لم يقُل المبعوث الدولي تيري رود ـ لارسن جديداً عندما ذكّر في حضور وزير الخارجية السوري فاروق الشرع ونائبه وليد المعلم بموقف الأمم المتحدة الذي يعتبر مزارع شبعا أرضاً سورية تتبع القرارين 242 و338 الصادرين عن مجلس الأمن وليس القرار 425 الذي تؤكد المنظمة الدولية أنه طبّق بالكامل في العام 2000.
المقاومة و"الشرعية الدولية"
ومع ذلك، فإن استعادة هذا الموقف بـ"مناسبة" الإعلان من دمشق أن البند الأول من القرار 1559 المتعلّق بالانسحاب السوري الكامل من لبنان ينتهي تنفيذه في الثلاثين من الجاري، هي استعادة ذات دلالات كبرى.
أولاً ـ إنها مسارعة من جانب الأمم المتحدة وممثلها المكلّف بمتابعة تنفيذ القرار 1559، الى وضع المقاومة في المزارع في دائرة "المواجهة" مع "الشرعية الدولية" وبسرعة، ليس لأن هذه "الشرعية الدولية" كانت تعترف بشرعية المقاومة "اللبنانية" على أرض تعتبرها سوريّة منذ الأساس وعدّلت من موقفها، بل لأنها "تغاضت" عن ذلك بشكل أو بآخر، في موازاة "نصيحتها" بإثبات لبنانية مزارع شبعا قانونياً، سبيلاً الى تعاط مختلف من قِبلها مع هذا الموضوع.
ثانياً ـ إنها مسارعة من جانب الأمم المتحدة الى تأكيد توصيفها السابق المضمَر للمقاومة في المزارع على أنها مقاومة ذات أبعاد غير لبنانية ـ أي إقليمية ـ على أرض لم تحسم هويّتها، لكنها (الأرض) حتى لو كانت لبنانية لا تغيّر من الأبعاد الإقليمية للمقاومة مِن وجهة نظر الأمم المتحدة، أي مِن وجهة نظر القوى السائدة على النظام لدولي.
ثالثاً ـ إنها مسارعة من جانب الأمم المتحدة الى فتح المعركة حول المقاومة و"شرعية سلاحها" في المزارع، أي المسارعة الى خوض المعركة على الأرض الراهنة للمقاومة استباقاً لأي تطوّر لاحق، مما يعني إمكان انطلاق هذه المعركة بدءاً من التقرير المقبل للأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان في التاسع عشر من نيسان الجاري. وفي هذا المجال، يبدو أن الكلام "الحازم" الصادر عن لارسن في دمشق، ومن دون اعتراض سوري، يشير الى أن "الحلّ" الذي كان متداولاً على غير صعيد دولي والقاضي بانسحاب إسرائيل من مزارع شبعا وتسليمها الى قوة دولية الى أن تبتّ هويتها ويتقرّر مصيرها، قد لا يعود قائماً ("الحلّ") أو أنه مستأخر الى أمد غير منظور.
كلام لارسن غير جديد لكنّه في سياق جديد
إذاً، إن كلام لارسن غير الجديد في مضمونه، يضع مسألة مزارع شبعا والمقاومة فيها في سياق جديد، ويفرض إيقاعاً متسارعاً على البحث في هذا الموضوع. ولا شك في أن هذا الإيقاع المتسارع لا يفيد أن الدول الكبرى لا سيما الولايات المتحدة ستنتقل الى محاولة تطبيق البنود الأخرى من القرار 1559 والتي تلي البند المتعلّق بالانسحاب السوري مباشرة بعده فحسب، أي أنه لا يفيد أن الضغط الدولي سيزداد ويتصاعد فقط، بل يفيد أن الوتيرة التي وضعها الفرقاء اللبنانيون الرافضون للقرار 1559 لبحثهم موضوع المقاومة وسلاحها في المزارع، لم تعد كافية. وبكلام آخر، فيما حدّد الفرقاء اللبنانيون المعنيون موعداً لبدء الحوار الوطني حول هذه المسألة بعد الانتخابات وفي إطار "حكومة اتحاد وطني" تتشكّل في ضوء نتائج الانتخابات، وفيما حدّدوا الظرف المناسب لفتح هذه المسألة "بعد مزارع شبعا"، فإن "المجتمع الدولي" يبادر الى فتح الموضوع "الآن" و"قبل" مزارع شبعا، مما يستدعي إيقاعاً لبنانياً "أحمى".
