مع بلوغ التوتر الشعبي حيال تداعيات جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ذروته في آذار الماضي، أعطى الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله أول إشارة سياسية ذات دلالة بالنسبة الى مستقبل المقاومة وسلاح الحزب، عندما أعلن في مقابلة مع قناة "المنار" ما مفاده ان "كل شيء" قابل للحوار بما في ذلك السلاح.. لكن على أساس توافق لبناني حول صيغة جدية لما سماه "حماية لبنان من الاعتداءات الاسرائيلية"، وذلك في ما يتجاوز مزارع شبعا.
وقبل أيام قليلة بدا أن الأمين العام ونائبه الشيخ نعيم قاسم توزعا الأدوار. فاذا كان الإثنان تقاطعا عند اعتبار أن مسألة مستقبل المقاومة والسلاح قابلة للنقاش فقط في إطار لبناني ـ لبناني، فان نائب الأمين العام حدد "موعد" الحوار بعد مزارع شبعا أي بعد استعادة المزارع الى السيادة اللبنانية، وربط الأمر بـ"البديل" الذي قدمه في صيغة "جيش احتياط" وصفه بأنه "مقاومة تحت مسمى آخر". أما نصر الله فسارع في اليوم نفسه الى توضيح ان الحوار اللبناني ـ اللبناني يجب أن يكون حول القضايا كافة وليس مقبولاً أن يكون حول المقاومة وسلاحها وحدهما.
المرونة.. في الحديث عن الوظيفة اللبنانية للمقاومة
فهل ثمة "لغز" مطلوب حله أم ماذا؟
في قراءة عدد من الأوساط المتابعة والمهتمة لمواقف السيد ونائبه الشيخ، عدد من الملاحظات الرئيسية:
أولاً ـ لا شك أن ثمة "مرونة" يبديها "حزب الله" من زاوية قبوله بأن يكون موضوع أسبغ عليه بعداً مقدساً الى حد كبير، مطروحاً على طاولة الحوار. كما لا شك في أن هذه "المرونة" ناجمة عن وعي الحزب بأن ثمة متغيرات محلية ـ اقليمية ـ دولية لا تسمح له باعتبار ان سلاح الحزب تحصيل حاصل في المرحلة المقبلة. وبهذا المعنى، فان صياغة الموقف على النحو المشار اليه، تعطي أول إشارة علنية من نوعها الى تعاطي الحزب مع تلك المتغيرات و"اعترافه" بها.
ثانياً ـ وتتزامن رؤية الحزب الى مستقبل المقاومة وسلاحها في إطار الحوار اللبناني ـ اللبناني، مع تأكيد من قبله على "الوظيفة" اللبنانية للمقاومة. ويستدل على الطابع اللبناني للمقاومة في كلام قيادة الحزب، وهو أمر "مستجد" الى حد ما في الأدب السياسي لحزب الله، من نقطتين رئيسيتين برزتا في الآونة الأخيرة: الأولى قول الشيخ نعيم قاسم ان الشرط الموضوعي لنقاش مسألة السلاح هو تحرير مزارع شبعا، والثانية طرح نصر الله وقاسم معاً البديل تحت عنوان لبناني، أي تحت عنوان الوظيفة اللبنانية لسلاح المقاومة بعد مزارع شبعا، بما هي وظيفة حماية لبنان من الاعتداءات الاسرائيلية مستقبلاً.
وإذا كان مما لا شك فيه أن المتغيرات الاقليمية والدولية "تفرض" نفسها على "حزب الله" لتقوده الى "التسليم" بأن استمرار المقاومة آلياً حتى في ما يتجاوز مزارع شبعا، ليس أمراً مفروغاً منه، واذا كان صحيحاً ـ ومنطقياً ـ أن يواجه "حزب الله" الضغوط المتأتية من القرار 1559 بالذهاب الى الحوار اللبناني ـ اللبناني بديلاً من التدويل، فإن الصحيح أيضاً هو ان "حزب الله" بانتقاله الى البحث في إمكان "لبننة" مسألة سلاحه، مطالب بأن "يعترف" بأن "اللبننة" هذه لن تقود حكماً الى "تشريع" السلاح بعد مزارع شبعا.
