8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ميقاتي رئيساً للحكومة على حساب "الجناح المخابراتي".. وفي ظلّ تقاطعات محلية وخارجية

برزت في الاستشارات النيابية لتسمية الرئيس المكلّف تشكيل الحكومة الجديدة معطيات سياسية عدة جديرة بالتوقّف عندها ومناقشتها، أتت جميعها تؤكد وبمفعول رجعي أن الصراعات داخل ما تبقى من "السلطة" والتي أعاقت مهمة الرئيس عمر كرامي ودفعته إلى الاعتذار، لم تكن كلها مفتعلة أو تمثيلية على الناس، كما تؤكد في الوقت نفسه أن ثمة مرحلة جديدة يجتازها الوضع اللبناني.
أولاً ـ لم يكن خافياً على أحد أن كلاً من المتنافسين على رئاسة الحكومة، أي النائب نجيب ميقاتي والوزير عبدالرحيم مراد، ينتمي إلى المعسكر السوري أو معسكر "حلفاء سوريا". وبهذا المعنى، وبغض النظر عن الاختلاف بين الشخصيتين، فإن الدلالة الأولى هي أن سوريا لا تزال لم تنسحب من الحياة السياسية اللبنانية ـ أي من التدخّل فيها ـ مستفيدة بذلك من موروث المرحلة السابقة على صعيد قدرة التعاطي مع مواقع تملك التأثير عليها.
ثانياً ـ ولم يكن خافياً على أحد من المتابعين أن نجيب ميقاتي بحكم علاقته الشخصية بالرئيس السوري بشار الأسد، إنما يحظى بدعم منه، أو على الأقل يحظى بموافقته، وأن عبدالرحيم مراد مصنّف بوصفه أحد رجالات الجهاز المخابراتي السوري ولا سيما الرئيس السابق لجهاز الأمن والاستطلاع السوري العميد الركن رستم غزالي الذي "شنّ" حملة دعم له لدى الكتل النيابية و"طلب" تأييده في الاستشارات.
ميقاتي ومراد من المعسكر السوري فماذا يعني ذلك؟
وفي هذا المجال، تقول أوساط سياسية مطّلعة أن تنافس شخصين من المعسكر السوري، واحد من "الجناح السياسي" والآخر من "الجناح المخابراتي"، يشير إلى واحد من احتمالين:
1 ـ إمّا أن القيادة السورية لا تزال قادرة على إدارة لعبتها "التاريخية" إياها، أي تقديم شخصين من الفريق الواحد على الملعب الواحد، فيؤدي ذلك إلى دفع المعسكر المعارض لسوريا إلى الاختيار بين "المرّ" والأقل مرارة، والاثنان مضمونان سوريا.. إضافة إلى أن كلاً منهما يمثّل خياراً مختلفاً ضمن السياسة عينها.
2 ـ وإمّا أن ثمة ما يجري في دمشق بعيداً عن أعين الناس لكن ليس بعيداً عن أعين الجهات المعنية على غير صعيد، لجهة وجود صراع "سياسي" ـ "مخابراتي" في سوريا نفسها.
بين دمشق والمملكة وفرنسا
ثالثاً ـ غير أن السياق الذي أدى إلى إنتاج ميقاتي رئيساً للحكومة كشف عدداً من المعطيات والوقائع:
أ ـ لقد قدّم ميقاتي "السوري" نفسه بوصفه رئيس الحكومة المستعد للاستجابة للمطالب اللبنانية التي تحملها المعارضة وأولوياتها، والمستعد لمواكبة مطالب "المجتمع الدولي" في الوقت نفسه، وتكلّم بذلك بصراحة "مأذونة" سوريا مع المبعوث الدولي تيري رود لارسن الذي كان مأذوناً بدوره على الصعيد الدولي.
ب ـ تمّت مواكبة ميقاتي سوريا، وعرف من هذه المواكبة السورية الزيارة التي قام بها نائب وزير الخارجية السوري وليد المعلّم إلى المملكة العربية السعودية ولقاؤه وليّ العهد الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، وذُكر في هذا المجال أن المملكة أصرّت على المعلّم بالاسم كرسول لسوريّا وليس وزير الخارجية فاروق الشرع.
