8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الضمانة بقيادة ميثاقية من الحريري وجنبلاط وصفير

ثمة إحباط ما في شارع المعارضة لا مناص من الاعتراف به في سبيل التعامل معه وتجاوزه. والمصدر الرئيسي لهذا الإحباط هو أن أداء المعارضة بعد 14 آذار لم يكن بمستوى طموح جماهير ذلك اليوم التي احتشدت فوق المليون في ساحة الحرية بمناسبة مرور شهر آنذاك على جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. ويزداد إحباط الشارع المعارض من واقعة أن الحشود التي نزلت إلى الساحة وعلى نحو فاق تصور المعارضة نفسها، حسمت مسألة جوهرية وهي أن لا معنى لـ"حجم" هذا الطرف المعارض أو ذاك بذاته لأنه بالتأكيد أقل من حجم الشارع، وأن لا معنى لأي مشروع لا يرقى إلى مستوي التغيير الذي ينشده مليون ذلك اليوم الكبير في مسيرة انتفاضة الاستقلال.
صحيح أن الانتخابات النيابية شكلت أولوية داهمة، وصحيح أيضاً أن لكل فريق حساباته ومصالحه فيها، وصحيح أيضاً وأيضاً أن لكل طرف تقديره لـ"الظرف" و"المرحلة" ومدى انعكاس التطورات أكثر أو أقل على هذا أو ذاك من الفرقاء.. بيد أن الأصح من كل ذلك هو أن المعارضة فقدت منذ 14 آذار بوصلتها إذ اعتبرت أن الاستقلال بات معطى ناجزاً وأن الوضع بات يسمح بـ"اختلافات" سواء حول المباشر من الأمور أو حول النظرة المستقبلية..
القيادة الفعلية للمعارضة
المشكلة الرئيسية الكبرى هنا تكمن في أن المعارضة تظهر بلا قيادة جماعية لها. وإذا كان وليد جنبلاط بدا بعد استشهاد الرئيس الحريري الزعيم المطلق للمعارضة الذي تحدد كلمة منه أو تصريح موقف المعارضة ككل ووجهتها، فإن الأمر اختلف بعد ذلك لأن المرحلة باتت مرحلةً موصولةً بمرحلة جديدة هي نفسها لم تقم بعد، وهذه لها قراءاتها وحساباتها المختلفة.
وعند الحديث عن قيادة المعارضة فمن البديهي أن يكون الحديث عن ثلاثة روافد سياسية رئيسية في معركة الاستقلال قيدَ الإنجاز: عن وليد جنبلاط الذي بدأت معركته قبل 28 عاماً على دم والده الزعيم الراحل كمال جنبلاط، عن أسرة الرئيس الشهيد رفيق الحريري وتياره اللذين توجا المعركة بدم الرئيس الحريري، وبينهما البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير الذي أسست مواقفه طوال سنوات ما بعد الطائف لمعارضة مسيحية كانت حاضرة عندما آن أوان المعركة اللبنانية الموحدة.
طبعاً، يستطيع أحد اللبنانيين أن يقول محقاً إن وليد جنبلاط هو زعيم الاستقلال الثاني لأنه هو من سدد الضربة الأكثر ايلاماً الى نظام الوصاية وأجهزته، ويستطيع لبناني آخر محقاً أيضاً أن يجزم بأن رفيق الحريري هو بطل هذا الاستقلال لأنه أسقط باستشهاده نظام الوصاية وأجهزته، ويستطيع لبناني ثالث أن يؤكد أن البطريرك هو رمز الاستقلال لأنه كان المبكّر في "دق المسامير" في بنية نظام التبعية. لكن المسألة ليست هنا في واقع الأمر، ذلك أن هذه الروافد الثلاثة لو لم تتجمع معاً لما أطلقت الحالة الاستقلالية اللبنانية، إضافة الى أن هؤلاء جميعاً يمثلون روافد لاتفاق الطائف الذي تمسكوا به وأعلنوه مرجعية وطنية، والذي شكلوا ويشكلون ضمانته اللبنانية.
