8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

المعارضة أمام تحدي فرز معيّن تُبلور معه مشروع الحكم المقبل وبرنامجه

ثمة عبارة مفتاحية يُطلقها قادة معارضون مفادها أن مرحلة جديدة بدأت في تاريخ لبنان، فيما ما فتئ الزعيم المعارض وليد جنبلاط يسأل: ماذا بعد أن حقّقت المعارضة مطالبها؟
واللافت في هذا المجال أن أياً من قادة المعارضة وأركانها لا يذهب الى حد استنتاج أن الصيغة المؤطّرة للمعارضة بكل تياراتها وأطيافها، والتي تشكّلت بعد التمديد وترسّخت بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري، قد استنفدت وظيفتها ومفعولها، وأن "شيئاً" آخر يجب أن ينوجد. واللافت أيضاً أن قادة المعارضة يبدون عاجزين عن استنطاق الوقائع وقراءة أبعادها. فعندما يغدو عقد اجتماع عام للمعارضة متعذّراً، وعندما لا ينعقد الاجتماع العام إلاّ مرة واحدة بعد 14 آذار لتقويم هذا الحدث، ومتى يصير انعقاد لجنة المتابعة أمراً مستحيلاً، وعندما يصبح الاتفاق على موقف سياسي موحّد صعباً، كما جرى بالنسبة الى الموقف من الحكومة ومسألة المشاركة أو عدمها فيها، عندئذ لا مفرّ من استخلاص النتيجة.
الظرف الموضوعي للتوحّد
لا شك أن المعارضة توحّدت في ظرف موضوعي ضدّ خصم مشترك، وأدّى توحّدها، بالإضافة الى عوامل أخرى ـ خارجية ـ الى تحقيق المطلوب، فها هو الانسحاب السوريّ الكامل يحصل وينتهي رسمياً في 30 نيسان الجاري، وها هو النظام الأمنيّ ـ المخابراتي ينهار والموالاة تتبعثر، وها هي لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد آتية الى لبنان قريباً وقد حصلت مفاعيلها قبل أن تصل، ولم يبقَ إلاّ الانتخابات، والانتخابات ستحصل قريباً وعلى أساس قانون ـ تسوية هو جزء من التسوية التي أتت بنجيب ميقاتي رئيساً للحكومة. الآن، الضدّ الذي كان يوحّد المعارضة لم يعد موجوداً بالفعل، ولا خشية من أن يؤدّي عدم توحّد المعارضة "في كلّ لبنان" الى خذلان المعارضة، فهي ستفوز في معظم الدوائر الانتخابيّة، أمّا حيث ثمّة "قلق" فيمكن لتيّارات المعارضة أن تدرس الأمر حالةً حالة.
الفرز
إذاً، وكي لا تجلدَ المعارضة نفسها، وتأسيساً على أنّ المعطيات الموضوعيّة التي أملت وحدتها لم تعد قائمة، ما هي البدائل وكيف الانطلاق؟
أوّلاً ـ ليست المرّة الأولى في تاريخ العمل السياسيّ التي ينفرط عقد تحالف موسّع بعدَ أن يؤدّي دوره ووظيفته، وأحياناً يتأخّر الإعلان عن الانفراط لكن التحالف يكون ممدّداً فيترك تمديدُه المجال واسعاً لشتّى الالتباسات والإشكاليّات.
ثانياً ـ وثمّة قوى سياسيّة تكون موجودة في مرحلة معيّنة، عليها أن تطرح على نفسها بعدَ تطوّرات كبيرة السؤال عن مبرّر وجودها، فإمّا أن تعيد جلاءه وإمّا أن تعدّل فيه وإمّا أن تنتهي.
ثالثاً ـ وعندما تنتهي مرحلة لتبدأ أخرى جديدة، ثمّة فرز "إلزامي" لا بدّ أن يحصل على معايير شتّى أهمّها الموقع حيال المرحلة الجديدة وعناوينها وقضاياها. ذلك أنّه ـ مثلاً ـ ليس واضحاً لماذا هذا العضو في "لقاء قرنة شهوان" يمكنه الاتفاق مع عضو آخر في اللقاء نفسه أكثر من اتفاقه مع شخصيّة سياسيّة خارجَه، أو لماذا يجب على هذه الجهة الاتفاق مع جهة ثانية من بيئتها ولا تتفق مع جهة من خارج هذه البيئة؟
ساحة المعارضة المسيحيّة وعودة التطاحن
رابعاً ـ والدليل الملموس على صحّة الكلام في البند السابق، هو أنّ ساحة المعارضة المسيحيّة تعيش الآن "الظواهر" الآتية:
1 ـ مع إعلان العماد ميشال عون عن عودته في السابع من أيّار المقبل ومباشرة "التيّار الوطني الحرّ" تحضيراته لهذه العودة، بدا أنّ عودة عون تثير ـ خارج تيّاره ـ أسئلة كثيرة عن انعكاساتها على الوضع المسيحيّ المعارض، خصوصاً أن هذه العودة مسبوقة بـ"شائعات" عن تحالفات سيعقدها مع أطراف غير معارضة لتصفية الحسابات مع قوى معارضة، وذلك في ظلّ اعتبار عون أنّه "يحقّ" له أن يتحالفَ مع من يريد طالما أنّه يرى نفسه "المعارضة الأصليّة".
2 ـ في المقابل تحرّكت "القوّات اللبنانيّة" باتجاه تسريع الإفراج عن قائدها الدكتور سمير جعجع قبلَ الانتخابات، في وقت ليس واضحاً تماماً بعد ما إذا كانت ثمّة تسوية ما في هذا الموضوع يجري إخراجُها أو ما إذا كان الإفراج عن جعجع سيتأخّر الى ما بعد الانتخابات.
