8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

قدرُ الشيعة أن ينضمّوا متأخرين إلى الميثاق بعد... اجتياز مرحلة "السورَنة"؟

في عرس الاستقلال يوم الاثنين الماضي في ذكرى مرور شهر على جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، كان المشهد التعددي للبنان ناقصاً. ذلك ان الحضور الشيعي السياسي والشعبي كان ضعيفاً في ذاته وبالمقارنة مع البيئات الاخرى، إذ في حين ينتقل البلد بـ"معظمه" الى مرحلة إنجاز استقلاله وسيادته وحريته، لا تزال الشيعية السياسية مشدودة الى عنوان "الوفاء لسوريا" زاجة بجماهيرها تحت هذا العنوان بالذات.
وعلى ما يقول مخضرمون واكبوا "الاستقلال الأول" في العام 1943، فإن الشيعة آنذاك كانوا على حيوية استقلالية مشهودة، ولا علاقة لما هم عليه اليوم بما كانوا عليه في تلك الحقبة، علاوة على ان الشيعة عندما يفقدون الدينامية والحيوية، انما يخالفون واحداً من عناوين بطاقة التعريف بهم بوصفهم حالة اعتراض ومعارضة تاريخياً. ولا مبالغة في القول ان هذا الواقع الشيعي الراهن، كان مدار نقاش متواصل خلال الأسابيع الماضية في أكثر من حلقة شيعية طرحت على نفسها السؤال الجوهري الآتي: لماذا لا يجد الشيعة بتمثيلهم السياسي وطاقاتهم الثقافية الهائلة مكانهم في الموقع الطبيعي، الموقع الاستقلالي الميثاقي، الى جانب استقلاليي لبنان الآخرين.
وطُرحت في هذه الحلقات النقاشية الشيعية مجموعة من الأفكار والتقديرات على النحو الآتي:
"البنية" الشيعية الراهنة
أولاً ـ ثمة من قال انه يجب عدم استغراب هذه المسافة التي تتخذها الشيعية السياسية بـ"ثنائيتها" السائدة، أي "حركة أمل" و"حزب الله" من المعركة الاستقلالية التي تخوضها سائر البيئات الاخرى، ذلك ان الطائفة الشيعية هي الطائفة الوحيدة في لبنان التي اصيبت بـ "عاهة" السورنة شبه الكاملة، بين حركة كان الدعم السوري لها أساسياً في الوصول الى الحكم باسم الشيعة وفي الاستفادة من مغانم الحكم، وحزب انحصرت مقاومة الاحتلال الإسرائيلي به وحظي بدعم "الممر السوري" لمقاومته التي كانت بأبعاد لبنانية وفوق لبنانية في الوقت نفسه. وفي ضوء هذه القراءة البنيوية المكثّفة، يدعو من لا يستغرب أداء الشيعية السياسية بـ"ثنائيتها" السائدة الآن، الى عدم انتظار تحولات سريعة في البيئة الشيعية، في ظل قناعة بأن المخاض سرعان ما سيبدأ بعد الانسحاب السوري وتفكك قبضة الوصاية السورية على الشيعة ولبنان.
"حزب الله" بين التكيّف الأولي والوتيرة البطيئة
ثانياً ـ وثمة في المقابل من دعا الى الانتباه جيداً الى بداية تحولات أو تكيفات على مستوى "حزب الله". ومن يقول ذلك، يلاحظ ان الحزب بدأ منذ بضعة شهور يستعد لانسحاب سوري كان على علم على الأرجح بأنه سيحدث، كما يلاحظ ان ثمة نقاشاً داخلياً حيوياً حول المرحلة الراهنة ـ المقبلة، وان الخطاب الثقافي ـ السياسي للحزب معبّراً عنه على لسان الأمين العام السيّد حسن نصرالله، بات يتضمن مصطلحات لم تكن حاضرة في خطابه السابق كالحديث عن لبنان ـ الوطن، وعن تنوعه، وعن ان أي أمر في لبنان لا يمكن بتّه إلا بالتوافق.. وغيرها من المصطلحات. ويلفت من يرى ذلك الى أنّه من الطبيعيّ حتّى في ظل خطاب ثقافي ـ سياسي يتجدد وفي ظلّ أداء "يحاول" ان يكون في "الوسط" داخلياً، أن يكون الحزب على قدر من الحذر حيال التطورات الجارية لأن "رأسه مطلوب" ولا يمكنه تالياً إلا أن يبقى متحسّباً. وان في جانب مما يطرحه لا سيما حول اية مقاومة للمرحلة المقبلة، قدراً من المنطق.