"حزب الله" توقّع
وبحسب أوساط سياسية عديدة، يمكن القول أن هذا الأمر ـ أي المزارع وسلاح المقاومة فيها ـ كان متوقعاً ولو على إيقاع أقل حماوة، كما يمكن القول أن "تحييد" الولايات المتحدة لهذا العنوان خلال الأسابيع القليلة الماضية، أو بكلام أدقّ إعطاؤها الأولوية للانسحاب السوري عليه، لم يكن تساهلاً مع العنوان المذكور بل توقيتاً محدداً له.
ولعلّ "حزب الله" على لسان أمينه العام السيد حسن نصرالله كان أول من توقّع ذلك، ليس فقط من خلال موقفه من القرار 1559، إنما من خلال مسارعته أيضاً الى تأكيد أن المقاومة لا ترتبط بـ"المكان" أي أنها لا تتوقف على مزارع شبعا، بل هي تتجاوزها نحو أن تكون مشروعاً دفاعياً استراتيجياً هدفه العام "حماية أمن لبنان" من الاعتداءات الإسرائيلية، ومسارعته كذلك الى تأكيد التمسّك بسلاح المقاومة ولو أنه وافق على أن يكون هذا المشروع جزءاً رئيسياً من الحوار الوطني، وعلى أن يكون السلاح مادة للحوار.. وكل ذلك تحت شرط أن يكون هدف الحوار هو التوصل الى "صيغة ما" لمواجهة المشروع الإسرائيلي.
تسريع إيقاع الحوار اللبناني ـ اللبناني
على هذه الخلفية، يرى العديد من الأوساط السياسية أن على الفرقاء الرئيسيين في المعادلة اللبنانية بمن فيهم "حزب الله" أن يأخذوا في حساباتهم المعطيات والعوامل الآتية:
1 ـ اعتبار أن الإيقاع الذي يتجه "المجتمع الدولي" الى فرضه في هذا المجال، سيكون سريعاً، والتصرّف تالياً على أساس أن الحوار بشأن هذا العنوان داهم فعلاً.
2 ـ إن تحصين المقاومة في مزارع شبعا إزاء "الشرعية الدولية" يقتضي توثيق لبنانية المزارع من قِبل الحكومتين السورية واللبنانية بسرعة. ولم يعد يُجدي الكلام الشفهي عن لبنانية المزارع من قِبل السلطات اللبنانية، كما لم يُعد يجدي "الصمت" السوري حيال اعتبار المزارع سورية إذا كانت سوريا تعتبرها لبنانية فعلاً.
3 ـ إن حرص وزير الخارجية السوري فاروق الشرع خلال المؤتمر الصحافي المشترك مع لارسن أول من أمس على تأكيد أن تنفيذ سوريا للانسحاب الكامل من لبنان بحلول الثلاثين من نيسان الجاري "يعني أن سوريا نفّذت ما يتعلّق بها من القرار 1559"، لا يُعفي سوريا من المسؤولية في حماية المقاومة في المزارع. فالقبول بأن المزارع سورية ينزع غطاء سياسياً رئيسياً عن "حزب الله"، أما اعتبار سوريا أنها أرض لبنانية فله مترتّبات أهمها تقديم الوثائق الرسمية المعترف بها دولياً لذلك. أما أن يُخفي موقف الشرع تنصّلاً من المسؤولية أو محاولة لفتح الباب أمام بحث أميركي ـ سوري ما أو زجّاً ـ بالنتيجة ـ للبنان في مواجهة مع الخارج الدولي والإقليمي، فهذا أمر غير مقبول لبنانياً.
