8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الساعات الأكثر استثنائية في ضوء القرار السوري وصياغته ومداه

خلال الأيام الأخيرة، توافرت معلومات عدة عن لقاء الرئيسين الأميركي جورج بوش والفرنسي جاك شيراك في بروكسيل في الواحد والعشرين من شباط الماضي، تُظهر العناوين الكبيرة للاتفاق بين واشنطن وباريس والعناوين الأخرى للخلاف بين العاصمتين.
في هذه المعلومات التي تنقلها مصادر ديبلوماسية مطّلعة يتبيّن الآتي:
أولاً ـ ان الموضوع اللبناني، خصوصاً بعد جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، كان البند الأول على جدول اجتماع الرئيسين بوش وشيراك، وهو استغرق ثلثي الاجتماع.
الخشية الفرنسية قبل القمة وأسبابها
ثانياً ـ كان لقاء القمة في بروكسل مسبوقاً على ما يبدو بنوع من التخوّف الفرنسي من الأداء الأميركي حيال سوريا. ومصدر هذا التخوّف أمران:
أ ـ إيحاء أميركي لسوريا بأن لبنان على أهميته يلي الأولوية العراقية، الأمر الذي كانت باريس تخشى أن يوهم دمشق بإمكان التوصّل الى صفقة بشأن المسألتين اللبنانية والعراقية. واستندت الخشية الفرنسية في هذا المجال الى "معلومة" تفيد أن نائب وزير الخارجية الأميركي ريتشارد أرميتاج قال لنائب وزير الخارجية السوري وليد المعلم في نهاية زيارة الأول الى دمشق قبل أسابيع ما مفاده أن العراق يبقى الأولوية بالنسبة الى الولايات المتحدة. ودلّت السياسة السورية بعد ذلك على أنها أخذت الى حد معيّن بهذا الاعتبار، تماماً كما شكّل تصريح أرميتاج عن الاستحقاق الرئاسي اللبناني في آب الماضي والذي أوحى فيه بأن هذا الموضوع شأن لبناني ـ سوري، سبباً أخذت به دمشق في قرارها التمديد للرئيس إميل لحود.
ب ـ ثمة "خوف" فرنسي من "المحافظين الجدد" في الإدارة الأميركية، وهو "خوف" لم يبدأ حديثاً. وتعتبر باريس أن "الصقور" هؤلاء، والذين لم يعودوا الى الإدارة الجديدة لبوش بالقوة نفسها التي كانوا عليها في الإدارة السابقة، يحتاجون الى ما يعوّم طروحاتهم، ويشكّل التشدّد السوري أو الانغلاق السوري عاملاً أساسياً لتعويمهم وطروحاتهم. ويعمل هؤلاء "الصقور" الى "دفش" سوريا لجعلها ترفض المعادلة المطروحة أميركياً وهي أن على دمشق أن "تعطي" في لبنان والعراق وفلسطين قبل أن تبحث أمور أخرى معها في مرحلة لاحقة. ويأمل "المحافظون الجدد" أن يدفعوا بعد ذلك باتجاه عقوبات على سوريا وصولاً الى الخيار العسكري لتغيير النظام في دمشق، ولـ"إنهاء" المسار السوري في عملية السلام الإقليمية.
شيراك يرفض المسّ بالنظام
ثالثاً ـ ان التخوّف الفرنسي المحدّدة أسبابه وعوامله آنفاً سبق القمة الأميركية ـ الفرنسية وتخلّلها، في ظل حرص شيراك على ألاّ يؤدي "الكباش" مع سوريا حول لبنان وسائر العناوين الإقليمية الأخرى الى هزّ النظام السوري والى إصابة الشعب السوري بأضرار فادحة.
رابعاً ـ أبلغ بوش الرئيس الفرنسي أن الولايات المتحدة مستعدة اعتباراً من نيسان المقبل للذهاب الى مجلس الأمن لاستصدار قرار دولي جديد حول الانسحاب السوري من لبنان، وأن واشنطن تكون مستعدة للذهاب الى عمل عسكري "ما" اعتباراً من الفصل الأخير من السنة الحالية.
"حزب الله"
خامساً ـ أكد شيراك خلال القمة رفضه التعاطي مع "حزب الله" بصفته "منظمة إرهابية" كما تطرح واشنطن، واعتبر أن هذا الموضوع يجب أن يتمّ التعاطي معه بتعقّل وحكمة، لا سيما من منطلق عدم إصابة التوازن الطائفي في لبنان بأي جروح، وبما يتيح للحزب أن يدرس المعطيات الجديدة برويّة.
سادساً ـ وتؤكد المصادر الديبلوماسية المطّلعة أن التوافق الفرنسي ـ الأميركي حول لبنان، لا سيما حول سيادته واستقلاله، وممارسة الضغوط على سوريا تحت سقف عدم الذهاب الى هزّ النظام في دمشق، حتى إشعار آخر بالنسبة الى واشنطن، هو الذي فتح الباب نحو التوافق الفرنسي ـ الأميركي حول العراق حيث وعد بوش شيراك بالمحفاظة على المصالح الفرنسية في بلاد الرافدين.
