبرى في إسقاط هذه الخطة ومنع أهدافها. وهذه المسؤولية تبدأ بتأسيس تحالف إسلامي ـ مسيحي يخوض الانتخابات معاً، ويعوّض عن القانون الذي ستجري الانتخابات على أساسه، وتقتضي (المسؤولية) أن يساهم الشريك المسيحي في اختيار ممثليه في اللوائح، وأن يقرّر المسيحيون جميعهم أن أحداً من الشركاء المسلمين لا يستهدفهم. فهكذا يتم الحؤول دون تفجير المحطة الأخيرة من المرحلة الانتقالية، وتُصان سلامة البلد.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.