الطائف مرجعية للمقاومة
4 ـ إن لتأكيد الفرقاء اللبنانيين الرئيسيين على "لبنانية" موضوع المقاومة، أي اعتبارها شأناً لبنانياً يتقرر مصيره في إطار حوار لبناني ـ لبناني، ورفض أي تدخل دولي تالياً، مقتضيات أساسية أهمها تحكيم اتفاق الطائف في ما يتعلق بالتزامات لبنان في الصراع مع إسرائيل. وليس خافياً هنا، أن اتفاق الطائف هو مرجعية العناوين اللبنانية كافة، وأنه ينطلق في روحه ونصّه من فكرة سيادة لبنان على أرضه، وهو لا يعطي دوراً لأحد في مهمة "فوق لبنانية".
5 ـ وإذا كان اتفاق الطائف الذي يحدّد هوية لبنان العربية يفرض على لبنان واللبنايين التزامات ضد إسرائيل على قاعدة هذه الهوية، فإن هذه الالتزامات هي المادة الجوهرية للحوار اللبناني ـ اللبناني.
6 ـ إن "حزب الله" الآخذ في الدعوة الى التمسّك باتفاق الطائف، معنيّ ومطالب بالانضمام الى اتفاق الطائف، الى الوفاق الوطني، الأمر الذي يرتّب وعياً عالياً بأن لا أفق ضمن المعطيات المحلية ـ العربية ـ الإقليمية ـ الدولية القائمة لمقاومة مسلّحة "فوق لبنانية"، ولا لمقاومة "مسلّحة" تحت عنوان حماية أمن لبنان بعد تحرير الأرض، والمطلوب تالياً البحث عن بدائل أخرى في إطار وطني جامع.
حماية "حزب الله"
7 ـ إن حماية "حزب الله" ومقاومته بـ"مفعول رجعي" تستدعي انضمامه الى الطائف من ناحية، لكنها تستدعي التزاماً لبنانياً جماعياً برفض الضغوط الخارجية على الحزب وبرفض أي محاولة لـ"الاقتصاص" منه وبالتمسّك بأن "رقاب" جميع الشركاء في الميثاق "رقبة" واحدة من ناحية أخرى.
8 ـ إن كلاماً من هذا النوع مبنياً على كل ما تقدّم، هو الكلام الذي لم يعد "بكّير" قوله، وهو البديل من كل النفاق السياسي حول "استمرار سلاح المقاومة" الذي يطلقه طرف من هنا أو هناك، لأنه "غشّ موصوف". والبديل ليس فقط أن يضمّ إنجاز المقاومة الى استقلال لبنان وسيادته، بل أن يمارس "حزب الله" دوره من ضمن الطائف لتعميق موجبات لبنان في "الصراع"، الأمر الذي لا يتحدّد بـ"شكل" وحيد.
إن تسارع الإيقاع الخارجي في الاتجاهات المشار إليها يستدعي تسريعاً في إيقاع الحوار الداخلي الذي يستطيع، إن هو توصّل الى تفاهم، أن يواجه "التدويل". وبصراحة أكثر، ربما يكون ثمة من ينافق "حزب الله" وهو يقول في قرارة نفسه "ما خصّني"، لكن كلاماً مبنياً على أساس الطائف، يعلن أصحابه أنه "يخصّهم" بالفعل أن يحموا إنجاز التحرير المتحقّق بالمقاومة وأن يصونوا المقاومين.
وتختم الأوساط هنا بالقول أن "حزب الله" قد لا يكون حتى الآن مستعداً لسماع هذا النوع من الكلام، لكنه بلا شك يدرك تسارع التطورات على النحو المطروح، وهو معنيّ بفتح الأبواب مع فرقاء أساسيين يريدون مشاركته في وفاق وطني عميق يتجاوز ثنائية الموالاة والمعارضة.. وعلى أي حال فإن "ردّ" الحزب لن يتأخر.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.