"الوظيفة" في المزارع؟
ثالثاً ـ وفي هذا المجال، ترى الأوساط المتابعة انه يجدر التذكير بالنقاط الآتية:
1 ـ ان النقاش اللبناني ـ ولو على استحياء في فترات سابقة ـ في سلاح "حزب الله" ومقاومته، بدأ فعلياً بعيد التحرير في أيار من العام 2000، حيث اعتبر شطر رئيسي من المجتمع السياسي اللبناني أن المقاومة أدت وظيفتها اللبنانية بفرض تنفيذ القرار 425 الذي تعتبر المنظمة الدولية انه نفذ بالفعل.
2 ـ ان شطراً رئيسياً من المجتمع السياسي اللبناني رأى أن إسباغ البعد اللبناني على المقاومة في مزارع شبعا بعد التحرير في العام 2000، كان ولا يزال بحاجة الى توثيق لبنانية المزارع بين لبنان وسوريا، إذ لا يخفى على "حزب الله" ان المقاومة اكتسبت مشروعيتها حتى العام 2000 من وقوعها تحت سقف القرار 425 بصرف النظر عن اعتراف الحزب به أم لا. كما لا يخفى عليه ان النقاش اللبناني، في موازاة الاعتراف بأن المزارع أرض لبنانية بالفعل، مال في ظل عدم التوثيق اللبناني ـ السوري لهوية المزارع وملكيتها، الى التعاطي مع المقاومة في المزارع على انها مقاومة إقليمية على أرض لبنانية.
3 ـ ان شطراً مهماً من الاجتماع السياسي اللبناني، سينظر الى احتفاظ "حزب الله" بالسلاح بعد استعادة مزارع شبعا، على انه سلاح في يد فريق سياسي في طائفة معينة، وعلى ان ثمة طائفة مسلحة، وان هذه الطائفة وحدها تحظى بهذا "الامتياز".
الحل السياسي اللبناني بديل من التدويل..
وتحت سقف معطياته
تأسيساً على كل تقدم، تعرب الأوساط المتابعة والمهتمة عن اعتقادها ان "المرونة" التي تتبدى في الخطاب المتجدد لحزب الله تحت عنوان الاستعداد لجعل السلاح في ما يتجاوز مزارع شبعا مادة لحوار لبناني ـ لبناني والاستعداد للتعاطي مع حل سياسي لبناني.. ان هذه "المرونة" لا بد أن تأخذ في الاعتبار أمرين متلازمين: الأول هو أن الواقع السياسي اللبناني لا يمكن أن يجمع على استمرار السلاح بيد "حزب الله" خاصة بعد مزارع شبعا، ولم يكن هذا الواقع السياسي مجمعاً عليه أصلاً بين العام 2000 والآن، وإن كان الصوت بدا منخفضاً في ظروف إقليمية ـ دولية معروفة. والأمر الثاني هو أن الحل السياسي اللبناني البديل من التدويل، لا يمكن في الظروف الاقليمية ـ الدولية الحالية، وكي يكون بديلاً من التدويل أو "مشروع بديل" منه، أن يشكل مشروع "مواجهة" مع "المجتمع الدولي" بتوازناته المعلومة.
