8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

منع قيام حكومة انتقالية جدية لا ينتمي إلى مرحلة ما بعد الانسحاب السوري

من المفترض ـ منطقياً ـ بعد القرار السوري بالانسحاب من لبنان عسكرياً ومخابراتياً، وبدء تنفيذ هذا الانسحاب نحو البقاع في انتظار استكماله كلياً في فترة قصيرة، أن يكون لبنان دخل باعتراف الجميع في مرحلة جديدة، انتقالية، وهي المرحلة التي بدأت فعلياً وعملياً باستشهاد الرئيس رفيق الحريري.
ومن المفترض ـ منطقياً أيضاً ـ أن تتشكل لهذه المرحلة حكومة انتقالية تمتد صلاحيتها الى الانتخابات النيابية التي يفترض أن تشكّل نقطة الانطلاق لعملية إعادة تكوين السلطة في البلاد.
والحكومة الانتقالية ـ وليس الحيادية ـ وهي البديل الموقت من السلطة القائمة الآن، يجب أن تضم القوى الأكثر تمثيلاً ـ الآن ـ في بيئاتها، وهي عملياً المعارضة المحسوم تفوق تمثيلها في البيئات السنية والدرزية والمسيحية والمستندة جميعاً الى توازن سياسي عام راجح في مصلحتها، مع قوى خارج المعارضة ذات تمثيل شعبي حقيقي، مثل "حزب الله" و"حركة أمل".
فرصة الحكومة الانتقالية
لا يعني ذلك أن ليس ثمة مسيحيون خارج المعارضة أو أن ليس ثمة سنّة خارج المعارضة، لكن الأكيد ان التمثيل الشيعي هو خارج المعارضة، كما لا يعني أن ليس ثمة شيعة داخل المعارضة لكن الأكيد هو ان التمثيل المسيحي ـ السنّي ـ الدرزي في يد المعارضة. وهذه "الحقيقة" الوصفية عن الوضع الطائفي يجب ألا تستفز أحداً، طالما ان التيارات السياسية ليست خارج التموضع الطائفي أصلاً، وليس هناك اختراق لأي تيار سياسي للبنية الطائفية، حتى عندما يكون زعماء تيارات فاعلة في بيئاتها الطائفية يؤدون دوراً وطنياً، أي لبنانياً عاماً.
الحكومة الانتقالية ـ وليس الحيادية ـ التي يجب أن تقوم، هي إذاً حكومة المعارضة زائد التمثيل السياسي الشيعي، ودائماً وفق المعطيات المشار اليها.
والمهمات التي تطرح نفسها على هذه الحكومة الانتقالية واضحة من وجهة نظر المعارضة، حيث الأولوية لإقالة مسؤولي الأجهزة الأمنية. لماذا؟
إذا كانت الأولوية لكشف الحقيقة عن جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري عبر التعاون مع تحقيق دولي في هذه الجريمة، لا بدّ من إقالة مسؤولي الأجهزة المتهمين بالتقصير والتضليل. وإذا كانت النية جدية في إجراء انتخابات حرة ونزيهة "وظيفتها" تظهير التوازن الحقيقي للقوى، فلا بدّ من إقالة مسؤولي الأجهزة المتهمين بالضغط تاريخياً على العملية السياسية لإخراجها عن مسارها الديموقراطي. وإذا كان صحيحاً ان ثمة مرحلة جديدة بعد قرار الانسحاب السوري من لبنان، فلا بدّ من إقالة هؤلاء كمدخل الى تفكيك النظام الأمني ـ الاستخباري.
لهذه الأسباب، تبدو إقالة مسؤولي الأجهزة الأمنية الحلقة المركزية التي يتعلق على حلّها قيام حكومة انتقالية قادرة فعلاً على الحكم حتى الانتخابات، وقادرة على أن تكون السلطة الحقيقية في البلاد خلال الشهور القليلة المقبلة المعتبرة استثنائية بكل المقاييس.
المسيرة ومعرفة ما هو معروف
غير ان ذلك كله مما يفترض انه منطقي، ليس كذلك لدى "السلطة" الفاقدة شرعيتها لكن المتحكمة والمتسلّطة عبر الأجهزة، كما لدى قوى سياسية ذات تمثيل شعبي حقيقي. والأمر المنطقي الوحيد، بمعنى المفهوم، هو المسيرة التي حصلت أمس تلبية لدعوة الأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله باسم "الأحزاب والقوى اللبنانية". وهذا الأمر منطقي، من زاوية ان المسيرة أراد الداعون اليها لا سيما السيّد نصرالله البرهنة من خلالها على أن ليس في البلد إلا المعارضة، وعلى ان الانسحاب السوري لا يعني ان التوازن بات كاسحاً لصالح المعارضة، وعلى ان القيمين على التظاهرة ولا سيما السيّد نصرالله شركاء في المرحلة المقبلة... ومن موقع تمثيلي قوي. وعلى أي حال، فإن المسيرة أكدت ما كان معروفاً: ثمة رأي آخر في البلاد أولاً وثمة جماهيرية لقوى معروفة ثانياً، كما ثمة معادلة معروفة أيضاً مهما تكن الأعداد التي تظاهرت وان العامود الفقري لهذه المسيرة شيعي أساساً.. ثالثاً وأخيراً.