سابعاً ـ وفي الموضوع العراقي، لفت بوش نظيره الفرنسي الى أن مجيء القياديّ في حزب "الدعوة" ابراهيم الجعفري الى رئاسة الحكومة العراقية مرتبط بالتزامين، أولهما التزامه التصدّي للمسألة الأمنية مع سوريا وإيران واستعداده في هذا السياق لـ"مواجهة" الموقف الإيراني إذا كان سلبياً، وثانيهما وعد من الجعفري بدور مع "حزب الله" في لبنان.
المعطيات الدولية أمام دمشق
في ضوء هذه المعلومات، تؤكد المصادر الديبلوماسية نفسها أن الاتفاق محسوم بين باريس وواشنطن حول لبنان ووجوب الانسحاب السوري الكامل منه، مع اختلافات بشأن العمل العسكري لتغيير النظام السوري ولجهة "حزب الله"، وتشدّد على أهمية إدراك دمشق لهذا المعطى الدولي الذي لا يعطي سوريا في لبنان في مقابل ما تعطيه في العراق.
كذلك، تلفت الى أن عدم استجابة سوريا الى المطالبة الدولية لها بالانسحاب من لبنان، سيزيد من عزلتها السياسية دولياً وعربياً أولاً وسيعرّضها لعقوبات قاسية ثانياً وسيفتح الباب أمام "الصقور" الأميركيين لوضع "نظريّاتهم" موضع التنفيذ ثالثاً وسوف "يحشر" من لا يوافق على المساس بوضع النظام رابعاً.
وهنا، تشير المصادر نفسها الى أن "لعبة الوقت" ليست في صالح دمشق، لا سيما أن ثمة توافقاً دولياً على اعتبار نيسان خطاً أحمر للانسحاب السوري، أي موعداً حاسماً لحصوله، ولا سيما أن الموقف الأوروبي بمجمله في هذا الاتجاه، بما في ذلك الموقف البريطاني الذي كان حتى الأمس القريب ودياً حيال سوريا وناصحاً لها، والموقف الروسي الذي انضمّ الى مطالبة سوريا بتنفيذ القرار 1559. وتضيف أن سوريا بإسراعها في الاستجابة لمطلب سحب قواتها واستخباراتها من لبنان، تعطي نفسها فرصة التصالح مع الشرعية الدولية وتجنّب مزيد من العزلة، في وقت لا يزال ممكناً أخذ هذا القرار وتنفيذه بالتنسيق عربياً وأوروبياً.
قرار دمشق وماذا سيقول الأسد؟
ماذا ستقرّر دمشق في ضوء هذه المعطيات؟
تؤكد المصادر الديبلوماسية المطّلعة أن لا خيار أمام سوريا سوى الانسحاب من لبنان، وأن القرار السوري بذلك متّخذ وأنه "قيد" التنفيذ. بيدَ أن المصادر تبدي مخاوفها من أن يحصل تباطؤ سوري في التنفيذ، وأن ينقضي وقت بين الإعلان عن الانسحاب وتنفيذه، إذا أخذ في الاعتبار الأداء السوري خلال الأيام الماضية، لا سيما الخطاب السياسي المصاحِب للحركة السورية عربياً ودولياً، والذي يربط الانسحاب السوري النهائي بالسلام الإقليمي.
لذلك، تعتبر المصادر أن خطاب الرئيس السوري بشار الأسد اليوم سيكون محكاً لموقف دمشق. فإذا بدا أن ما قاله الأسد في المملكة العربية السعودية كما نقلته المصادر الرسمية السعودية أول من أمس، عن انسحاب جزئي، يعني انسحاباً نحو البقاع في إطار جدولة للإنسحاب، يمكن أن يشكّل ذلك مدخلاً مقبولاً دولياً وعربياً على أساس أن تتولى حكومة ما بعد الانتخابات النيابية اللبنانية التفاوض على الانسحاب الكامل مع دمشق.. أمّا إذا كان الانسحاب الجزئي دون ذلك، أو إذا كان الانسحاب الى البقاع مشروطاً بأن يكون البقاع نهاية المطاف، فإن ذلك سيدخل الأوضاع بتعقيدات، في ظلّ المواقف الدولية المتكررة يومياً كالمطرقة، خصوصاً المواقف الأميركية اليومية.
إذاً، وفي انتظار ما سيعلنه الأسد اليوم، يبدو الوضع اللبناني الداخلي معلّقاً لساعات. ذلك أنه يتوقف على ما سيقوله الرئيس السوري الشطر الرئيسي من المستقبل "المباشر" لهذا الوضع. فقرار بالانسحاب والمباشرة بتنفيذه سيفتح أفقاً سياسياً جديداً، على اعتبار أن الوضع اللبناني مترابط الحلقات، ومسألة الانسحاب السوري تشكّل الحلقة التي تدور حولها سائر الحلقات، فإما انفراج وإما تعقّد للأمور. وبكلام آخر، فإن ما سيعلنه الرئيس الأسد اليوم، إما أن يؤدي الى إطلاق عجلة الحركة السياسية لمرحلة ما بعد جريمة اغتيال الرئيس الحريري، أو أن يؤدي الى إبقاء الحركة السياسية الداخلية في دائرة الانغلاق.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00