8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

صفير يتمسّك بتقسيمات العام 1960 ولا يمانع في تقسيم كل محافظة إلى ثلاث دوائر

ينطلق البطريرك المارونيّ نصرالله بطرس صفير في مقاربة الوضع العام في البلاد من معادلة "بسيطة" لكن فعليّة، وهي أن ما كان يحصل أثناء الوجود السوري في لبنان ليس جائزاً أن يستمرّ بعدَه، وأن ما كان "يُملى" خلال حقبة الوصاية السورية ليس مقبولاً أن يُملى من أيّ جهة بعد الانسحاب السوري، وأن المتغيّر الكبير يجب أن ينعكس بشكل واضح.
ينطبقُ ذلك أوّل ما ينطبق من وجهة نظر البطريرك كما ينقلها عنه زوّاره، على موضوع قانون الانتخاب.
أوّلاً ـ يرى البطريرك أن المعارضة قبل الجريمة الإرهابيّة التي أودت بالرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، كانت قد وحّدت موقفها ودعت الى اعتماد القضاء دائرة انتخابية على أساس قانون العام 1960. ومفتاح التوحّد حول اعتماد القضاء آنذاك كان الرئيس الحريري نفسه عندما توافق مع البطريرك على ذلك وأعلنه من بكركي. وإذا كان طغى على الموقف الداعم للقضاء هاجسُ تشكيل أكثريّة نيابيّة في المجلس المقبل، كي تتحكّم هذه الأكثريّة بمفاصل عمليّة إعادة تشكيل السلطة من جهة والوصول الى تحقيق هدف الاستقلال والسيادة من جهة أخرى، فإن الموقف الداعم لاعتماد القضاء كان بهدف تصحيح التمثيل السياسي لمختلف الفرقاء والتمثيل السياسي المسيحي بشكل خاص.
ثانياً ـ وعندما صاغت حكومة الرئيس عمر كرامي مشروع قانون الانتخاب على أساس القضاء، لم يكُن ذلك منّةً منها، بل تنازل اضطراري أملته على السلطة معطيات عدة، منها وحدة المعارضة، ومنها الأمل بفكّ هذه الوحدة بتحييد المسيحيين عن الشركاء الآخرين في الوطن، وهذا الأمر الأخير تجلّى في ما كشفه وزير الداخلية السابق سليمان فرنجيّة الذي هدّد بإعادة النظر في مشروع القضاء إذا تأكّدت نيّة المسيحيين التحالف مع الرئيس الحريري، فكان الردّ المسيحي أو الردّ المسيحي المعارض في حينه التضامن مع الرئيس الشهيد ضدّ التقسيم العشوائي للدائرتين الأولى والثانية في بيروت.
بكركي: الانقلاب على القضاء ليس بريئاً
ويرهن المسيحيين للتصويت الآخر
ثالثاً ـ ويعتبر البطريرك أن انقلاب المعارضة على مشروع القضاء بعد الانسحاب السوري، غير مبرّر، لأن المعارضة متعاقدة على البقاء موحّدة، على الأقلّ حتى الانتخابات وبالنسبة الى القانون، ويشتمّ من أيّ انقلاب على القضاء مشروع حصار ما للتمثيل المسيحي، أي أنّه يشتمّ أمراً غير بريء، فإمّا أن الانقلاب على القضاء هو محاولة للتنصّل من الحليف المسيحي في معركة الاستقلال، وإمّا أنه مشروع لتأجيج صراعات مسيحية ـ مسيحية، أو أنه بأفق التفتيش عن شريك مسيحي آخر بعدَ اعتبار من البعض أن ما كان يوحّد لم يعد موجوداً.
رابعاً ـ على هذا الأساس يتمسّك البطريرك بصيغة القضاء التي لا يزال يعتبر أنها الأفضل لأنها تنتج التمثيل الحقيقي لجميع البيئات، في حين أن الصيغ المتداولة تجعل التمثيل المسيحي مرتهناً الى التصويت الطائفي الآخر، وتجعله نتاجاً لما يقرّره الناخبون غير المسيحيين.
