عندما تفاجأ الرئيس نبيه بري من إقدام الرئيس كرامي على الاستقالة في جلسة المناقشة في 28 شباط ، فلأن السيناريو المرسوم آنذاك كان يقضي بأن يمنح المجلس النيابي الثقة بغالبية نيابية تفوق الثقة التي حازتها الحكومة الكرامية عند تشكيلها، لتصل الى حدود السبعين صوتاً، فإذا أراد كرامي أن يستقيل بعد ذلك يمكنه أن يفعل من موقع "الاقتدار" أي من موقع قوة. ويومها خربط كرامي "كومبيوتر" بري وحضّر استقالته بمعرفة المسؤول الأمني اللبناني المعتمد دمشقياً والذي من الطبيعي أن يحرص على مفاجأة بري بفعل علاقات "الحب القاتل" بينهما.
مفاجآت كرامي لبري
لم تكن تلك مفاجأة بري الأولى من كرامي. فبحسب رواية أوساط عديدة بعضها على معرفة بأجواء رئيس المجلس، كانت هناك مفاجأتان سابقتان خلال العمر القصير للحكومة المستقيلة. فذات يوم وقبل الاجتماع الرباعي الذي عقد في بعبدا وضم الرؤساء إميل لحود وبري وكرامي ووزير الداخلية سليمان فرنجية والذي خصص لدرس مشروع فرنجية لقانون الانتخاب، طلب كرامي التنسيق مع بري على رفض اقتراح اعتماد القضاء دائرة انتخابية على أساس ان الأول (كرامي) يفضّل الدائرة الوسطى والثاني يفضّل المحافظة.
ذهب الرجلان الى بعبدا في اليوم التالي. بدأ فرنجية عرض مشروعه. وكانت المفاجأة ان كرامي اعلن الموافقة من دون تحفّظ على مشروع فرنجية، فيما دعا بري الى التريث لمزيد من الدرس.
انتهى الاجتماع وحصلت استفسارات. وقال كرامي لمراجعيه وبري أحدهم انه بعد لقاء التنسيق بينه وبين رئيس المجلس لرفض القضاء دائرة انتخابية، "تلقى" زيارة المسؤول الأمني اللبناني الذي كان يشتغل على قانون الانتخاب والذي طلب منه السير في القضاء. واعتبر كرامي ان المسؤول الأمني يبلغه الموقف السوري. ومن دون أن يكلّف نفسه الاتصال ببري ليبلغه الاعتذار عن التراجع، ذهب الى بعبدا وأدلى بما أدلى به.
بعد هذه التوضيحات الكرامية، وعلى ذمّة الرواة، أبلغ بري كرامي بطريقة لا يذكرها أصحاب الرواية ان الموقف السوري ليس على النحو الذي يظنه، وطلب منه إبلاغ المسؤول الأمني انه (أي كرامي) لن يسير بالقضاء طالما ان موقف الاخوة السوريين ليس كذلك حتى الآن (آنذاك). وهنا حصلت المفاجأة التالية لبري، إذ بكرامي يعلن من المتحف بعد جلسة لمجلس الوزراء ان القضاء هو الاتجاه، ولا يقول الرواة ما كان ردّ فعل بري.
طبعاً، ان استحضار هذه المفاجآت الكرامية اليوم، من باب تذكير الرئيس بري بما يعرفه تماماً عن الرئيس كرامي و"استلباس" أبرز المسؤولين الأمنيين له، ومن باب تذكير الرئيس كرامي ـ إن نفعت الذكرى ـ بدور الأجهزة الأمنية معه "شخصياً"، وبدورها "القابض" على الحياة السياسية، وبدورها الذي لا يحترم مقامات دستورية، والتي ـ وهي المستغرقة في السياسة ـ من الطبيعي أن تكون في حدّ أدنى مقصّرة في الأمن، لا سيما في استدراك جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي وضعته الأجهزة ـ وهذا المسؤول الأمني بالذات ـ نصب أعينها كهدف يجب النيل منه.
على أي حال، ماذا عن اليوم؟
بينما كان السيناريو الذي تمرد عليه كرامي يقضي بخروجه من الحكم بعد ثقة نيابية كي لا يُقال انه سقط بضغط الشعب، إذا بالسيناريو يقضي بإعادته الى الحكم من الباب الذي كان مخططاً أن يخرج منه.. أي بأكثرية نيابية سمّته لتأليف الحكومة الجديدة.
