8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

التعويض عن القانون بتحالف إسلامي ـ مسيحيّ يشكّل السلطة المقبلة

أقفلت المسألة الانتخابية قانوناً ومواعيد أمس، وستجري الانتخابات على أساس قانون العام 2000، فقد قُضي الأمر. ولا حاجة الى كبير جهد لـ"اكتشاف" أن هذه "النهاية" كانت جزءاً من صفقة خارجية، سورية ـ عربية ـ دولية، متكاملة طبّقت بحذافيرها بدءاً من تسمية نجيب ميقاتي رئيساً للحكومة "الانتقاليّة" مروراً بتشكيل الحكومة ونيلها ثقة نيابيّة عارمة وصولاً الى حسم الموضوع الانتخابي على النحو الذي تمّ.
كان الشكّ قائماً حتى اللحظة الأخيرة حول ما إذا كان قانون الانتخاب من ضمن الصفقة الخارجيّة التي دخلَها أطراف محليّون، فأتى الجواب إيجابياً وبسرعة. وجرى الاختبار للتأكّد، فتبيّن أن مشروع القانون الذي يستند الى القضاء يمكن أن يحظى بتأييد 66 نائباً، ولكن تبيّن أن هذه الأكثريّة مع القضاء غير قابلة لـ"الصرف" سياسياً أمام الصفقة فطار اجتماع اللجان النيابيّة المشتركة أمس.
هكذا إذاً، فإن القانون الذي ستجري الانتخابات على أساسه لم يكن تسوية بين مشاريع وصيغ، ولم يترك مجالٌ لبتّه من ضمن اللعبة البرلمانيّة أصلاً، فيمكن اعتبارهُ والحالةُ هذه قانون الأمر الواقع.
لا مفاجأة والجميع كان يعلم
واللافتُ في كلّ ما جرى، هو أن قانون الأمر الواقع ليس فقط كان متوقعاً ولم يفاجئ أحداً، بل الجميع كان على علم به سلفاً بمن في ذلك البطريرك المارونيّ نصرالله بطرس صفير على ما قيل في العديد من المعلومات، حتى إن الصفقة المعقودة لم تحتمل إدخال تعديلات جزئيّة من ضمن القانون نفسه كما بالنسبة الى وضعي بشرّي وجزّين. ثبتَ إذاً أن أحداً لا يمكنه أن يدخلَ بطريقة ما في بداية الصفقة ويخرج منها في حلقتها الأخيرة.
هذا الكلام يساقُ بهدف القول أن الصفقة التي أتى قانون الانتخاب في سياقها ليست محليّة، أي أنها ليست حصيلة اتفاق بين قوى ضدّ قوّة أو قوى أخرى. وبكلام أكثر وضوحاً، وحتى إذا أخذ ظاهر الأشياء حيث يبدو أن المسيحيين هم الذين دُفّعوا ثمن الصفقة بقانون لطالما اعترضوا عليه، يجب ألاّ يخطر ببال أحد أن تحالفاً إسلامياً فرضه ضدّ المسيحيين، أو أن المرحلة الانتقاليّة تنتهي بموقف ضدّ المسيحيين أو أن ثمّة توجهاً نحو استحضار نوع من "الذميّة السياسية" في وجه المسيحيين. والمسيحيون أولى من غيرهم في "تكذيب" هذا الأمر.
لا جدالَ في أن اعتماد القضاء كان سيريح المسيحيين أكثر، لكن لا جدال أيضاً في أن اعتماد القضاء كان سيمنح المعارضة بكلّ أطيافها فرصة تسجيل انتصار كبير، أكبر من الانتصار الذي سيتحقّق بموجب أي قانون آخر بما في ذلك قانون الـ2000. وبهذا المعنى دفعت المعارضة مجتمعة ثمناً هو القانون الذي رست عليه التطوّرات، وينبغي عدم المبالغة في هذا المجال.
الثمن بقانون 2000 لا يُقاس نسبة الى الإنجازات
وفي هذا السياق، يجب الاعتراف بأن مطالب المعارضة في قسمها الأكبر قد تحقّقت، وقسمها المتبقّي على الطريق. لكن يجب الاعتراف بأن هذه المطالب تحقّقت بفعل عوامل عدّة يشكّل الموقف الخارجي، العربي والدولي، العامل الرئيسي من بينها. ويجب الاعتراف أيضاً بأن تسارع التطوّرات جاء بفعل تراجعات أقدمت سوريا عليها أمام الوضع العربي من جهة والمجتمع الدولي من جهة ثانية، وهي تراجعاتٌ فرضت نفسها على دمشق تسلّم بموجبها تسليماً أكيداً بالمتغيّرات وتسهّلها لقاءَ محاولة اجتناب مزيد من الضغوط على أوضاعها. ولذلك، يصبح قانون العام 2000 ثمناً قليلاً بالقياس الى ما تحقّق في المقابل، خصوصاً بالقياس الى انتقال السلطة الى المعارضة بعدَ الانتخابات. وفي "النهاية"، وكي تحصل الانتخابات في مواعيدها، وكي تشكّل نتائجها محطّة حاسمة في عمليّة انتقال السلطة، كانَ لا مفرّ من "القانون النافذ" لتأمين مشاركة قوى من خارج المعارضة في العملية الانتخابية ولإشعار هذه القوى بأن لها مكاناً في المرحلة المقبلة، وبأن التطوّرات لا تقاد باتجاه "إلغائيّ" أو "تهميشيّ" للآخرين. ولا يغيب عن التحليل هنا، واقع أن اعتماد قانون الـ2000 في الظرف السياسي الراهن يُسقط رموزاً من رموز السلطة "السابقة" ومكوّناتها.