ج ـ الزيارة التي قام بها الأمير عبدالله إلى باريس ومحادثاته مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك التي تركّزت حول الأزمة اللبنانية، وإذا كان يصعب التكهّن بـ"تفاصيل" المحادثات، فإنه يمكن في المقابل ـ وبحسب معلومات متقاطعة ـ إدراك فحوى تلك المحادثات: حمل المعلّم رسالة من القيادة السورية إلى القيادة السعودية فيها اقتراحات لتحسين العلاقات المأزومة والتي ازداد تأزّمها بعد جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وفيها استعدادات سورية لتسهيل التوصّل إلى الحقيقة في هذه الجريمة الإرهابية ولتسهيل انتقال لبنان إلى المرحلة الجديدة بعد الانسحاب السوري الكامل في الثلاثين من هذا الشهر، وفيها اقتراح ميقاتي.. في مقابل مطلب سوري ما أو مطالب سورية ما، لم تصبح معلومة تماماً لكنها تنطوي على دعوة المملكة والغرب إلى عدم إحراج "النظام" ووضعه، الأمر الذي ليس خارج تفكير المملكة أصلاً. وبعد ذلك، يمكن اعتقاد أن الزعيمين السعودي والفرنسي اللذين ليسا بعيدين من فكرة عدم التعرّض لاستقرار سوريا والنظام فيها، وافقا على إعطاء دمشق هذه الفرصة طالما أن الأساسي المطلوب منها أنجز أو هو قيد الإنجاز. وبهذا المعنى، فإن إنتاج ميقاتي تمّ في سياق تفاهم سعودي ـ فرنسي على إعطاء فرصة أخيرة لدمشق، وهذا ما قصده الزعيم المعارض وليد جنبلاط في كلامه عن تفاهم على محور الرياض ـ باريس حول ميقاتي.. في هذه اللحظة بالذات.
أوروبا والمعارضة
د ـ وفي انتظار معرفة المزيد عن "الصفقة" أو "التسوية" هنا، كانت فرنسا ـ ومعها المجموعة الأوروبية ـ قد حذّرت المعارضة اللبنانية من الاستمرار في "السلبية" حيال الحكومة التي يفترض أن تشرف على الانتخابات، وذلك من منطلق تأكيد الأوروبيين على حصول الانتخابات في موعدها، على اعتبار أن الانتخابات هي المفصل الرئيسي في استعادة لبنان "سيادته السيادية"، وطلبت فرنسا من المعارضة المشاركة في تسمية الرئيس المكلّف والمشاركة في الحكومة. وعند هذا الحدّ تم التأكد من أن لارسن الذي كان أعطى "النصائح" نفسها في أثناء وجوده في بيروت، لم يكن يتكلّم "من رأسه".
واحد للضيف وواحد للصيف!
هـ ـ تأسيساً على ما تقدّم، يمكن استنتاج أن دمشق قدّمت خياري ميقاتي ومراد، الأول لـ"التسوية" مع الرياض وباريس.. والمعارضة اللبنانية إذا حصل و"اشترى" هؤلاء جميعاً هذا "العرض"، والثاني لـ"المواجهة". ويبدو أن قرار "شراء ميقاتي" عربياً ودولياً ومحلياً اتّخذ قبيل ساعات فقط من بدء الاستشارات النيابية.. فسقط مراد على مذبح هذا التطوّر الذي لا ينفي مع ذلك الصراع "السياسي" ـ "المخابراتي" السوري على خلفية أن "التسوية" مع الخارج هي بـ"التعريف" على حساب "الجناح المخابراتي" الحالي.
المعارضة والدخول على تناقضات معسكر دمشق
رابعاً ـ في النظر إلى هذه الخلفية كلها، لا شك في أن المعارضة وقد تحقّقت مطالبها الرئيسية ولم يبقَ منها إلاّ إجراء الانتخابات التي يفترض أن تكرّس الانتقال إلى مرحلة سياسية لبنانية جديدة، وقد أخذت علماً بالتطورات الإقليمية ـ الدولية الأخيرة التي تعني إعطاء فرصة أخيرة لسوريا بما يساعدها على "عدم الاهتزاز"، لعبت الدور الرئيسي في إيصال ميقاتي إلى رئاسة الحكومة.