قانون 2000 صُنع في غرف النظام الأمني
خامساً ـ ويرفض البطريرك بإصرار العودة الى قانون العام 2000، ويذكّر ـ كما يقول زوّاره ـ بأن هذا القانون طُبخ آنذاك بين الرئيسين اللبناني والسوري إميل لحّود وبشّار الأسد، وبين رئيس جهاز الأمن والاستطلاع السوري اللواء غازي كنعان ومدير المخابرات اللبناني العميد ريمون عازار والمدير العام للأمن العام اللواء جميل السيّد، وكان الرئيس الحريري مستهدفاً منه وكذلك التمثيل المسيحي. ويتساءل ـ كما ينقل الزوّار ـ كيف يصحّ اعتماد قانون بماركة مسجّلة تحمل اسم النظام الأمني اللبناني ـ السوري المشترك في العام 2005 وبعدَ أن "تحرّر" لبنان من الوصاية السورية؟
3 محافظات في المحافظة
سادساً ـ وإذ يتمسّك البطريرك بالقضاء، فإنه ليس مقفلاً أمام تسوية جديّة تحقق الغرض الرئيسي، أي تمكين التمثيل المسيحي من أن يكون حراً، مستنداً بصورة رئيسية الى أنه لا يقبل بأن يكون التمثيل في بشرّي وجزّين "أسيراً". ويُنقل عنه أنه لا يمانع باعتماد المحافظات الثلاث ضمن المحافظة الواحدة، أي تقسيم كلّ محافظة الى ثلاث دوائر انتخابية، فتكون هذه الصيغة أقرب الى القضاء.
سابعاً ـ ويؤكد زوّار البطريرك أنه أبلغ موقفه هذا الى المعنيين محلياً وخارجياً، ولا يستبعدون أن يكون الموضوع بين يدي المبعوث الدولي تيري رود ـ لارسن، طالما أن لارسن لعب دوراً لا سيما على صعيد إنضاج التسوية التي أدّت الى المجيء بالرئيس نجيب ميقاتي على رأس الحكومة.
وينفي الزوّار المقرّبون من البطريرك صفير ما يتردّد عن أن أحد أسباب التأزّم في العلاقة بينه وبين أركان بارزين في المعارضة، هو "حمايتُه" للرئيس إميل لحّود في موقع الرئاسة في ما تبقّى من ولايته الممدّدة، ويلفتون في هذا المجال الى أن ما رفضه البطريرك هو البحث في مصير رئاسة لحّود ضمن المجلس النيابي الحالي ومعادلاته المعروفة، وقبل الانتخابات التي ستظهّر معادلات جديدة.

البطريرك وورقة الرئاسة
بيدَ أن أوساطاً متابعة "تحاول" تلخيص موقف صفير في هذا المجال بالآتي:
1 ـ يريد سيّد بكركي الاحتفاظ بـ"ورقة" لحّود الى حين اتضاح البدائل وبروز إمكان تحقّق تفاهم شامل حول كلّ ما يتعلّق بالمرحلة المقبلة، مرحلة ما بعد الوصاية السورية.
2 ـ وتُعتبر "ورقة لحّود" مهمّة في يد البطريرك لـ"موازنة" طموحات رئاسيّة غير خافية عند كثيرين في الساحة المارونيّة، ومن بينهم العماد ميشال عون.
3 ـ وترى الأوساط المتابعة أن البطريرك يعتبر أن من "حقّه" أن تكون له كلمته إن لم يكن في إسم الرئيس المقبل ففي مواصفاته ومدى انسجامها مع مقتضيات المرحلة الجديدة. وإذا كان يأخذُ في الاعتبار أن الرئيس المقبل يجب أن يكون موضع ثقة الشركاء الآخرين، فإنه على اعتقاد أن انطلاقة الرئيس إسماً أو مواصفات لا بد أن تكون من بكركي. وما ينطبقُ على التمثيل المسيحي النيابيّ ينطبقُ على الرئيس الجديد.