ثالثاً ـ وثمّة من يرى انّ وتيرة الحزب في التكيّف مع التطورات بطيئة بالقياس إلى سرعة التطورات نفسها. ويقول من يرى ذلك انّ "حزب الله" مطالب بأن يدرك بسرعة ان الظروف التي ساعدت في انطلاقة مشروعه المقاوم قبل نحو ربع قرن لم تعد هي نفسها، أي انّ العوامل التي مكنت هذا المشروع المقاوم من الانتصار والصمود طوال هذه الفترة لم تعد قائمة. ولذلك فانّ الحزب مطالب بقرار من شقين: الأول هو ضمّ مأثرة او مفخرة أو إنجاز التحرير الى معادلة الاستقلال اللبناني، والثاني هو الانضمام الى اتفاق الطائف بما هو ايضا اتفاق حول المقاومة ومداها بعد تحرير الأرض اللبنانية، وبما هو اتفاق يشكل مظلة لالتزامات لبنان في الصراع العربي ـ الاسرائيلي. واذ يؤكد من يرى كلّ ذلك انّ وتيرة التكّيف بطيئة، يستغرب ان يعتبر "حزب الله" كل عناوين الاستقلال والديمقراطية مجردّ تفاصيل.
"الاحتجاز" الراهن للطائفة
رابعاً ـ وطرحت آراء كثيرة متفرعة عن الافكار السابقة، وكان ثمّة تقدير في معظم حلقات النقاش الشيعيّة، بأنّ "بنية" الشيعيّة السياسيّة بـ "ثنائيتها" السائدة الآن مصابة باشكالية "السورنة" على وجه الاجمال، وانّ قدرتها على التكيف أو التحول دونها "اعاقات" عدّة، بين احد طرفيها الذي اختزل التمثيل السياسي الشيعي على مستوى السلطة والنظام اللذين قاما في ظلّ الوصاية السوريّة، والذي قدّم تجربة تشكو من كثير من "الهِنات الهنيّات"، وان كان رئيس هذا الطرف، أي رئيس مجلس النّواب نبيه برّي يبدي نسبة من القدرة على "التقاط" الاشارات المتأتية من التطورات، من دون قدرة ـ بالضرورة ـ على "الترجمة الفوريّة"، وبين طرفها الثاني الذي غطّى بمفخرة الانجاز أوضاعاً لا يجوز أن تستمر، وكلاهما حجز الطاقة الشيعيّة الكبيرة عن المساهمة في تحقيق الاستقلال اللبنانيّ الثاني. كذلك، كان ثمة تقدير بانّ من تنطح لمبارزة هذين الطرفين سياسياً وانتخابياً، لا سيّما بعض الوجوه العائليّة الجديدة، فشل مبكراً وبشكل ذريع في تقديم خطاب المساهمة الشيعيّة في الاستقلال الثاني.
في ضوء ما تقدم، تستنتج حلقات النقاش الشيعيّة "المزدهرة" هذه الأيام انّه بناء على هذا الواقع الشيعيّ وبصرف النظر عن الاجتهادات وتلاوينها في شأنه، يصعب في ظلّ "احتجاز" الشيعة كما هو واضح، تصوّر امكان الانضمام المباشر للطائفة إلى عمليّة صناعة الاستقلال الجارية الآن، من غير ان يعني ذلك أن ليس ثمّة شيعة كثر يقيمون في قلب هذه العمليّة ـ المعركة. وبكلام آخر، انّ الانضمام اللاحق للطائفة ككل، سيجتاز العديد من الممرات، في مخاض يبدو طويلاً، وان كان الانسحاب السوريّ سيؤدي الى افتتاحه.
