يثير الخطاب السياسي لرئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط كما أداؤه في الآونة الأخيرة نقاشاً واسعاً في مختلف الأوساط السياسية لا سيما في صفوف المعارضة، حيث يطرح سؤال مركزي هو: هل ثمة تبدّل جديد في موقف جنبلاط ومواقعه؟
النقاش دقيق جداً هنا ويستدعي إلماماً بـ"المعادلات" التي تحيط بمواقف جنبلاط وبحركته السياسية على حدّ سواء.
في تقدير الزعيم المعارِض بحسب متابعين، أن المعارضة التي يشكّل ركنها الأبرز حسمت انتصارها على الأرض ولم يبقَ إلاّ تكريسه "رسمياً" عبر صناديق الاقتراع. فالمعارضة من وجهة نظره حقّقت مطالبها أو أن قسماً منها في طريقه الى التحقّق سريعاً: الانسحاب السوري العسكري ـ المخابراتي يحصل وينتهي في غضون أيام قليلة، ولجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري باتت مسألة ساعات وفي حكم الموجودة بمفاعيلها حتى قبل أن تشكّل، وقادة الأجهزة الأمنية الذين تتداعى صفوفهم، يرتبط مصيرهم أو مصير معظمهم بلجنة التحقيق الدولية من جهة وبالصيغة الحاكمة الجديدة بعد الانتخابات وخطّتها لـ"تطهير" الأمن وإصلاح هيكليته من جهة ثانية. لم يبقَ إلاّ الانتخابات برأي جنبلاط، وهي المعبر الديموقراطي والدستوري الى السلطة، ولذلك يجب أن تتم في موعدها في أيار المقبل، لتترجم الانتصار الميداني للمعارضة المتحقّق في 14 آذار الماضي في ذكرى مرور شهر آنذاك على استشهاد الرئيس الحريري.
تصعيد التطمينات والعين على الانتخابات
وكي تحصل الانتخابات في موعدها، وكي لا يكون ثمة ذريعة لتأجيلها، تتّسم حركة جنبلاط المصاحبة لخطابه السياسي بالآتي:
1 ـ تصعيد التطمينات باتجاه سوريا بشكل خاص بأن السلطة التي ستنبثق من الانتخابات، والتي ستشكّلها المعارضة لن تكون عدائية حيال سوريا طالما أن المشكو منه من سوريا زائل أي الوجود السوري وما صاحبه من تدخّلات مخابراتية وما أدّت إليه هذه التدخّلات لجهة قيام النظام الأمني اللبناني ـ السوري المشترك. وبكلام آخر، فإن تصعيد التطمينات باتجاه سوريا للقول أن جنبلاط هو الضمانة الرئيسية لتوازن السلطة الجديدة التي لن تكون عدائية تجاه سوريا، يهدف في المباشر الى الإفراج عن القرار السوري بعدم عرقلة حصول الانتخابات في موعدها.
2 ـ وفي موازاة تصعيد التطمينات باتجاه سوريا، يعمد جنبلاط الى تصعيد مماثل للتطمينات باتجاه قوى رئيسية في البلاد لا سيما "حزب الله" و"أمل"، عبر تأكيد أن المرحلة المقبلة لن تشهد إقصاء لهما وأن الشراكة معهما ستقوم.
3 ـ ولأن الهدف لدى الزعيم المعارض هو استكمال المحطّة الأخيرة من المرحلة الانتقالية، أي الانتخابات، يبدي جنبلاط استعداده للتوصّل الى تسوية بشأن قانون الانتخاب، فهو يدعم السير بقانون العام 1960 مع التعديلات على مشروع الحكومة المستقيلة، ويفاوض على المحافظة التي تبدو الحل الوسط بين القضاء من ناحية والمحافظة مع النسبية من ناحية ثانية. وليس خافياً في هذا المجال أن لا المعارضة ككلّ ولا جنبلاط يخشيان من نتائج الانتخابات ألاّ تأتي بأكثرية نيابية للمعارضة في المجلس الجديد، لكن من وجهة نظر جنبلاط فإن التمسّك بالقضاء قبل استشهاد الرئيس رفيق الحريري كان مرتبطاً بظروف سياسية تبدّلت، ويمكن بعد التطورات العودة الى المحافظة على أساس تسع محافظات.
