8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

لماذا يضع "حزب الله" نفسه خارج التسوية التي تنقل لبنان الى مرحلة جديدة؟

ثلاث صور في غضون أسبوع ظهر فيها "حزب الله"، كانت موضع تداول ونقاش في الأوساط السياسية من زاوية مضامينها ودلالاتها وأبعادها.
الصورة الأولى دعم الكتلة البرلمانية للحزب تسمية الوزير السابق عبدالرحيم مراد لرئاسة الحكومة، والصورة الثانية الهدية الرمزية التي قدّمها الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله الى الرئيس السابق لجهاز الأمن والاستطلاع في القوات السورية العميد الركن رستم غزالة، والصورة الثالثة الحماية التي ذُكر أن الحزب يقدّمها لعدد من قادة الأجهزة الأمنية ولا سيما المدير العام للأمن العام اللواء الركن جميل السيّد.
المسألة تدعو الى "التأمل". ذلك أن مجيء نجيب ميقاتي الى رئاسة الحكومة كان بفعل تسوية خارجية، عربية ـ دولية مع سوريا، قدّمت دمشق من ضمنها "تنازلات" تتعلّق بالأجهزة الأمنيّة اللبنانية وقادتها، وأخرى تتعلّق بالانتخابات، في مقابل تعهّد الأطراف الخارجيّة عدم التعرّض لاستقرار النظام في سوريا، على ما ذكرت المعلومات المتداولة. وبهذا المعنى، يصبحُ وقوف "حزب الله" بجانب مراد، انحيازاً لـ"الجناح" الذي لم تمرّ التسوية به، أو بكلام أدقّ "الجناح" المتضرّر منها، أي الجَناح الاستخباراتيّ، وبذلك فإمّا أن يكون الحزب رافضاً التسوية المذكورة، وإمّا أنه لم يكن على علم بها كي "يستدرك" موقفه منها، وإمّا أن له "حسابات" خاصة وتقديراً خاصاً للظرف.
وفي رأي الأوساط أنه كان يمكن لهذه الصورة الأولى أو المشهد الأول أن يمرّا لو لم يقم الحزب بـ"تكحيلها" بصورة الهديّة الوداعيّة للمسؤول الأمني السوري، والتي استفزّت مشاعر شطر كبير من اللبنانيين. ذلك أن هذه "الهديّة" لم تكتسب حتّى معنى الوفاء لسوريا، وهو ـ أي الوفاء ـ عنوان المسيرة التي قادها "حزب الله" في السابع من آذار الماضي، على اعتبار أن "آخر" ما تشكر عليه سوريا هو تدخّلها المخابراتي في القضايا اللبنانية، وهو التدخّل الذي تفاقم مع "هذا" المسؤول الأمني وكلّف لبنان وسوريا وعلاقتهما غالياً، وعلى اعتبار أنه كوّن إجماعاً لبنانياً ضدّه.
ويبلغ الأداء السياسي للحزب ذروته في ما يُنقل عن عدد من القادة الأمنيين من أن "حزب الله" يتعهّد حمايتهم، وأنه يرفض أيّ تسوية تُسقِطهم جميعاً.
وفي هذا السياق تسجّل الأوساط عدداً من الملاحظات الرئيسية:
أولاً ـ إن الصورة التي يبدو عليها الحزب من خلال أدائه، هي صورة المتمسّك بالدفاع عن بقايا النظام الأمني اللبناني ـ السوري في لبنان، وهي صورةٌ كان يفترض أن لا مصلحة له فيها وأنها ضارّة به، مع أن الحزب كان ـ قبلَ هذه المشاهد ـ حريصاً على نفي أي اتهام له بأنه يشكل رافعة لـ"السلطة".
كيف يقرأ التسوية الأخيرة وما هو موقعه منها؟
ثانياً ـ إن الحزب يضعُ بذلك نفسه خارج التسوية التي أفضت الى التطوّرات الأخيرة، أي قيام حكومة تعلن التزامها التعاون مع التحقيق الدولي، وتتعهّد إجراء الانتخابات النيابية من دون إبطاء، وهي التسوية التي انضمّ إليها جميع الأفرقاء الآخرين في لبنان معارضة وبقية موالاة.
ثالثاً ـ وإذا كان السؤال البديهي، الذي يُطرَح، هو لماذا يُبعد "حزب الله" نفسه عن هذه التسوية وما هي أضرارُها عليه كي يرفضها؟ فإن الأوساط تلفت الى أن الحزب قد يكون اشتمّ منها بنوداً أخرى مخفيّة تتعلّق به، أو أنه افترض أنها مفتوحة على بنود أخرى تتصل به في المرحلة المقبلة.
