8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

بيان المختارة يحدّد الشروط التي لا قيام بدونها لحكومة تُمسك بالقرار السياسي

كيف يمكن قراءة موقف المعارضة في ضوء البيان الصادر عن اجتماعها الموسّع في المختارة أول من أمس؟
عن هذا السؤال تجيب مصادر بارزة في المعارضة بالآتي:
أولاً ـ ان الشروط المتضمنة في البيان، لا سيما شرطا الاستقالة الفورية لمسؤولي الأجهزة الأمنية والإعلان الرسمي السوري عن سحب القوات والاستخبارات السورية من لبنان، ليست شروطاً لمشاركة المعارضة في الحكم بل هي قبل ذلك شروط للحكم أصلاً، أي لقيام حكومة توافق المعارضة على وجودها.
ثانياً ـ وتنطلق المعارضة في ذلك من قناعة راسخة بأن أي حكومة لا تستطيع أن تحكم وأن تمسك بالقرار السياسي للدولة بوجود سلطة موازية أقوى منها، هي سلطة الأجهزة الأمنية التي استفحل دورها بوصول الرئيس إميل لحود الى رئاسة الجمهورية في لبنان عام 1998، وزاد استفحال هذا الدور بعد أن أوكلت القيادة السورية أمر العلاقة اللبنانية ـ السورية الى مسؤول أمني قام بدور ضابط الارتباط في الكبيرة والصغيرة بين دمشق وبيروت. كما لا تستطيع أي حكومة لبنانية أن تحكم وتمسك بالقرار السياسي بوجود الاستخبارات السورية في إطار القوات العسكرية المنتشرة في البلد.
ثالثاً ـ وتعتبر المعارضة ان هذا الذي لم يكن ممكناً في الأصل قبل الآن بات مستحيلاً الآن وبعده. ذلك ان الأجهزة اللبنانية والسورية شكلت في مرحلة معينة سلطة قائمة في ذاتها استطاعت أن تعوّق مركز القرار الدستوري في البلاد أي مجلس الوزراء وأن تعطّل كل شيء، ثم انتقلت لتصبح بعد التمديد ـ الكارثة السلطة الفعلية التي تحكم بواجهة مدنية على غرار الحكومة الأخيرة التي ترأسها الرئيس عمر كرامي والتي ضمّت ممثلين "مدنيين" عن كل الأجهزة اللبنانية السورية أو ما يسميه الزعيم المعارض وليد جنبلاط "الجهاز المشترك اللبناني ـ السوري". وإذا كانت قدرة الحكومة على الإمساك بالقرار السياسي متعذرة قبل الآن، فكيف يمكنها ذلك بعد جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، حيث هذه الأجهزة متهمة هي وواجهاتها السياسية بالتحريض وبتهيئة المناخ للقتل ومتهمة بعد الجريمة الإرهابية بالتغطية والتضليل؟
رابعاً ـ ترى المعارضة إذاً ان تحرير المركز الدستوري للحكم يمرّ بتحقيق الشروط التي تدعو اليها، وذلك ليس من أجل أن تحكم هي نفسها أو أن تشارك في الحكم، بل من أجل استعادة مقوّمات حكم سيادي بالفعل.
أزمة الحكم
خامساً ـ وتقول المعارضة ان السلطة القائمة دخلت باستقالة حكومة عمر كرامي في أزمة حكم. ذلك ان كرامي كان "آخر الوجوه" السنّية التي يمكن أن تغطي الواقع الشاذ أو أن تتعايش معه، وإذا أرادت السلطة تشكيل حكومة بمعزل عمّا تطالب به المعارضة فلن تستطيع، وإذا "استطاعت" فلن تجد أمامها إلا تحكيم صغار الأجهزة مباشرة. والمعارضة لا تعتبر من مهامها أو من مسؤوليتها إنقاذ هذه السلطة من أزمة الحكم. وينطلق موقفها الأخير هذا، أي عدم الاستعداد لإنقاذ السلطة من أزمة الحكم التي تتخبّط فيها، من قناعة بأن أزمة الحكم اليوم ليست مرادفاً لأزمة وطنية في حدّ ذاتها أو عنواناً لصراع أهلي آت، في وقت تقدّر المعارضة ان ثمة وحدة وطنية تظلل موقفها السياسي وان ثمة فرصة لتصحيح الوضع باتجاه استعادة الحياة السياسية والدستورية الى سياق طبيعي.
المعارضة تطرح دفتر المفاوضات في الاستشارات
من هنا، فإن المعارضة ليست على استعداد لتقديم خدمات كي تنقذ السلطة نفسها في مقابل استعدادها (المعارضة) لتسهيل معالجة الأزمة العامة فتأتي حكومة جديدة في سياق هذه المعالجة.
يخطئ إذاً في نظر المعارضة من يعتقد ان بيانها يضمر غير ما يعلن، على اعتبار ان ما تطرحه هو بمثابة "دفتر شروط" لقيام الحكومة الجديدة، طالما ان أي حكومة جديدة لا يمكن أن تتشكّل غير مأذونة من المعارضة، وطالما ان الظروف على غير صعيد لا تجعل هذه الشروط مستحيلة التحقيق بالمطلق.