المرحلة التالية والأمن السياسي والتمايز
إذاً، في هذا القسم من الموضوع، لا يثير خطاب جنبلاط أو أداؤه "التباسات" معيّنة، خصوصاً إذا كان ضمن هذه الحدود فقط. بيدَ أن النقاش يبدأ في اللحظة التي يبدو فيها الزعيم الاشتراكي وقد انتقل مباشرة الى مرحلة ما بعد الانتخابات، وهو بالفعل بحسب المراقبين انتقل الى هذه المرحلة ومعادلاتها.
أ ـ يدرك وليد جنبلاط تمام الإدراك أن "الشرعية الدولية" ممثلة بمجلس الأمن، والولايات المتحدة التي تشكّل قوة الدفع، واللتين حيّدتا موضوع المقاومة وسلاح "حزب الله" في الفترة السابقة بعد صدور القرار 1559، ستستأنفان بعد الانسحاب السوري الذي مثّل الأولوية حتى الآن، الضغوط بالنسبة الى هذا الموضوع، في ظلّ معطيات تفيد أن الولايات المتحدة ليست مقتنعة بتركه لحل سياسي لبناني وأن ثمة مشروعاً لانسحاب إسرائيلي من مزارع شبعا على أن يتمّ تسليمها الى قوة دولية الى حين يحسم مصير ملكيّتها، وأن هذا المشروع سيشكّل المظلة السياسية للضغوط في موضوع إنهاء المقاومة وسلاح "حزب الله".
ومِن الطبيعي في هذا المجال أن يؤكد جنبلاط ما كان يؤكده باستمرار لجهة أنه ليس مع بنود القرار 1559 في ما يتجاوز البند المتعلق بالانسحاب السوري وقد قام أصلاً بتنسيبه ـ بند الانسحاب ـ الى الطائف. كما مِن الطبيعي أن يتمسّك جنبلاط بالحل اللبناني لموضوع السلاح.
هنا، ودائماً بحسب المتابعين، وفي انتقاله الى مرحلة ما بعد الانتخابات ومنذ الآن، يميّز جنبلاط نفسه عن الـ1559 من ناحية أولى ويؤكد أنه لن يغطي أي تجاوز أميركي ـ دولي للحل اللبناني مراهنا ضمنا على الموقف الفرنسي دوليا من ناحية ثانية، ويتّخذ الاحتياطات اللازمة لأمنه السياسي من ناحية ثالثة.
وفي هذا المجال، يثير موقف جنبلاط الذي يتراوح بين حدّي تعليق النقاش في مصير سلاح الحزب الى ما بعد مزارع شبعا من جهة، وإبداء الانفتاح بين الحين والآخر على مناقشة صيغة مقاومة مسلّحة ما بعد مزارع شبعا من جهة أخرى، نقاشاً وحذراً في صفوف بعض المعارضة. فثمة في المعارضة ـ المسيحية خصوصاً ـ مَن هو مع القرار 1559 وليس فقط بنده المتعلّق بالانسحاب السوري، وثمة من هو مع وليد جنبلاط في لبننة الحل لكن مع عدم تشجيع "حزب الله" على مواصلة المقاومة خصوصاً بعد مزارع شبعا. وإذا كان الفريق مِن المعارضة المسيحية "المتحمّس" للحل السياسي اللبناني يريد فعلاً أن "ينتهي" السلاح، خصوصاً بعد مزارع شبعا، فإنه يعتبر أن تصعيد التطمينات لحزب الله يجب ألاّ يلامس حدود مواصلة تشجيعه على الاستمرار في حمل السلاح بعد المزارع، في مقابل الموافقة على الشراكة مع الحزب في المرحلة المقبلة.
المعارضة المسيحية
ب ـ ويرى جنبلاط بحسب المتابعين، أن إنتاج برلمان متحرّر من التبعية السورية لكن غير عدائي لها عبر الانتخابات المقبلة، لا يعني أن السلطة الجديدة التي تمرّ عبر الانتخابات لا تمرّ بعد الانتخابات بـ"فرز" معيّن، ولا شك أنه في هذا المجال "يفضّل" التعاون مع ممثلين مسيحيين معيّنين ولا يفضّله مع ممثلين آخرين، أي أن جنبلاط الذي يعرف أن الانتخابات المقبلة ستأتي بالمعارضة المسيحية بكل تياراتها وشخصياتها الى المجلس النيابي، "يفضّل" أن تأتي الجهات الأكثر اعتدالاً في المعارضة بقوة وأن يكون هو نفسه مساهماً في مجيئها. وبمعنى آخر، فإن جزءاً من توازن السلطة الجديدة يتوقف في نظر جنبلاط بحسب المتابعين على أن يكون التمثيل المسيحي "الجديد" مِن قوى وشخصيات يستطيع التعاون معها، وليس من قوى وشخصيات جرّب التعامل معها سابقاً على الرغم من أنه طوى صفحة الصراع معها.