"المنطق" يفترض إذاً أن يتحاور الأكثر تمثيلاً خارج المعارضة مع المعارضة ليشكّلوا الحكومة الانتقالية معاً. بيد ان هؤلاء الأكثر تمثيلاً من خارج المعارضة أياً تكن قناعاتهم في "العمق" يعتبرون ضمناً ـ مراعاة لسوريا ـ ان المطالبة باستقالة رئيس الجمهورية أسهل من المطالبة باستقالة مسؤولي الأجهزة الأمنية، وان تسمية المعارضة لكل الحكومة أسهل من إقالة مسؤولي الأجهزة.. فيفوتهم تكراراً ان الحلقة المركزية هي هذه النقطة بالضبط والتي يتوقف على حلها قيام حكومة تحكم بالفعل. وبالإضافة الى ذلك، لا شك ان هؤلاء الأكثر تمثيلاً من خارج المعارضة يقعون في تناقض جوهري بين انتقالهم في الخطاب بسرعة الى ما بعد الانسحاب السوري من ناحية واستمرار جانب من سلوكهم منحكماً الى ما قبل الانسحاب السوري.. في وقت لا يخفى ان المطروح في "العمق" هو قيام صيغة تأسيسية لبنانية ضامنة لاتفاق الطائف.
"حزب الله" والمسيرة:
ليس ما بعد الانسحاب السوري
من هنا، وأمام فرصة حقيقية كانت ولا تزال تلوح لقيام "الصيغة التأسيسية اللبنانية" لإعادة إنقاذ اتفاق الطائف، سجّلت على "حزب الله" في مسيرة أمس الملاحظات الرئيسية الآتية:
أولاً ـ إذا كان السيّد نصرالله ظهر في مؤتمره الصحافي الأحد الماضي كمن يضع يده على مرحلة ما بعد الانسحاب السوري، وكمن يضع "قوى الخط" تحت عباءته ليعلن انه المحاور من خارج المعارضة والشريك في المرحلة التالية، فقد بدا الحزب في المسيرة أمس الثلاثاء قائداً لتكتل قوى ورموز يريد تعويمها وهذه القوى والرموز تمثل استفزازاً للمعارضة.
ثانياً ـ لم يعطِ الحزب في نزوله الى الشارع وطريقته بالاً كبيراً الى كونه الجهة التي تتعامل معها المعارضة بثقة، وغاب عنه ان "الجمهور الآخر" في البلد كان يتطلع اليه بوصفه الجهة التي تستحق التضامن، فأعطى "صورة" لا تعكس القناعة به بأنه المحاور الآخر، ذلك انه لم ينتبه الى ان مقتضيات موقعه كمحاور وشريك تفرض عليه أسلوباً مرناً لا يغطي "سلطة" فاقدة الشرعية ولا يسعى الى التصرّف على انه حسم ان الأغلبية معه.
ثالثاً ـ وفات الحزب انه بكل ذلك انما يغطي أحد السيناريوهات السلطوية التي تريد اعتباراً من الاستشارات النيابية اليوم التصرف على أساس العودة الى ما قبل 14 شباط وكأن شيئاً لم يكن. وإذا كان مما لا شك فيه ان الحزب تقيّد بالتعهد الذي قطعه على نفسه بأن لا تحصل "ضربة كفّ"، فإنه في السياسة بدا متصرّفاً من موقع من يرغب في "تأجيل" الحوار الى ما بعد فرض واقع سياسي ـ حكومي جديد.
هذه الملاحظات أبدتها أوساط معارضة ومحايدة كانت تنتظر أن تشكّل المسيرة بالنسبة الى "حزب الله" تظهيراً لميزان القوى لكن مع ترك الباب مفتوحاً أمام الحوار، وتعتبر انها "صدمت" من زاوية ان الحزب اهتم فقط في المسيرة بإظهار كونه "المجمّع" لقوى "الخط" وبكونه "فريقاً" غير معني الآن بالعملية الانتقالية. وهذه الملاحظات تنسحب على المرحلة التي تبدأ اليوم بالاستشارات.
"السلطة" وسياسة الأمر الواقع
1 ـ تجري "السلطة" التي سعى "حزب الله" بمسيرته الى تعويمها الاستشارات النيابية بأفق إعادة تشكيل حكومة اللون الواحد، وترشح الرئيس عمر كرامي لرئاستها. وتستند في ذلك الى ان الانسحاب السوري لن يكتمل الى البقاع قبل نهاية آذار، والى ان المسيرة التي جرت أمس تعطي مشروعية شعبية لـ"السلطة"، والى ان ثمة أكثرية نيابية متوفرة.
2 ـ ترفض "السلطة" زحزحة مسؤولي الأجهزة الأمنية، تماماً لانها تستند اليهم في حكمها.
3 ـ تتوقع "السلطة" إنجاز جلسة الثقة النيابية بسرعة والذهاب الى الانتخابات النيابية بعد ذلك.
الأزمة مفتوحة والمعارضة على مواقفها
حيال هذه المعطيات، تعتبر المعارضة ان "السلطة" بمركز قرارها السوري تفتح المجال أمام استمرار الأزمة التي من المرجّح أن تذهب الى احتمالات مفتوحة. ذلك أن هذه "السلطة" ليس فقط تتمسّك بمسؤولي الأجهزة ولكن تعيد الى رئاسة الحكومة الشخصية التي ترأست حكومة الضغينة والتحريض والتي استقالت تحت ضغط الشارع. وترى المعارضة ان قطع الطريق على قيام الحكومة الانتقالية بالأبعاد المطروحة لها، يذهب بالأزمة الى مدى أكثر خطورة. ولذلك، تؤكد المعارضة تمسّكها بمطالبها والشروط المتضمنة في بيان المختارة.. وفي العمق ترى ان ثمة تأخيراً لعملية الانتقال الى ما بعد الانسحاب السوري، وان الانسحاب السوري نفسه لم يصبح بعد "وراءنا". وعلى هذا الأساس ستقاطع الاستشارات.. إلا لتقديم مذكرتها عبر وفد من نائبين، وستعارض "حكومة اللون الواحد" بقوة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00