4 ـ وتؤكّد الأوساط المتابعة أن ليس صحيحاً ما يقال في بعض الأمكنة عن أن صفير يتطلّع الى تعديل اتفاق الطائف، ومن ضمن التعديلات ما يتعلّق بصلاحيّات رئيس الجمهورية، بل الصحيح أنّه في قراءته للتطوّرات ونتائجها، وفي تشخيصه للمرحلة التي انتقل إليها لبنان، يرى أن الرئيس المقبل والتمثيل المسيحي النيابي يجب أن يكونا جزءاً من عمليّة التطبيق اللبناني الذاتي للطائف والدستور.
5 ـ وتحرصُ الأوساط نفسُها على الإشارة الى أن البطريرك لا يزال على موقفه المشدّد على العلاقة المسيحية ـ الإسلامية، وعلى أهميّة العلاقة بأسرة الرئيس الشهيد رفيق الحريري وتيّاره وبالزعيم المعارض وليد جنبلاط. وتنوّه الأوساط في هذا السياق بالمواقف التي أطلقها سعد الحريري بعد اختياره خليفةً لوالده في الشأن السياسي والوطنيّ، لا سيّما تأكيده الالتزام بمواقف الرئيس الشهيد وحرصُه على الوحدة الوطنيّة.
غياب التسوية بين المعارضين حول قانون الانتخاب
تأسيساً على ما تقدّم، بين ما ينقُله زوّار البطريرك المقرّبون من جهة وما تقدّره الأوساط المتابعة من جهة أخرى، من الواضح أنّ وجهاً رئيسياً من وجوه الأزمة التي تعيشها حركة المعارضة تحت مسمّيات شتّى، يتمثّل في انعدام القراءة الموحّدة بين الفرقاء المعارضين للمرحلة الجديدة ومقتضياتها. وانعدامُ هذه القراءة الموحّدة يعود الى انعدام الحسابات والمصالح الموحّدة بالدرجة الأولى.
ففيما يجري الحوار بينَ رئيس "الحزب التقدّمي الاشتراكي" وليد جنبلاط وقوى من خارج المعارضة لا سيّما "أمل" و"حزب الله" بحثاً عن تسوية بشأن قانون الانتخاب، وفيما يبدو أنّ جنبلاط يرى احتمال أن يشكّل طرحُه للمحافظات التسع التسوية المأمولة، يبدو في المقابل أنّ الحوار مقطوع بين جنبلاط وبكركي حول الموضوع نفسه، علماً أن المشترك بين جنبلاط وبكركي في هذا الموضوع هو الشغل على تناقضات المعسكر الآخر. وأكثر من ذلك، بينما كان جنبلاط على اقتناع بأن مشاركة المعارضة في حكومة ميقاتي ستمكّنها من تمثيل أفضل ومن الإمساك بالمفاصل الرئيسية، فإنه يبدو بـ"حاجة" الى الاتفاق مع "أمل" و"حزب الله" على قانون الانتخاب. وبينما رفضت المعارضة المسيحية المستظلّة بالبطريرك المشاركة في الحكومة لأنّها (الحكومة) تحمل بقايا مرحلة سابقة، فإنها تظنّ أنها ليست بـ"حاجة" الى فرقاء آخرين لإطلاق قانون الانتخاب. فالموضوع هنا إذاً: غياب التسوية داخل صفوف المعارضة. ولذلك، كان "المنطق" ولا يزال يقضي بتفاهم على خطّ جنبلاط ـ صفير ـ الحريري للتوجّه الى تسوية مع "أمل" و"حزب الله"... وعدا ذلك تعريضٌ لنتائج الانتخابات الى إشكاليّات والتباسات شتّى.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00