وها هو الرئيس المستقيل المكلف مجدداً، يعلن بعد تكليفه انه عائد ممثلاً عن الأكثرية النيابية والسياسية والشعبية، والحال انه ليس كذلك إطلاقاً، للأسباب الآتية:
1 ـ إذا كانت "الحكمة" وربما "الضرورات" تقضي بعدم إسقاط شرعية الأكثرية النيابية دستورياً، فإن ذلك لا يلغي حقيقة ان هذه الأكثرية لا تزال من "مخلّفات" مرحلة مضى عليها أكثر من أربع سنوات، وانها أكثرية متأكلة بدليل التناقص الكبير في عددها.. بما في ذلك ان كرامي نفسه سمّي بـ82 صوتاً في المرة السابقة ولم يسمّه إلا 70 أول من أمس، علماً ان "حزب الله" (12 نائباً) سمّاه في المرتين.
بين "السياسية" والعددية"
2 ـ ان الأكثرية السياسية ليست مع "السلطة" وهي في مكان آخر أي مع المعارضة، مأخوذاً في الاعتبار التيارات السياسية وحجم تمثيلها في بيئاتها المختلفة. وهنا، وإذا أخذ في الحساب العدد الكبير من المتظاهرين في المسيرة التي دعا اليها الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله الثلاثاء الماضي، فإن ذلك لا يقود ـ بالرغم من مئات الآلاف الذين تظاهروا ـ الى استنتاج ان الأكثرية الشعبية هي مع "السلطة". ذلك ان الأكثرية "العددية" خاصة في لبنان لا ترادف الأكثرية "السياسية" بأي حال من الأحوال، علماً أن الأكثرية "العددية" ليست محسومة أبداً.
3 ـ وإذا كان كرامي و"السلطة" يجيّران جماهير "حزب الله" ـ العمود الفقري لمسيرة رياض الصلح ـ لصالحهما، طبعاً من دون ممانعة الحزب في ذلك، فإن الحزب بقدر ما يمكن احتسابه غطاء للحظات الأخيرة من المرحلة السابقة، هو من القوى المخاطبة على انها من قوى المرحلة المقبلة أيضاً.. طبعاً إذا وافق الحزب على ذلك.
عودة كرامي = التمديد للحود
من هنا، ان إعادة تكليف كرامي مستمدة من قرار سوري ولا علاقة لها بالحيثيات التي ساقها كرامي في إعلانه قبول التكليف. وإعادة تكليفه هي دليل على ان سوريا لا تزال تتصرّف على انها مركز القرار السياسي اللبناني، ودليل على ان الحياة السياسية اللبنانية لم تغدُ بعد متحررة من التدخل الاستخباراتي. والمفارقة في إعادة تكليف كرامي هي انها تشبه حرفياً التمديد للحود، فرئيس الجمهورية كوفئ بالتمديد على الكارثة التي أحلها بالبلد طيلة ست سنوات من 1998 الى 2004، وكرامي يكافأ بالتكليف المتجدّد على فشل حكومته.
يمكن الا يحصل نقاش في أن تكون سوريا في صدد ترتيب أوضاع "الحلفاء" في ظل قرارها الانسحاب من لبنان، مستفيدة من الفترة التي أخذتها لنفسها (ولم يعطها إياها المجتمع الدولي) لتنفيذ الانسحاب. غير ان الأمر ـ سوريّاً ـ لا يزال منحكماً الى معايير قديمة في تحديد الحلفاء والخصوم في حين ان المعارضة تؤكد انها مع علاقات صحية بدمشق من دولة الى دولة، وحرة من التدخل الاستخباراتي.
"لبننة" الطائف
والمعارضة التي أكثرت في التأكيد على انها لا تختصر البلد، وأكثرت في التأكيد على انها تقرّ وتعترف بوجود قوى رئيسية خارجها، تعلن بوضوح ان ما تهدف اليه في العمق بعد انتقال البلاد الى مرحلة ما بعد الانسحاب السوري، هو تشكيل الحاضنة اللبنانية لاتفاق الطائف، أي أن يكون هذا الاتفاق ـ التسوية محمولاً من كتلة لبنانية.. أي الانتقال بعد سنوات من إقرار الطائف الى "لبننته" الحقيقية، وهي لذلك ترى الأولويات متسلسلة. فمن أجل "لبننة" الطائف، أي من أجل استعادة مركز القرار الى بيروت بعد أن "زحل" الى دمشق في ظل "الرعاية" أو "الوصاية" السورية، لا بد من كشف الحقيقة في جريمة اغتيال أحد أبرز صنّاع الطائف الرئيس الشهيد رفيق الحريري. ولكشف هذه الحقيقة، ولإعادة الاعتبار الى اتفاق الطائف الذي لا يؤسس لنظام أمني، لا بدّ من إقالة مسؤولي الأجهزة الأمنية، وكذلك في سبيل إعادة الاعتبار الى اتفاق الطائف لا بد من الانسحاب السوري. بكلام آخر، ان "لبننة" اتفاق الطائف والتي تأتي متأخرة 16 عاماً، انما هي عملية تأسيسية، يفترض بالمعارضة والقوى الرئيسية خارجها التصدي لها، في سبيل إنتاج مسار ديموقراطي لتكوين السلطة.. فالعمل التأسيسي ليس فعل أكثرية وأقلية، بل فعل أكثريات في بيئاتها، اما التوازن السياسي فتقرره انتخابات حرة وديموقراطية.