توازن السلطة الجديدة
ج ـ إن الأمان السياسي لجنبلاط كما يراه المتابعون يتحقّق من خلال سلطة تستطيع عدم الانجرار مع "المشروع الأميركي" وتداعياته، الأمر الذي يستوجب توازناً معيّناً في السلطة يوفّره تحالف منه ومن تيار الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومن شخصيات وفاعليات مسيحية أكثر اعتدالاً. ففي مثل هذا التوازن يضمن جنبلاط المرحلة الجديدة المقبلة.
يُستنتج مما تقدّم أن "العقل السياسي" لوليد جنبلاط مركّب الآن على طبقتين ـ مرحلتين: مرحلة ما قبل الانتخابات وتكاد تكون منتهية في عقله ومرحلة ما بعد الانتخابات وقد سارع الى استكشافها بسرعة، وهو يتصرّف بوصفه زعيماً معارضاً يريد إنجاز مرحلة الانتخابات لكنه يتصرّف في الوقت نفسه بوصفه عماد السلطة المقبلة. وقد تكون هنا بالضبط الإشكالية في فهم البعض لما يطرحه جنبلاط وحركته السياسية.
جنبلاط المعارض ـ جنبلاط السلطة
وبما أن الفترة الفاصلة بين الانتخابات في موعدها وبين تكوين السلطة الجديدة، قصيرة، يلتبس أحياناً على البعض أداء جنبلاط، ما إذا كان مفترقاً عن المعارضة الآن أو ما إذا كان لا يزال معارضاً جذرياً. والجواب عند وليد جنبلاط واضح: إن مطالب المعارضة تتحقّق وسيخوض مع هذه المعارضة معركة الانتخابات ونتائجها مضمونة.. لكن لا بأس من زاويته من التأشير الى المرحلة المقبلة ولا بأس من "التقويص" الناعم والضمنيّ في مرمى بعض المعارضين، على قاعدة أن لا فرز قبل الانتخابات ولكن ثمّة مقتضيات لفرز معيّن بعد الانتخابات، علماً أن عدم الفرز قبل الانتخابات لا يعني عدم التأثير في نتائجها بنسبة أو بأخرى من ضمن المعارضة طبعاً وليس بحيث يستفيد موالون للسلطة. وفي تقدير المتابعين أن هذا الأداء الجنبلاطي مفهوم: فالتعاقد بين المعارضة قائم حول مطالب لمرحلة محدّدة وليس قائماً حول برنامج عمل مستقبلي كامل، والتعاقد بين المعارضة قائم على التشارك في إيصال البلد الى مرحلة الخروج من الوصاية السورية، وهو قائم على استعداد جميع الأطراف للاحتكام الى الديموقراطية بعد ذلك، أي نأخذ البلد أولاً ثم تنشأ تحالفات جديدة لتستمرّ الحياة السياسية.
ملاحظات
غير أنه فيما لا يبدو أن ثمة التباساً في ما يدور تفكير جنبلاط حوله بين مرحلة تأفل وأخرى لم تبدأ بعد، يسجّل عدد من المراقبين ملاحظات سريعة على وليد جنبلاط:
1 ـ إن في التقديم الإعلامي ـ السياسي للتفكير والأداء نوعاً من "اللعب على الزيح"، أي أنه قد ينطوي على خطر التأثير في معركة المعارضة في الانتخابات إذا استقرأ بعضهم تحوّلاً آتياً بعدها.
2 ـ ثمة مجازفة نسبية في افتراض أن المرحلة الانتقالية نحو الانتخابات حسمت "نهائياً"، الأمر الذي يمكن أن يؤدي ـ وقد أدى بنسبة أو بأخرى ـ الى نوع من التراخي في حركة المعارضة.
3 ـ إن انتقال جنبلاط الى التفكير بالمرحلة المقبلة وهو طبيعي ومنطقي، يترافق مع إيقاع سريع في تحرّكه السياسي.
4 ـ إن غياب التنسيق بين جنبلاط وسائر أطراف المعارضة في النظرة الى المرحلة ليس محموداً، ويفترض أن يحصل هذا التنسيق أو ليُقل نوع من "التواطؤ الخيّر" بالنسبة الى المرحلة المقبلة.
إن أخذ هذه الملاحظات في الاعتبار من شأنه على الأرجح أن يزيل الكثير من الالتباسات المتأتية من سرعة الحركة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.