لا مبرّر لإحباط مسيحي
من هنا القول أن لا صحة لتعميم مناخات إحباطيّة في البيئة المسيحية، فلا تحالفَ إسلامياً انقلب على المسيحيين ولا مبرّر لأيّ قراءات دراماتيكيّة على هذا الصعيد، لا بل لا مبرّر لأن يقع ممثّلو البيئة المسيحية في أسر طريقة معيّنة في إخراج اعتراضهم على القانون للبرهنة على أنهم لم يتراجعوا ولم يخذلوا جمهورهم، فمن شأن طريقة كهذه أن "تؤذي" أهم إنجاز حقّقته انتفاضة السيادة والحريّة والاستقلال، أي الوحدة الوطنية.
طبعاً من حقّ البيئة المسيحية أن تبدي انزعاجها من كون إخراج الصفقة ومن ضمنها قانون الانتخاب، أدّى الى إطاحة اقتراح قانون العفو عن قائد "القوّات اللبنانية" سمير جعجع ومعه اقتراح العفو عن موقوفي الضنيّة ومجدل عنجر. لكن تأخير السلطة الإفراج عن جعجع كي لا يعطي الإفراج عنه قوّة دفع إضافيّة للمعارضة في الانتخابات، لا يُلغي حقيقة أن المسافة بين جعجع والحريّة باتت مسألة أيّام وسرعان ما سيصحّح الوضع.
الانتخابات والتحالف الإسلامي ـ المسيحي
والآن، الى الانتخابات.
من الواضح أن التعويض عن القانون يكون بالتحالفات السياسية. وفي هذا الإطار لا مناص من التذكير بالآتي:
أوّلاً ـ إن أطراف المعارضة متعاقدة مع بعضها على التعاون حتى إنجاز الانتخابات على الأقل، الأمر الذي يستدعي، وقد غدت متجاورة في معظم الدوائر الانتخابية، أن تدعم بعضها بعضاً.
ثانياً ـ إن الأولوية عند الأقطاب المسلمين من المعارضة يجب أن تكون دعم المرشّحين المسيحيين "المتحدّرين" من المعارضة لا "الطارئين".
ثالثاً ـ معلومٌ أنّ لدى القادة المسلمين من المعارضة "مسيحييهم" بمعنى أولئك الذين دعموهم في المرحلة السابقة، وبعضٌ من هؤلاء استقرّ في خانة السلطة السابقة، والمطلوب إعادة النظر في هذا الأمر.
رابعاً ـ لقد اكتسب سعد رفيق الحريري في الأيّام الماضية من خلال مواقفه وتصريحاته ثقة كبيرة في مختلف الأوساط والبيئات، هي بلا شكّ ثقة مستمدّة في شطرها الرئيسي من شهادة الرئيس رفيق الحريري من أجل الوطن، وسيكون مطالباً بمراعاة مقتضيات التحالف مع المعارضة المسيحية لا سيّما تلك الأقرب الى البطريرك الماروني في مناطق نفوذ "تيّار المستقبل". وكذلك الأمر بالنسبة الى الزعيم المعارض وليد جنبلاط الذي بقدر ما هو مستعدّ لـ"العطاء" لا بدّ أن تتوحّد تيّارات المعارضة كافة، والمسيحية بنوع خاص حوله في الجبل، على قاعدة مساهمته المحوريّة في معركة السيادة والاستقلال والديموقراطية.
خامساً ـ ولا مفرّ من تحالف بين وليد جنبلاط وسعد الحريري والبطريرك، يكون الأساس في الصيغة المقبلة بعدَ الانتخابات.
أبعدُ من الانتخابات.. الجديد المنتظر
بانتقال لبنان الى الانتخابات، ثمّ الى مرحلة ما بعد الانتخابات، يدخلُ المشهد السياسيّ اللبناني في متغيّرات كبرى. وإذا كانَ المتغيّر الأساسي سيبرز على مستوى السلطة وتشكيلها، فإن مفاعيل الأحداث على مستوى الاجتماع السياسي من ناحية وعلى مستوى المجتمع المدني من ناحية ثانية، لا تزال في بداياتها، وديناميّاتها ستتواصل. وبقدر ما يستحقّ لبنان سلطة "محترمة" تستطيع قيادته في المرحلة المقبلة المليئة بالتطوّرات والتحديات، سلطة مؤسّسة على تحالف وطنيّ، يستحق أيضاً تشكّل كتلة ميثاقيّة مختلطة حاضنة للوفاق الوطني، ويستحقّ تعزيز المجتمع المدني ودور الشباب لتشكيل قوى ضاغطة من أجل مشروع الدولة والتحديث. وبكلام آخر، إن ما لم يحصل خلال خمسة عشر عاماً منذ اتفاق الطائف، أو بالأصحّ ما مُنع تحقّقه في المرحلة السابقة يجب أن يبدأ. ولا يحقّ لأحد في هذا المجال أن يستخفّ بحدث 14 آذار الماضي والمشهد المليونيّ في ساحة الشهداء، الذي شكّل الشباب مكوّنه الرئيسيّ. ففي 14 آذار حُسمت المعركة السياسيّة لصالح المعارضة، لكن في 14 آذار بدأ العدّ العكسي لمفاهيم وخطب وتشكيلات سياسية أيضاً، الأمر الذي يعني أن الانتخابات المقبلة التي ستكرّس المعركة المحسومة في 14 آذار، لا بدّ أن تشكّل هي نفسها محطّة في الديناميّات المفضية الى "الجديد" في وقت لاحق. وهذا ما يستدعي تفكيراً من الجميع بالانتخابات وما بعدَها في آن.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00