3 ـ ومع إعلان موعد عودة عون وانطلاقة ماكينة "القوّات"، عادت أجواء التوتّر بين التيّارين ستّة عشر عاماً الى الوراء، الى التطاحن البادئ في احتفالات واحتفالات مضادّة، وإلصاق صور وتمزيقها إلخ...
4 ـ وإذا كان الجنرال عائداً لتأكيد مرجعيّته وبأفق رئاسيّ، فإنّ ذلك يطرحُ أسئلة عن كيفيّة تصرّف المتضررين من عودته لا سيّما على مستوى التيّارات الحزبيّة التي تتعامل جميعاً على أساس أنّ الأرض لها، فهل ستتشكّل "جبهة" من هذه التيّارات ضدّ عون وتيّاره وما هي التداعيات انتخابياً وسياسياً وعلى غير صعيد في هذه الحالة؟
5 ـ ومن الواضح أنّ دخول ساحة المعارضة المسيحيّة في هذا الصراع المتجدّد سيترك آثاره في "قرنة شهوان"، خصوصاً إذا سارت التيّارات الحزبيّة الممثّلة فيها باتجاه المواجهة مع عون. وليس من مصلحة الشخصيّات المستقلّة الدخول في هذا الصراع، لأنّه على الأرجح قد يفيدُها على المدى الطويل، لكن مصير "القرنة" كإطار يصبح مطروحاً.
خامساً ـ ثمّة فرز "إلزاميّ" سيحصل، بدليل أنّ ساحة المعارضة المسيحيّة مقبلة هي نفسها على فرز ستؤكّده الانتخابات النيابية الآتية.
القوى المتقاربة وبرنامج الحكم
سادساً ـ في إطار هذا الفرز الذي يبدو حاصلاً قبل الانتخابات، لا شكّ أنّ المطلوب هو أن تستطيع قوى متقاربة في المعارضة الحاليّة إيجاد برنامج مشترك فيما بينها للمرحلة المقبلة. فعندما تحقّق المعارضة أهدافها "ضدّ" خصم معيّن، لا بدّ أن يغلب على أدائها وسلوكها بعدَ ذلك كونَها مشروع حكم، وهذه القوى المتقاربة تنتقي نفسها وليس ثمّة ما يلزم بأن يكون الحكم المقبل شاملاً لكلّ من عارض، ذلك أنّ "التعسكر" كما كان في المرحلة السابقة لم يعد منطقيّاً في المرحلة الجديدة. وغنيّ عن القول أنّ القوى المتقاربة أو الأكثر تقارباً معنيّة ببلورة برنامج مشترك حتّى قبل الانتخابات لتوضح للبنانيين أنّها تأخذ إنجازهم السياديّ والاستقلاليّ والديموقراطيّ في الاعتبار وتلبّي طموحهم الى حكم جديد ميثاقي وإصلاحيّ وتحديثيّ، مع التذكير بأنّ المتطاحنين الآن ليسوا سوى نقطة في بحر جماهير 14 آذار الماضي.
سابعاً ـ وبديهي أنّ من لا يكون جزءاً من مشروع الحكم أن ينصرف الى عمله السياسيّ خارجَه، فذلك مطلوب أيضاً لاستقامة الحياة السياسية، مع لفت النظر هنا الى أنّ البلد باتَ بعد الاختلاط والمصالحة المتوّجين في 14 آذار بحاجة الى من يعمل في مجال تطوير "المجتمع المدني" ودوره.
الأزمة تكمن في تمديد الصيغ الحاليّة
تأسيساً على ما تقدّم، فإنّ أزمة المعارضة الآن تكمن في عدم الاعتراف بأنّ تمديد الصيغ القائمة للعمل المشترك هو الأزمة، وأنّ المطلوب هو انتقال سريع الى المرحلة الجديدة بما تستدعيه من فرزٍ وضمّ، من تقارب وتقاطع، ومن تمييز بين المستويات والأصعدة.
وبلا تردّد، يمكن القول أنّ التأخّر في الفرز الذي يطلق مشروع الحكم لمرحلة ما بعد الانتخابات، يجعل ما يدور في هذه الأيّام على أرض المعارضة أمراً غير مفهوم، ويجعل الخلافات غير مفهومة، والأخطر هو أنّه يؤدّي الى جعل ميثاقيي البيئة المسيحيّة وقوداً في صراعات "الأنا أو لا أحد" بين التيّارات الحزبيّة ورموزها العائدة الى الحريّة بحقّ لأنّها يجب أن تكون في الحريّة، لكنّها رموز لم تبرهن جميعها على قدرتها على الإحاطة بالتطوّرات وأبعادها كاملة.
إذاً، لتبدأ القوى المتقاربة حواراتها ولتكن غير محكومة بعقدة ذنب، لأنّ الظرف الموضوعي هو الحاكم بأمر الفرز، ولتكن واثقة بأنّ "المسألة الأخلاقيّة" غير مطروحة، طالما أنّ المعارضة استمرّت موحّدة الى أنّ حقّقت مطالبها ولم ينقطع "حيْلُها" قبل ذلك، وطالما أنّ الجماهير التي صنعت الإنجاز الوطنيّ الكبير كانت ولا تزال أكبر من كلّ القوى السياسيّة التي باتت، وأكثر من أيّ يوم مضى، تحت المراقبة الشعبيّة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00