في ضوء التشكيلة الحكومية التي أعلنها الرئيس نجيب ميقاتي، ثمة حاجة الى مناقشة عدد من الأمور المتصلة بمدى قدرة هذه الحكومة على الوفاء بالتعهدات التي قطعها رئيسها قبل تكليفه وبعده أمام المعارضة من ناحية وفي الإطار العربي ـ الدولي من ناحية اخرى، وذلك بالاستناد الى توازنها السياسي.
أولاً ـ في التوازن السياسي العام للحكومة الجديدة، من الواضح انه فيما يمكن القول انها تضم 9 موالين لسوريا بمختلف تلاوين الموالاة هذه، فإن المعارضة لا تؤثّر سوى في 5 وزراء على الأكثر.. أي ان حكومة غير المرشحين شكلت على أساس توازن هو غير التوازن "الفعلي" القائم في البلاد منذ مدة.
ثانياً ـ وفيما لا يخفى ان الفريق الموالي لسوريا ومن ضمنه رئيس الحكومة نفسه هو في معظمه فريق سياسي ولو من غير المرشحين، فإن الفريق المقرب من المعارضة ليس كله سياسياً وإن كان يوحي بالثقة. وبينما وضع رئيس الجمهورية الوزير الياس المر على رأس فريقه داخل الحكومة ووضع ما تبقى من الجهاز الأمني المشترك الوزير محمود حمود في وزارة الخارجية، يلاحظ ان الوزيرين المقربين من المعارضة وهما غسان سلامة وطارق متري تسلما حقائب غير سياسية مع انهما مسيّسان بامتياز، في حين ان الأقل تعاطياً في الشأن السياسي من بين الوزراء المقربين من المعارضة تسلما حقيبتين رئيسيتين، وهما حسن السبع وخالد قباني في الداخلية والعدلية، وذلك ربما بسبب كونهما مجرد "متعاطفين" مع كتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري وبسبب طبيعة مهمتيهما اللتين تفرضان الايحاء بالحياد، في حين ان الوزير الدرزي عادل حمية لا يمثل الموقع الجنبلاطي وهو على صلة صداقة وعمل مع رئيس الحكومة.
ثالثاً ـ في ضوء هذا التوازن السياسي الموصوف، يمكن القول ان الموالين لسوريا على اختلاف ألوانهم يشكلون أكثرية مجلس الوزراء و"ربما" أكثرية الثلثين فيه، ما يجعل "القرار" ممسوكاً أو بكلام أدق "غير مفتوح".
المعارضة و"التعاطي الإيجابي"
ومع ذلك، ثمة من يقول ان المعارضة معنية بالتعاطي الإيجابي مع الحكومة الجديدة من عدة زوايا. الأولى هي ان الأمور لن تحسم في مجلس الوزراء على قاعدة التصويت بل على أساس التوافق من جهة وعلى أساس ان القرارات التي يفترض اتخاذها متضمنة في "الصفقة" التي أتت بميقاتي رئيساً للحكومة من جهة ثانية. والثانية هي ان مسار العملية الانتخابية ومصيرها وضعا في عهدة وزيرين نزيهين ما يفترض معه الا تكون شكوى في هذا الموضوع. والثالثة هي ان المعارضة التي سهلت تشكيل الحكومة منذ ما بعد 14 آذار، وصولاً الى المشاركة في تسمية ميقاتي، وكل ذلك من أجل تسهيل حصول الانتخابات في مواعيدها، لن تستطيع العودة الى الوراء في هذا المجال. والرابعة هي ان فترة هذه الحكومة يفترض ألا تكون طويلة وأن تذهب الى الانتخابات التي ستظهّر توازن القوى الحقيقي في البلاد.
هل يستطيع ميقاتي الانقلاب
في ضوء الصفقة ـ التسوية؟
وفي معرض شرح المعطى الذي يقول ان القرارات الرئيسية لن يجري التصويت عليها بالأكثرية، تعطي مصادر سياسية متابعة الاشارات الآتية:
1 ـ ان مجيء ميقاتي الى رئاسة الحكومة تم بموجب اتفاق خارجي، سعودي ـ فرنسي أساساً، وقيل انه حصل ترحيب أميركي به، وهذا الاتفاق العربي ـ الدولي جاء تحت عناوين عدة من بينها الإفساح في المجال أمام سوريا لـ"الانسحاب" السياسي المشرّف من لبنان بما لا يؤثر سلباً على الوضع في سوريا.
2 ـ حصل هذا الاتفاق بناء على تعهدات سورية معيّنة أمام المملكة العربية السعودية خاصة، بأن تتيح سوريا المجال أمام انتقال طبيعي للبنان من مرحلة الى اخرى عبر ممرّ الانتخابات، في مقابل "تطمينات" حصل عليها في ما يتعلق بقضايا عدة من بينها التحقيق الدولي و"حدوده".
3 ـ فإذا كان صحيحاً ان الإتيان بميقاتي تم في سياق صفقة ما سورية مع الخارج الدولي، وقدمت تعهدات سورية من ضمن هذا السياق، وإذا كان صحيحاً ان ذهاب المعارضة الى تسمية ميقاتي حصل بـ"نصيحة" عربية ـ دولية، وكل ذلك صحيح على الأرجح، فإن قدرة ميقاتي على التحلل من الالتزامات المقطوعة، تغدو والحالة هذه مستحيلة.
4 ـ ان الانقلاب على التعهدات المقطوعة ومن ضمنها إقالة قادة الأجهزة الأمنية، هو احتمال "نظري" قائم، على أساس ان الجهاز المخابراتي السوري ـ اللبناني متضرر من هذه الصفقة السياسية، لكن حصوله "عملياً" سيعني ان الأمر يتجاوز مسألة الحكومة ويتعلق بمصير الوضع اللبناني ـ السوري برمته.