وإذا كان ثمة من يعتقد أن موافقة المعارضة على الذهاب الى الاستشارات النيابية عند تحديد مواعيدها، هو مؤشر على موافقتها على الدخول في المسار التقليدي، أي تسمية رئيس مكلّف ثم البحث مع هذا الرئيس المكلّف في تركيبة الحكومة وحقائبها، فإنه يخطئ التقدير لأن الوفد النيابي المصغّر الى الاستشارات سيبلغ رئيس الجمهورية الشروط وبناء على التبليغ وردّ الفعل، يبنى على الشيء مقتضاه، أي ان المعارضة تعطي نفسها والآخرين فرصة استيعاب معنى سقوط حكومة كرامي ودلالاته. وأكثر من ذلك، إذا كان ثمة من يعتقد ان الموافقة على الذهاب الى الاستشارات في إطار محدّد، هو تراجع من المعارضة عن موقفها من "التمديد اللاشرعي واللادستوري" للحود، فإنه يخطئ التقدير أيضاً لأن الأمر هنا لا يتعلق باستشارات تقليدية بل بـ"تفاوض" على ترتيب عملية الانتقال من وضع الى وضع جديد، أي بمفاوضات على إنهاء حالة معينة.
استقالة لحود.. مطلب لا يزال مطروحاً
أما في ما يتصل بعدم ورود بند يدعو الى استقالة رئيس الجمهورية في بيان المختارة، فقد كان الزعيم المعارض وليد جنبلاط واضحاً في شرح أسباب ذلك، حيث أكد في هذا المجال على وحدة المعارضة، أي على الموقف الذي تنتجه محصّلة وحدة المعارضة.
والمعنى المباشر لذلك، هو ان ثمة من لم يوافق في الاجتماع على هذا البند، أو ان ثمة من راعى معطيات معينة، والمعنى أيضاً ان وليد جنبلاط "تنازل" من أجل الإجماع.
غير ان من قرأ تصريح جنبلاط بعد الاجتماع، يفهم أمرين: الأول هو ان البيان يحدّد الموقف المعارض بناء على معطيات "اللحظة" وليس بياناً أخيراً لا بيان بعده، والأمر الثاني هو انه "يمكن لاحقاً العودة الى رأيي بالنسبة الى استقالة رئيس الجمهورية" كما قال رئيس "التقدمي".
إذاً، من غير المستبعد أن تعود المعارضة الى التوحد خلف مطلب استقالة لحود، وذلك في ظرف محدّد. فما هو هذا الظرف؟
تجيب أوساط معارضة ان إمكان العودة الى رأي جنبلاط باستقالة الرئيس لحود، يتحدّد في ضوء تعاطي لحود مع المفاوضات المفترض أن تحصل، فإن هو رفض المفاوضات أو رفض الشروط أو رفض التزحزح، فإذ ذاك يصبح طرح ذهابه وارداً جداً، لانه يكون قد اتخذ قرار الإقفال النهائي أمام أي بحث وأكّد كونه عقبة في وجه الحلول والتسويات.
الحوار مع القوى الرئيسية
ومع ذلك، وفيما ترى المعارضة انها معنية ـ عبر الشروط التي صاغتها ـ بمعالجة مشكلة البلد وليس مشكلة السلطة وأزمتها، تعتبر ان الأهم هو الحوار الذي قرّرت القيام به مع "القوى السياسية ذات التمثيل الحقيقي" كما جاء في بيان المختارة، وهو الحوار الذي باشرته مع الرئيس نبيه بري والأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله. وتقول ان هذا الحوار هو الأهم لسببين رئيسيين، أولهما ان المجلس النيابي هو المؤسسة الدستورية غير المطعون في شرعيتها والتي في وسعها "تشريع" المخارج، وثانيهما ان الاتفاق الذي يمكن أن ينتج من الحوار يصبح برنامج الحكومة الانتقالية المنشودة، طالما ان تشكيل الحكومة الجديدة لا يمكن ـ خصوصاً هذه المرة ـ إلا أن يكون مسبوقاً بالتفاهم على مهامها... باتجاه خلق الظروف المناسبة لإعادة تشكيل السلطة طبيعياً وديموقراطياً.
إذاً، قبل حصول تطورات باتجاه ما تطرحه المعارضة، لن تكون حكومة جديدة على الأرجح، فهل تنشأ تطورات ما خلال الأيام المقبلة تسهّل المخاض؟ أم ثمة من يمكنه أن يحقق اختراقاً للأفق الذي يبدو مسدوداً حتى إشعار آخر؟ وهل من "يعقِل" حقيقة ان الاختراق لا بد له من تنازلات "مؤلمة" من قبل "السلطة" لاختصار آلام لبنان واللبنانيين وتأمين الانتقال الهادئ الى مرحلة جديدة؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00