8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

المسألة الأهمّ من القانون تتعلّق بالتحالفات السياسية

فجأة وبالتزامن مع تشكيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، أعيدت الحياة الى قانون العام 2000 حتى بدا أن العودة إليه جزء من التسوية التي أتت الحكومة الجديدة في سياقها. والسبب المباشر ـ الظاهر ـ لاستعادة القانون الذي جرت الانتخابات النيابية السابقة على أساسه، هو من دون شكّ تعذّر الاتفاق داخل المجلس النيابي على القضاء وتعذّر الأخذ بالنسبية في آن.. إضافة الى أن الوقت لم يعد متاحاً للاستفاضة في النقاش لأنّ المسألة لا تتجاوز أربعة أيّام فقط في ظلّ تأكيد حصول الانتخابات في مواعيدها قبل نهاية أيّار، والأمرُ الأخير أي إجراء الانتخابات ضمن المهلة الدستوريّة هو بالتأكيد من ضمن التسوية التي حملت نجيب ميقاتي الى رئاسة الحكومة والتي شكّلت إطار تشكيل الحكومة على النحو الذي أتت فيه.
ردّ الفعل الأوّلي السلبي
والسؤال المطروح هو: هل ثمّة ما يمنع المعارضة من قبول السير بقانون الـ2000؟
أوّلاً ـ كان ردّ فعل المعارضة الأوّلي حيال هذا الطرح سلبياً، خصوصاً من قبل المكوّن المسيحي لهذه المعارضة، وتحديداً مِن قبل المعارضة المسيحية المستظلّة ببكركي. وحيثيات هذه السلبيّة عديدة:
1 ـ إنّ قانون العام 2000 صنع في غرف النظام الأمني اللبناني ـ السوري آنذاك ولم تكن استهدافاته السياسية خافية على أحد، ذلك أن "قصقصة" الدوائر كانت تستهدف الرئيس الشهيد رفيق الحريري والمعارضين المسيحيين والى حدّ كبير رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي وليد جنبلاط.
2 ـ إنّ قانون العام 2000 يغرقُ الصوت المسيحي في بحر التصويت المسلم في العدد الأكبر من الدوائر.
3 ـ والقانون نفسه ـ للاعتبارين الآنفين ـ كان يعطي فرصة غلبة على الساحة المسيحية لمسيحيي السلطة على مسيحيي المعارضة.
ثانياً ـ إنّ ردّ الفعل الأوّلي السلبي على إعادة الروح الى قانون العام 2000، بدا مبنياً إذاً على اعتبارين رئيسيين هما أن ثمّة استعادة لقانون من حقبة الوصاية السورية ونظامها الأمني في زمن انتهاء هذه الوصاية من جهة، وأن ثمّة عاملاً نفسياً يتمثّل في صعوبة تقبّل أمر يذكّر بماضٍ "صعب" في لحظةِ تحرُّرٍ منه من جهة أخرى.
قانون الـ2000 بظروف مختلفة
ثالثاً ـ لكن في ما يتجاوز ردّ الفعل الأوّلي السلبي وحيثيّاته، كان على المعارضة أن تنتبه وهي انتبهت فعلاً الى حقيقة أن قانوناً وضع في ظرف معيّن ولاستهدافات سياسية معيّنة، يمكن هو نفسُه أن يُعطي نتائج مختلفة لا بل متناقضة في ظرف مختلف. وكم من المعطيات والمطالب والشعارات تبدّلت نتائجها بتبدّل ظروف طرحها.