تكليف كرامي خطوة ضمن الأزمة المفتوحة
لهذه الأسباب كلها، ان إعادة تكليف الرئيس كرامي تشكل تحدياً أولاً وقطعاً لمسار يجب أن يبدأ ويستكمل لوضع البلاد على سكة ما بعد "الرعاية" أو "الوصاية" السورية ثانياً، وقطعاً لمسيرة "لبننة" الطائف ثالثاً وضرباً لمسار ديموقراطي من البديهي أن ينطلق رابعاً وأخيراً.
ولذلك، فإن إعادة تكليف كرامي، منظوراً اليها من كل الزوايا الآنفة، تشكل في آن خطوة إضافية من ضمن الأزمة المفتوحة، وتهديداً لسلامة الانتقال من مرحلة الى إخرى، وإعاقة لفرصة وضع اتفاق الطائف بـ"كامل بنوده" موضع التنفيذ بآليات لبنانية ذاتية، بحيث يدخل كل شيء في الاتفاق بما في ذلك المقاومة التي لا يمكن أن تكون خارج مظلة الطائف، هي نفسها أيضاً، وتحدياً مخابراتياً لإرادة اللبنانيين اخيراً.
أما دعوة كرامي للمعارضة الى حوار داخل مجلس الوزراء، فدعوة "بائسة"، وذلك لان القرار لم يعد الى مجلس الوزراء بعد، ولأن لحود والأجهزة والقرار السوري لم يسلّموا بذلك. وقبل أن يدعو المعارضة الى الحوار داخل مجلس الوزراء، هل يمتلك كرامي الشجاعة السياسية للمطالبة بالتحقيق الدولي المستقل في الجريمة كما تطلب عائلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري؟ وهل يملك شجاعة التعهد بإقالة مسؤولي الأجهزة الأمنية؟ والأهم أن كرامي يكرر الخطأ إن هو اعتبر ان ما تطالب به المعارضة هو شروط على الحوار وليس شروطاً لتحرير الحوار من معوقاته، وإن هو اعتبر ان الديموقراطية السياسية مطلب فئوي... وإن استمر في التعاطي ـ بإيعاز ـ مع الوضع اللبناني على انه منقسم حول القرار 1559 فيما المعارضة تطالب بتطبيق الطائف لـ"لبننة" الأمور الواردة في هذا القرار، أي لـ"مواجهته" عملياً.
ويخطئ كرامي أكثر بكثير إذا ظن وهو الذي أعلن نفسه ناطقاً باسم الأكثرية انه يستطيع السير بالسيناريو الذي كشف النائب باسم السبع النقاب عنه أمس، سيناريو البقاء رئيساً مكلفاً بتشكيل الحكومة إلى أمد غير منظور، محاولاً تحميل المعارضة مسؤولية عدم قيام حكومة يقول ان بمقدوره تشكيلها بـ"الأكثرية التي يملك". لأنه عندئذ لا يكون في صدد تكرار تجربة الرئيس الراحل رشيد كرامي الذي علّق الحكم عام 1969 ـ في بلد كان يتمتع بسيادته السياسية آنذاك ـ لتدارك ازمة وطنية ومعالجتها مصراً يومها على تسوية لبنانية ـ لبنانية حول الوجود الفلسطيني، بل يكون كرامي الحالي في صدد تشريع البلاد على فوضى تمنع الحل في وقت يشكل الطائف التسوية الحقيقية حول المسألة السورية، ويكون في صدد القضاء على مسار ديموقراطي طبيععي للخروج من الأزمة، كرمى لعيون المسؤول الأمني الذي "يستلبسه".
أما الرئيس بري، إذا غادر التفاجؤ فسيجد ان انتقال البلاد من مرحلة الى اخرى يستحق "أن نقتل انفسنا كرمال المعارضة".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.