التصور المشترك مفروض
إذاً من الطبيعي جداً أن تتأسس هذه القيادة الجماعية، أو أن يتعزز التنسيق بين مكوناتها. لكن من المنطقي أكثر أن تتوصل هذه الروافد الى تصور في ما يتعلق بالمرحلة المقبلة في الجانب التأسيسي منها ثم في ما يليه، إذ ليس مقبولاً أن تدور الحياة دورتها ليعود الوضع اللبناني إلى صورة ما كان عليه في المرحلة الماضية. والنقاش يجب أن يشمل عناوين رئيسية تحت سقف اتفاق الطائف: مشروع الدولة، دور لبنان في محيطه، التزاماته في الصراع مع إسرائيل، أزمته الاقتصادية، الاصلاحات الضرورية في السياسة والإدارة والأمن.. وصولاً الى التوافق على السلطة الجديدة وتشكلها. وقيادة للمعارضة من محور الحريري ـ جنبلاط ـ البطريرك، هي المؤهلة لإدارة حوار عقلاني ومنطقي مع الشريك الآخر، أي الوضع الشيعي. وسيكون محبطاً بالفعل أن يظن أحد أن في وسعه تشكيل ثنائية على حساب الثالث، أو ثلاثية على حساب الرابع.
من هنا القول إن الذهاب الى الانتخابات وإن كان لا يقتضي صوغ برنامج سياسي ـ انتخابي بالضرورة، فإنه يتطلب رؤية مشتركة لكل العناوين التي ستكون مطروحة بقوة بعد الانتخابات. ووليد جنبلاط محق تماماً في هذا الأمر لأن المعارضة بقيادتها "المقترحة" لا تستطيع إلا أن تقود الانتخابات بأفق محدد وموحد "نسبياً"، ولا تستطيع أن تؤجل استحقاق البحث. والأهم هو أن لا يدخل الارتياب الى العلاقات بين قوى المحور القيادي، لأن لا أساس له ولأن التنسيق والصراحة والوضوح أمور كفيلة بتحقيق القدر "اللازم" من الانسجام، حيث يضع كل فريق هواجسه ومخاوفه على الطاولة ويكون الآخرون ملزمين بالتعاطي معها.. ولا بديل من ذلك فعلاً.
ساحة المعارضة المسيحية: صراع رؤساء وأحجام
غير أن للإحباط في شارع المعارضة وجهاً آخر.
من الواضح سلفاً أن الانتخابات النيابية المقبلة التي يُفترض أن تكرس الانتصار السياسي للمعارضة، ستأتي بتغيير رئيسي على مستوى التمثيل المسيحي، والماروني بشكل خاص، أي أن الانتخابات يفترض أن تحمل المعارضة المسيحية بقواها وتياراتها وشخصياتها الى المجلس النيابي الجديد، وذلك على اعتبار أن لا تغييرات بالنسبة الى التمثيل السني والدرزيّ والشيعيّ، خلا تعزز نفوذ جنبلاط والحريري في البيئتين الدرزية والسنية.
ومن المنطقي تالياً أن تشهد ساحة المعارضة المسيحية تنافساً على صياغة الأحجام الانتخابية. بيد أن ما تشكو منه ساحة المعارضة المسيحية الآن على أبواب الانتخابات يتجاوز المشروع من الحسابات:
أولاً ـ الجميع تقريباً من أركان هذه الساحة يتصرف على أساس أنه رئيس الجمهورية المقبل، طالما أن هذا الرئيس المقبل يُفترض اختياره من بين المعارضين.
ثانياً ـ وإذ باتت الانتخابات مطروحة من جانب معظم المعارضين المسيحيين بأفق رئاسة الجمهورية، فإن ثمة انزلاقات خطيرة لدى عدد كبير من هؤلاء المعارضين نحو اعتبار الانتخابات إما فرصة ليعطل كل مسترئس حظوظ المسترئس الآخر، وإما مناسبة لـ"تصفية" حسابات قديمة ـ جديدة.