لماذا تغطية المتضررين؟
رابعاً ـ ومع ذلك، أي إذا كان ثمة ما يدعو الى الأخذ بسبب "تخفيفي" في قراءة أداء الحزب، فإن السؤال المطروح هو: هل أن أفضل وسيلة لممانعة تسوية مفترضة ضدّه، هي الظهور بمظهر الخارج عن الإجماع اللبناني ضدّ النظام الأمني المتهاوي؟ أم أن الوسيلة الفضلى للممانعة والحماية هي في الذَهاب الى الموقف اللبناني الغالب وعقد تسوية معه؟
خامساً ـ وفي رأي العديد من الأوساط أن أداء "حزب الله" يثير قلقاً من تحالفه ـ موضوعياً بحدّ أدنى ـ مع المتضرّرين من هذه التسوية التي تفتح في جانبها الإيجابي البابَ أمام انتقال لبنان، خصوصاً بعد الانتخابات، الى مرحلة جديدة فعلاً، الأمر الذي تستغرب معه الأوساط الرفض الذي يبديه الحزب للواقع السياسي الجديد الذي تؤكد قواه الرئيسية أنه ليس ولن يكون موجهاً ضدّ "حزب الله".
موقع توزير حمادة
سادساً ـ وفي غمرة هذه الملاحظات جميعاً، وفي لحظة "التأمل" في المشهد الذي بدا "حزب الله" عليه خلال أسبوع، تسأل الأوساط: أين يقع توزير طراد حمادة المقرّب من "حزب الله" في هذا المشهد وما هي وظيفة تغطية هذا التوزير؟ هذا مع الإشارة الى أن دخول "حزب الله" الحكومة بواسطة أحد أصدقائه لم يُثر ردّ فعل فعل سلبياً من قوى الاجتماع السياسي اللبناني ولا من المراكز الخارجية، الأمر الذي قد يعني أن ثمة موافقة دولية على هذا الأمر أو أن ثمة تعاطياً إيجابياً معه.
المتغيّرات الرئيسية
حيال هذه المعطيات جميعاً، تعود الأوساط الى التذكير بـ"وقائع" باتت محسومة، والى التشديد على وجوب أخذها في الاعتبار:
1 ـ إن الخروج السوري من لبنان بقدر ما أدّى الى فتح صفحة لبنانية جديدة، فإنه أتى في سياق تطوّرات إقليمية ـ دولية وهو في الوقت نفسه مؤشّر الى مزيد من التطوّرات الإقليمية والدولية في الاتجاه نفسه.
2 ـ إن موقع سوريا، ما عدا حرص جميع اللبنانيين على بناء علاقات صحيّة وصحيحة معها ورفضهم المشاركة في ما يسيء الى سوريا واستقرارها، لم يعُد هو نفسه.
3 ـ إن البلد ينتقل بفعل هذه التطوّرات من حقبة الوصاية السورية الى مرحلة تشكّل الحاضنة اللبنانية الذاتية للوفاق والدستور، وأيّ تخلّف عن المساهمة فيها هو تخلّف في الزمن وفي الرؤية.
4 ـ إن النظام الأمني يعيش "ثوانيَه" الأخيرة، ولن تجديَ أي محاولة لـ"إنعاش" بعضهم، فالتحقيق الدولي سيقود حتماً الى تأكيد مسؤوليّةٍ ما للأجهزة في التقصير حيال جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، هذا فضلاً عن أن السلطة الجديدة بعد الانتخابات لن تقبل بأقلّ من إعادة النظر في الأجهزة وبنيتها والمسؤولين عنها، ولأنّ ما بعد اغتيال الرئيس الحريري غيرُ ما قبلَه.
ليس طائفاً ثانياً بل إعادة اعتبار للطائف
5 ـ لا حماية لأيّ جهة أي لا ضمانةَ لها خارج الوفاق الوطنيّ، وخارج المسار الديموقراطيّ، ولا منطقَ لأيّ إقفال في وجه التسويات التي ينتجها حوار اللبنانيين.
طبعاً، إنه خطأ فادح القول إن التسوية الأخيرة التي سمحت بانتقال لبنان الى محطّة جديدة هي بمثابة "طائف ثان"، لأنها لا تعدو كونَها محطّة في عمليّة إعادة الاعتبار للطائف الذي حين يجري الإقرار بأنه مرجعيّة الوفاق والعيش المشترك يجب الإقرار بمترتّباته كلها.
لذا، تأملُ الأوساط أن يأخذ "حزب الله" جميع ما تقدّم في اعتباره، لأن له مصلحةً فيه، وتأمل أن يبادر سريعاً الى تصحيح الصورة التي تظهره وحيداً من بين القوى الرئيسيّة على هذا النحو من الأداء. وتدعوه الى الانخراط في حوار لبناني واسع، مرجعيّته الطائف، لكن مع إدراك المتغيّرات التي يستحيل من دون إدراكها التوجّه الى المرحلة الجديدة، ولا شكّ في أن العقل اللبناني الجَماعيّ قادرٌ على إنتاج المعادلات الضامنة للجميع. والمسألة هنا هي مسألة قراءة واستنتاج وتدوير وتكيّف، تبقى أثمانها جميعاً أقلّ من ثمن افتراض القدرة على "مناطحة" الوقائع القاهرة، خصوصاً أن أفق أي مشروع في لبنان يتحدّد بناء على معطيات محليّة وعربية وخارجية، كما تؤكّد الأوساط المتابعة التي ترى أن الصورة التي بدا فيها "حزب الله" في الأيام الأخيرة "تكشفه" ولا تغطّيه، مشدّدة على حرصها على الحزب الذي آن الأوان كي يبرهن على ما يعرفه عنه اللبنانيّون من قدرة على "حسن الاستماع" ومن حنكة سياسيّة تقع الصورة الأخيرة خارجَها.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00