الهامش المتاح لتيّار ميثاقي والتوقيع بالاحرف الأولى
ومع ذلك، تتوصل حلقات النقاش تباعاً الى قناعة بعدد من الأمور التي تجد انّها لا تنتظر:
1 ـ انّ الظرف مؤات "تاريخياً" أي في اللحظة التاريخيّة الحاضرة لبروز تيار ثقافي ـ فكري (وسياسيّ) في البيئة الشيعية، ذي طابع ميثاقي ـ استقلالي، يتجرأ على الثنائية القابضة على الحراك الشيعي والحاجزة للدينامية الشيعية، ويطرح رؤية شيعية، لبنانيّة وطنية، لموقع الشيعة من الميثاق الوطني اللبناني، ويعلن انّ "اللون الواحد" لم يكن تاريخياً من علامات الشيعة على العموم والشيعة اللبنانيين خصوصاً، وهي الطائفة التي زخرت بحركات ثقافية وسياسية اعتراضية وتغييرية دائماً.
2 ـ انّ الوقت مؤات لينطلق من البيئة الشيعيّة "فلاش" يضع توقيع الشيعة بـ"الاحرف الأولى" على ميثاق الاستقلال والديموقراطية المتجددّ، على ان يكون التوقيع كاملاً بعد ان يشقّ التيار الميثاقي طريقه.. اي ان يكون التوقيع بالأحرف الأولى الآن بدلاً عن "غائب" أو "مغيّب".
تحديات في وجه "الثنائية" و"اللبننة" المنشودة
3 ـ والظرف مؤاتٍ الآن لكي يفرض الميثاقيون الوطنيون والديموقراطيون الشيعة تحديات سياسية وثقافية وفكرية على الشيعية السياسية بـ"ثنائيتها" السائدة، ولكي تصبح آراؤهم جزءاً من نقاش الآخرين ومخاضه.
4 ـ والظرف مؤاتٍ أخيراً لـ"انطلاق" ـ مجرد انطلاق ـ عملية "لبننة" الشيعة بهذا المعنى، واستعادتهم الى سراطهم الأصلي كشرط لازم وضروري للكيان، لأن لا معنى للحديث عن "مشروع الدولة" من خارج سياق الاستقلال والديموقراطية، ومن خارج اليقين بأن لبنان هو أيضاً "وطن نهائي" لشيعته.
كلمة بهية الحريري: وثيقة الاستقلال
ان المشهد الناقص في عرس الاستقلال الاثنين الفائت في ذكرى مرور شهر على استشهاد الرئيس الحريري، أثار ويثير "غصّة" شيعة كثر، بمن فيهم كثيرون لا يزالون يراقبون أداء مرجعياتهم الحالية. وإذا كان أقطاب الشيعية السياسية سارعوا الى مباركة كلمة النائب بهية الحريري في "ساحة الحرية"، فإنهم على الأرجح باركوها للهجة المعتدلة أو ربما لتأكيدها على صيانة إنجاز التحرير وحديثها اللبناني ـ العربي عن سوريا.
بيد انه وعلى الرغم من كل ذلك على أهميته وصدقيته في كلام السيدة بهية، يبقى الأهم في ما قالته وأشّرت عليه، هو ان السنّة اللبنانيين، المعرّفين تاريخياً على انهم الأكثر عروبة، أخذوا موقعهم بوصفهم الشريك الاساسي في استقلال لبنان الثاني (علماً انّ السنّة في 1943 تأخروا في الفك عن مشروع الوحدة مع سوريا). وبهية الحريري أعلنت ذلك على نحو صارخ، ولم تفعل ذلك سوى في معرض "ترجمتها" لما كانه الرئيس الشهيد تماماً، بوصفه بطلَ هذا الاستقلال الثاني الذي يتحقق بعد استشهاده وبه. فهل يتحوّل هذا الترحيب بكلمة بهية الحريري الى انضمام الى "وثيقة الاستقلال" التي أعلنتها؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00