إذاً، على الرغم من التوازن المختل لحكومة ميقاتي، فإن تشكّلها في سياق قرار خارجي عربي ـ دولي بالتفاهم مع سوريا، يجعل من الصعب إن لم يكن من المستحيل الانقلاب على التعهدات التي أعلنها ميقاتي بعد ان قطعتها القيادة السورية على نفسها، ويغدو التوازن المختل بمعناه اللبناني غير ذي قيمة.. والانتخابات يجب أن تحصل.
جنبلاط ورأيه بالمشاركة المستند
إلى حجج وازنة
في هذا الإطار، وكما هو معروف، برز في إطار المعارضة خلال الأيام الأخيرة رأيان، أحدهما دعمه الزعيم المعارض وليد جنبلاط بقوة ويقول بمشاركة المعارضة في الحكومة، والثاني دعمته أطراف معارضة اخرى ويقول بعدم المشاركة والاكتفاء بالتسهيل من أجل أن تجري الانتخابات.
ويستند رأي جنبلاط الى مجموعة الحجج الرئيسية الآتية:
أ ـ ان "قتال" المعارضة من أجل المشاركة في الحكومة، كان سيفرض أخذ التوازن الحقيقي في البلاد في الاعتبار، وكانت المعارضة ستنجح في أن تفرض المناصفة على الأقل في التشكيلة الحكومية.
ب ـ ويأتي هذا التقدير في امتداد رأي جنبلاط انه كان على المعارضة بعد 14 آذار والحشد المليوني في الشارع أن تشارك في حكومة الاتحاد الوطني التي دعا الرئيس عمر كرامي الى قيامها.
ج ـ ويعتبر جنبلاط ان السلطة لا تأتي دفعة واحدة وكلّها الى المعارضة، بل ان ثمة فرصة لالتقاط مفاصلها بالتدريج.
د ـ ويرى انه كان متاحاً، وفي ظل "التسوية" السورية ـ العربية ـ الدولية، ومع مجيء ميقاتي بأصوات المعارضة الى رئاسة الحكومة أن تدخل المعارضة الى هذه التسوية ثم الى الحكومة بقوة ضمانة لتنفيذ الالتزامات المقطوعة في سياق هذه الصفقة ـ التسوية.
هـ ـ ويقدّر جنبلاط ان عدم المشاركة يضع كل التعهدات والالتزامات في مهب الريح، لا سيما انه يبدي خشية كبيرة من الموقف الاميركي، ويلفت الى ان الانتخابات مهددة مع توازن القوى المختل وكذلك لا ضمان لإقالة قادة الأجهزة الأمنية.
عدم المشاركة وحيثياتها
وفيما يؤكد جنبلاط ان المعارضة فوتت فرصتين منذ 14 آذار، تعرب اوساط معارضة اخرى عن رأى مغاير مستند الى الآتي:
1 ـ ان الصفقة ـ التسوية اتت بنجيب ميقاتي لأنها تمت مع سوريا لقاء مقايضات معينة، وهذا يعني ان "الحد الأقصى" الراهن هو ميقاتي.
2 ـ لو ان مشاركة المعارضة بقوة مضمونة في الحكومة، لكان يفترض ان يكون وصول مرشح من المعارضة الى رئاسة الحكومة متاحاً أصلاً، ولما اضطرت المعارضة الى تسمية ميقاتي.
3 ـ ان قتال المعارضة لدخول الحكومة كان سيفتح الباب امام مشاركة قوى "لفظتها" التطورات، او كان سيؤدي الى تعطيل تشكيل الحكومة او تأخيره بحيث تُتّهم بتأجيل الانتخابات، لا سيما ان "النصائح" الدولية انهالت على المعارضة لتسهيل تشكيل الحكومة تسهيلاً للانتخابات.
4 ـ ان شيئاً لا يفرض على المعارضة الائتلاف مع قوى، لا سيما رئيس الجمهورية في اطار حكومة مهمتها اجراء الانتخابات وتستطيع المعارضة اكتساب السلطة بعد الانتخابات وبموجب نتائجها.
5 ـ واذا كانت المعارضة مطالبة بـ"طمأنة" من يجب طمأنتهم، فان ذلك يمكن ان يحصل بطرق شتى، وبعد تظهير ميزان القوى السياسي عبر الانتخابات، ولا شيء يحتم الذهاب الآن الى ما يتجاوز التسوية التي أتى ميقاتي رئيساً للحكومة في سياقها، خصوصاً اذا كان المجتمع الدولي يضمن هذه التسوية. وفي تقدير هذه الاوساط من المعارضة ان الانتخابات ستحصل لا محالة اذا كان الاتفاق الدولي فعلياً وحقيقياً.
فرصة أم لا؟
الآن، وبـ"مفعول رجعي"، اي بعد تشكيل الحكومة الميقاتية، أيٌّ من الرأيين كان الأصح؟ الأمر يتوقف على معرفة حقيقة ما دار في الكواليس الخارجية مما دفع ميقاتي الى الواجهة، وهذا ما سينجلي قريبا جدا، علما ان مؤيدي موقف جنبلاط يلفتون الى ان بعض اطراف المعارضة رفض المشاركة في الحكومة خوفا من "الانفراط" بواسطة التوزير، وعدد آخر من مؤيدي موقف جنبلاط يتهم معارضين آخرين بـ "التأمرك"، في وقت اعطت كتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري اشارات الى "التعامل المشروط" مع حكومة ميقاتي.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.