المجتمع الدولي: العصفور من دون خيطه
رابعاً ـ على أنّ العامل الرئيسي الضاغط على المعارضة والذي "يجبرها" على التعاطي مع قانون الـ2000 كقاعدة انطلاق، هو كونُها لا تستطيع المطالبة بحصول الانتخابات في موعدها وفي الوقت نفسه المجازفة بتأجيلها تحت أي عنوان كان بما في ذلك خوض معركة قانون مختلف، لأنّها ستُحمَّل محلياً وخارجياً مسؤولية الاشتراك في تأجيل الاستحقاق الانتخابي. وأكثر من ذلك، لا يستطيع المجتمع الدولي الضاغط من أجل حصول الانتخابات ضمن المهلة الدستوريّة أن يضغط من أجل قانون بذاته في الوقت الذي يفترض المجتمع الدولي بناء على قول المعارضة أن هذه المعارضة قادرة على ربح الانتخابات أيّاً يكن القانون. وكذلك، تستطيع المعارضة أن تحشر بتعاطيها الإيجابي مع قانون الـ2000 قوى رئيسيّة خارجها سارت بهذا القانون في الانتخابات السابقة. ومن هنا، يتّضح أن إعادة الحياة الى هذا القانون ليست من ضمن التسوية التي أفضت الى التطوّرات الأخيرة لكنها بالتأكيد ليست خارجها بمعنى أن حصول الانتخابات هو الأولويّة والمجادلة بالقانون تخضع لهذه الأولويّة ومحدودة بها.
المناخُ السياسي والتحالفات السياسية
خامساً ـ والأمر الآخر الذي كان على المعارضة أن تنتبه وهي انتبهت فعلاً الى حقيقة أن الانتخابات النيابية مناخٌ سياسيّ أوّلاً، أي الظروف التي تجري الانتخابات في سياقها. وغنيّ عن القول هنا أنّ المناخ السياسي للانتخابات المقبلة في ظلّ النتائج التي حقّقتها المعارضة خلال الأشهر الثلاثة الماضية والانهيارات التي يشهدها النظام الأمني بعد الانسحاب السوري، هو مناخ مؤاتٍ لانتصار المعارضة انتخابياً.
سادساً ـ وإذا كانت الانتخابات النيابية مسألة مناخ سياسيّ أوّلاً، فهي مسألة تحالفات سياسيّة بالقدر نفسه. والمثال على ذلك يمكن أن يكون منطقة بشرّي، فبشرّي التي ضُمّت بقانون الـ2000 الى عكّار بهدف إغراقها وإغراق تمثيلها السياسيّ وبتحالفات مفروضة آنذاك، من المؤكّد أن مشكلتها لا تعود مطروحة سياسياً بتحالفات سياسيّة مختلفة تحفظ لها خصوصيّة تمثيلها من ناحية وانخراطها في تحالف متعدّد الطرف من ناحية أخرى.
سابعاً ـ وممّا لا شكّ فيه، بعدَ التطوّرات الأخيرة، أي بعدَ النتائج المتحقّقة لصالح المعارضة وانتقال "المنافسات" الى داخلها، أن القضاء الذي طرح في فترة التوحّد ضدّ "خصم" مشترك لم يعد موجوداً، سيكون مجالاً لصراع معارضة ـ معارضة، مسيحي ـ مسيحي، ومسيحي ـ درزيّ في بعض الأماكن.
إذاً، استناداً الى ما تقدّم، من الواضح أن ردّ الفعل الأوّلي السلبيّ تجاه قانون العام 2000 مفهوم أو هو قابلٌ للتفهّم، لكن للتعاطي الإيجابي معه بهدف تكريس حصول الانتخابات في موعدها حيثيّات وازنة تماماً، ليس من بينها بالتأكيد كون قانون الـ2000 أفضل قانون للانتخاب. وأصدق تعليق على هذا الأمر ما قاله وليد جنبلاط إذ لفت الى أن القانون الطبيعي للانتخاب سيكون قانون العام 2009 تاريخ الانتخابات التالية.
المسألةُ المطروحة تالياً هي مسألة التحالفات السياسيّة، وضمانة الانتخابات هي التحالفات السياسيّة. وفي يد المعارضة أن تجعل التحالفات أكثر تعقيداً من القانون، وفي يدها في المقابل أن تيسّر التحالفات.