وكان واضحاً في هذا الإطار أن المعارضة "تعي" أن نجيب ميقاتي "صيغة سورية" وأنه ليس مرشحها تالياً، وأنها "تعي" أيضاً أنها تدخل على تناقضات المعسكر السوري لترجّح أحد طرفيه، طالما أن سيناريو ميقاتي هو آخر نسخة سورية للحكم.
أسرة الرئيس الشهيد
لكن وكي يسلك هذا التوجه، كان لا بد له من ممرّ إلزامي هو عائلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري وكتلته النيابية وتيّاره السياسي، وقد اتخذت العائلة قرارها بـ"تمرير" ميقاتي لتأليف الحكومة والذهاب إلى الانتخابات، وقرارها هذا لا يأتي من باب تأكيد مرجعيتها في هذا لمجال فقط، إنما هو مبنيّ على فكرتين: الأولى أن "تسكير" رئاسة الحكومة بعد تحقّق المطالب والوعد المقطوع من ميقاتي ـ أي من سوريا ـ بإقالة قادة الأجهزة الأمنية لم يعد ضرورياً، والثانية أنه لم يعد يمكن المطالبة بحصول الانتخابات في موعدها في ظلّ سلوك "غير مبال" بما يجري على صعيد "السلطة"، وفي وقت لم يعد الأداء المعارض إجمالاً يحظى من هذه الناحية بدعم خارجي.
الشيعية السياسية
خامساً ـ وسط كل هذه المعطيات، كان أداء الشيعية السياسية لافتاً. ومع أن توزع الأصوات في الاستشارات بين ميقاتي ومراد لم يُعلن رسمياً، وفيما تأكد أن "حزب الله" صوّت لمصلحة مراد، لم تُعرف الطريقة التي أدار بها الرئيس نبيه بري موقفه، علماً أن أوساطه تؤكد أن كتلة "أمل" وأصدقاءها امتنعوا عن التصويت.
وعلى أي حال، وبينما دلّ أداء برّي الذي استقبل شقيقة الرئيس الشهيد النائب بهية الحريري قبل بدء الاستشارات وتفاهم معها على ذهابها منفردة إلى بعبدا لتسمية ميقاتي، على أنه (برّي) قادر على التقاط آخر التطورات، وعلى أنه لا يستبعد نفسه عنها، بدا "حزب الله" بعيداً جداً عن هذه المعطيات. فالحزب الذي صوّت نوّابه لمصلحة عبدالرحيم مراد، قد يكونون "استصعبوا" ما يمكن أن يفسّر أنه طعن للرئيس عمر كرامي بتسمية نجيب ميقاتي خلفاً له كما يقول بعض "المحبّين". بيدَ أن في مثل هذا القول تفسيراً مبسّطاً وأخلاقياً لأن الحزب الذي أكد طيلة الفترة السابقة حرصه على العلاقة بأسرة الرئيس الحريري، صوّت لمصلحة سياسي امتهن العداوة للرئيس الشهيد، ولأن الحزب الذي ما فتئ يكرّر دعوته إلى تسوية بين الأطراف الرئيسيين أغلق بتصويته لمراد الباب على نفسه وأمام فرصة التأسيس لحوار... ولأن الحزب صوّت لمصلحة أحد رجال "الفريق المخابراتي" الذي يفترض أن "مدّة صلاحيته" انتهت.
الحكومة ستشكّل
سادساً ـ وبالاستناد إلى ما تقدّم ذكره، أي بالارتكاز إلى التطوّرات والتقاطعات المحلية والعربية والدولية، يفترض أن يستطيع الرئيس ميقاتي تشكيل الحكومة بأسرع وقت لأن "إنتاجه" تمّ في سياق هذه التقاطعات وفي ظل "تعهدات"، ويفترض أن تساهم دمشق في تسهيل الذهاب إلى الانتخابات لأن التطورات تمّت لمساعدة قيادتها أيضاً... إلاّ إذا انتفض "الجناح المخابراتي" المحلي الموازي عليه؟!.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00