ثالثاً ـ وتعود الى الواجهة مجدداً النزعة الإلغائية عند بعض التيارات السياسية في هذه الساحة. فبعد فترة من الكلام المتناغم مع المعارضة خلال المعركة الاستقلالية في أوج احتدامها، بدا وكأن العماد ميشال عون الطامح بشكل مشروع الى رئاسة الجمهورية، يعود الى التذكير بأنه أساس المعارضة وأصلها وبأن له في الاستقلال قيد الإنجاز السهم الأكبر، ويبدو بهدف تحقيق غلبة نيابية ضمن التمثيل المسيحي مستعداً لإقصاء معارضين منافسين وبتحالفات يعتبر أنه قادر على التحكم بها طالما أنه هذه المرة هو من ينقذ المفترض أنهم حلفاء من السقوط. وليعذر العماد عون المراقبين لحركته إن هم توصلوا الى هذا الاستنتاج لأن ذلك ما "يبدو" منه الآن. ولا يختلف الأمر كثيراً على "ما يبدو" أيضاً عند الرئيس أمين الجميل وكتائبه، فهو "يلطى" لعون كما "يلطى" عون له، أو هكذا يُقال، وربما "يلطى" لغيره من المسترئسين أيضاً، ويرفق ذلك بين الحين والآخر بكلام غير مفهوم عن إعادة النظر باتفاق الطائف.
الاتفاق منذ الآن على الرئيس المقبل هل يحلّ المشكلة؟
هذه العوارض المرَضية على ساحة المعارضة المسيحية ليست بداهة من ضمن الحسابات المشروعة، لأن من شأنها أن تقود الى واقع انتخابي خارج المتوقع أولاً، ومن شأنها أن تقضي على التعدد ضمن هذه المعارضة وتُدخلها في تطاحن يعود إلى زمن ما قبل الطائف ثانياً، ومن شأنها أن تفضي الى محاصرة الاختيارات الرئاسية المقبلة عبر تعويم لبعض "مسيحيي السلطة السابقة" ثالثاً وأخيراً.
إن موقع رئاسة الجمهورية مهم في حد ذاته، وإن مشروع السلطة الجديدة بعد الانتخابات يبدأ بالرئيس الجديد. ولذلك، ثمة من يرى أن منع تحول الانتخابات الى تطاحن رئاسي على ساحة المعارضة المسيحية، يتم بالاتفاق منذ الآن على الرئيس المقبل الذي سينتخبه المجلس النيابي الجديد، وفي ظن من يطرح ذلك أن من شأنه أن "يهدئ اللعب". لكن هذا الطرح ليس مضموناً من وجهة نظر آخرين يعتقدون أن العكس سيحصل إذ من يضمن ألا يُحاصر الرئيس العتيد ليتم إسقاطه انتخابياً بـ"بلوتيكات" عدة؟
الحريري وجنبلاط وصفير ومواصفات الرئيس العتيد
طبعاً، وبصرف النظر عما يمكن أن يحصل لتهدئة الصراع الرئاسيّ مارونياً، ينبغي أن يكون واضحاً أن من يجب أن يختار الرئيس المقبل أو من "يحق" له ذلك هو محور صفير ـ جنبلاط ـ الحريري، تماماً لأن السلطة الجديدة بعد الانتخابات ستكون سلطة من ضمن الطائف، ولأن المعارضة انتصرت بوحدة قواها تحت سقف الطائف، ودماء الرئيس الشهيد أعطت الانتصار تحت هذا السقف بالتحديد.
وغني عن القول إن الرئيس المقبل لا بد أن يتمتع بمواصفات رئيسية: آتٍ من موقع أصيل في المعارضة، ميثاقي، ملتزم ميثاق العيش المشترك، مؤهل لصوغ تسويات، مؤمن بالتوازن الوطني وبأن لبنان الذي لا يحكم من سوريا لا يحكم ضدّ سوريا، "دستوري" بمعنى أنه قادر أن يكون حكَماً، ومؤمن بالعمل العربي المشترك ويملك مؤهلات الانفتاح على العالم.. ولا يثير "نقزة" في أي مكان لبنانياً.
وخلاصة القول إن خروج شارع المعارضة من الإحباط يتطلب تشكلاً ما لقيادة المعارضة، وتصوراً منها للمرحلة المقبلة يحمل الأمل الى اللبنانيين بأن ثمة كتلة لبنانية ستضمن تنفيذ الطائف، لأن الانتصار إن لم يكن للميثاقيين في كل البيئات فهو انتصار مهدور، ولأن المعارضة لا بد أن تكون مقنعة بأن "عصرها" عندما سيبدأ لن يكون ضبابياً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00