ولا مبالغة في القول أن الاتفاق على التعاطي إيجاباً مع قانون الـ2000 ببعض التعديلات على توزيع بلدات معيّنة ضمن الدوائر، يجب أن يقترن بالاتفاق على التحالفات السياسيّة.
الخروج من "خطوط التماس القتالية"
بتحالف إسلامي ـ مسيحي
وحيثُ إن "خطوط التماس القتالية" بين معارضين ومعارضين ستكون محدودة، مع اعتبار أن "التقاتل" الانتخابيّ في هذه الحالة لن يكون على الأرجح في صالح غير المعارضين، يصبح مؤكداً أن الدوائر الانتخابيّة التي لا غلبةَ فيها للون طائفي محدّد، وهي الدوائر الأكثر عدداً من بيروت الى الشمال ومن الجبل الى البقاع، تحتاج الى تحالف سياسيّ إسلاميّ ـ مسيحيّ، وهذا في حدّ ذاته أمر إيجابي، وقد يؤسّس لكتلة سياسيّة مختلطة تشكّل التحالف الحاكم بعد الانتخابات.
الأكيد هو أنّ بعض التنازلات ستكون مطلوبة، وبعضها سيكون "مؤلماً" من منظار الحساب العدديّ، لكن قيام هذه التحالفات أمرٌ لا غنى عنه.
ففي بيروت، حيث كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري وافق على ثلاث دوائر من أجل وحدة المعارضة ومن أجل استجابة مطلب مسيحيّ في هذا الاتجاه، يقف سعد الحريري قبل أن يعلن ترشيحه وبعدَه، ليؤكّد التزامه نهج والده الشهيد، فلم يتراجع عن الالتزام بالقضاء، ولن يتراجع عن التعاون مع المسيحيين انتخابياً وسياسياً، وكذلك سيفعل "تيّار المستقبل" بتوجيه منه في الدوائر كافة، شمالاً وبقاعاً على وجه الخصوص. وفي الجبل، واستناداً الى تجربة "اللقاء الديموقراطي" الذي ضمّ تنوّعاً وكانَ في عداده نوّاب انضمّوا الى لقاءات مختلفة الى جانب عضويّتهم في "اللقاء"، فإنّ وليد جنبلاط سيكون منفتحاً ـ لا سيما في التمثيل المسيحي ـ على تقديم تنازلات حيث يجب، وهو الذي على الرغم من آرائه المستقلّة عن أطراف عديدة في المعارضة بالنسبة الى عناوين كثيرة، بقي على عهده بالنزول تحت سقف وحدة المعارضة.. حتى الانتخابات على الأقلّ. وأكثر من ذلك، يضاف أن التحالف السياسيّ الذي يفترضه السير بقانون الـ2000، خصوصاً إذا صُحّح وضع جزّين كما يدعو البطريرك نصرالله بطرس صفير، تفرضُه مصلحة المعارضة نفسها في عدم التشتّت قبل انتهاء هذا الاستحقاق.
أمّا الجانب الآخر من اعتماد قانون الـ2000، فهو المتعلّق بدوائر الجنوب وبعض البقاع، حيث الغلبة السياسيّة محسومة سلفاً لتحالف "أمل" ـ "حزب الله" أو لأحدهما، في غياب نفوذ كبير للمعارضة، وهذا الأمر يعني من دون شكّ أنه سيكون على المعارضة المنتصرة انتخابياً أن تتعامل مع نتائج هذه الدوائر وأن تتحاور مع الفائزين في ما يتّصل بشؤون المرحلة المقبلة وهي كثيرة.
إذاً، المسألةُ ليست دفاعاً عن قانون الـ2000، بل هي أخذٌ في الاعتبار لوقائع وظروف، طالما أنّ أولويّة حصول الانتخابات تفرضُ أولويّة التحالفات على القانون.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00