من هنا، يبدو أن ما لم يطرحه الشيخ نعيم قاسم، طرحه السيد نصر الله في "جملة" تحتاج الى تفسير موسع. ذلك ان الأمين العام لحزب الله قال بالحوار حول المقاومة والسلاح في إطار متكامل، أي أن يكون هذا الموضوع "نتيجة" لـ"كل" وليس مسألة معزولة. وبهذا المعنى، وربما بخلاف "النبرة" التي توحي بالتشدد، فان نصر الله يفتح بحثاً في عناوين أخرى فماذا عساها تكون؟
أسئلة "حزب الله" المشروعة
في تقدير الأوساط المتابعة، ان إبداء نصر الله ـ وقيادة الحزب ـ الاستعداد لقبول أن تكون مسألة السلاح مادة حوار لبناني داخلي، لا بد أن يقابله استعداد في المجتمع السياسي اللبناني لمناقشة وبت العناوين الآتية:
أ ـ من هي السلطة السياسية اللبنانية المقبلة؟. وهذا بحث في العمق في التوازنات السياسية الجديدة، وفي التوازن السياسي الضامن للتركيبة الحاكمة للبنان.. ولذلك فهو بحث في قانون الانتخاب الذي ستجري الانتخابات المقبلة على أساسه، بما ان الانتخابات هي المحطة الفعلية لتوليد السلطة الجديدة.
ب ـ ما هو القرار السياسي للسلطة اللبنانية المقبلة؟. وفي هذا المجال الذي يتضمن بحثاً في قرار المؤسسة العسكرية، لا شك أن ثمة تطويراً لا بد منه للخطاب السياسي المعارض بحيث يشتمل على تحديدات إضافية للالتزامات اللبنانية في الصراع مع اسرائيل.
ج ـ وإذا كان منطقياً ما تقوله أوساط معارضة من أن الحوار اللبناني الداخلي من شأنه أن ينطلق بقوة أكبر بعد الانتخابات، فالمنطق لا ينقص لا في كلام الزعيم المعارض وليد جنبلاط ولا في كلام السيد نصر الله عن إمكان وضرورة انطلاق الحوار قبل الانتخابات، خاصة إذا كان انطلاق الحوار الآن يساعد على حصول الانتخابات نفسها. وإذا كان نصر الله يسأل عن السبب الذي يجعل الحوار مقبولاً ـ من المعارضة ـ بعد الانتخابات وليس قبلها، فان الجواب واضح من وجهة نظر الأوساط المتابعة والمهتمة، وهو ان المعارضة متعاقدة على عدم الفرز في صفوفها قبل الانتخابات بما يؤثر على المعركة الانتخابية المطلوب منها برأي المعارضة أن تظهر توازناً عاماً ضد السلطة.. لكن المعارضة وعلى ألسنة أطراف رئيسية ضمنها أكدت على ما يجب أن يطمئن "حزب الله" وهو الالتزام بـ"حل سياسي لبناني"، بعيداً عن أي استقواء.
هل يعلن الحزب وضع سلاحه في تصرف الإجماع اللبناني؟
د ـ في المقابل، أي في مقابل التساؤل "المتشكك" من قبل نصر الله عن "سر" تفضيل المعارضة الحوار بعد الانتخابات، ترى أوساط في المعارضة ان "حزب الله" الذي يبدي "مرونة" معينة لجهة قبول الحوار حول سلاحه، لا يزال مع ذلك "يفاوض" على سلاحه من موقع الإمساك بالسلاح، الأمر الذي يتطلب برأي أوساط معارضة تسهيلاً للحوار أن يعلن الحزب استعداده سلفاً لعدم التمسك بالسلاح من خارج الإجماع اللبناني.
وفي ضوء المعطيات والوقائع الآنفة، لا شك أن في انتقال "حزب الله" الى "لبننة" مسألة السلاح مرونة يجب أخذها في الحسبان، لكنها مرونة لا بد أن تستكمل بأن يأخذ الحزب في اعتباره ان "الحل السياسي اللبناني" بقدر ما هو بديل من التدويل هو تحت سقف معطيات اقليمية ودولية، وهو بديل بمعنى رفض اللبنانيين لأي تدخل خارجي، وبمعنى تقديم الضمانات اللبنانية، وبمعنى إدراج "مضمون" المقاومة في اتفاق لبناني داخلي.. ولا بد أن تستكمل بإعلان ان "المآل الأخير" للسلاح هو بيد اللبنانيين جميعاً في مقابل أن يكون الحوار الوطني حواراً مسؤولاً يضع الجميع من ضمنه مصلحة الاستقرار اللبناني فوق أي اعتبار.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.