ماذا بعد سقوط حكومة الرئيس عمر كرامي تحت ضغط الاحتجاج الشعبي العارم على جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري؟
غنيّ عن القول أن سقوط الحكومة في الشارع والذي أدى الى تقديم الاستقالة، يعني بادئ ذي بدء أن "السلطة" دخلت في ما يمكن تسميته "أزمة حكم" وشهدت انهياراً للغطاء السياسي للحكم الاستخباراتي، الأمر الذي فتح الوضع اللبناني على ظرف استثنائي بكل معنى الكلمة، وأن هذا الظرف الاستثنائي لا يعالج بطريقة تقليدية.
لقد تصرّفت المعارضة بعد سقوط الحكومة بهدوء وعقلانية. سجّلت الإنجاز المتحقّق وقال الركن الأبرز فيها وليد جنبلاط أن الخطوة التالية هي التعقّل.
والتعقّل هنا، هو وعي حقيقة أن البلاد دخلت في مرحلة انتقالية واستثنائية في آن، وأن المرحلة هي انتقالية بمعنى التوجه نحو إعادة تشكيل السلطة بمناخ سلمي وديموقراطي.
وكي يتم ذلك، لا بد من خطوات تمهيدية مطلوبة من دمشق على اعتبار أن ما جرى أول من أمس هو استقالة الواجهة المدنية للحكم الأمني ـ الاستخباراتي، وهو أن كرامي شكّل "كبش المحرقة" للحكم الأمني ـ الاستخباراتي، الذي يأتمر بأوامر سوريا.
استقالة قادة الأجهزة وإعلان سوري بالانسحاب
الخطوة الأولى على الطريق هي استقالة قادة الأجهزة الأمنية الذين وردت أسماؤهم في بيان نواب كتلة "قرار بيروت" و"تيار المستقبل"، وهذا يقتضي من سوريا أن تطلب منهم ذلك. والخطوة الثانية هي إعلان سوري واضح عن انسحاب كامل من لبنان ـ عسكري واستخباراتي ـ وفقاً لاتفاق الطائف، وأن تنفذ مرحلة أولى من هذا الانسحاب نحو البقاع سريعاً.
إذاً، ان المعنى الفعلي لاعتبار المرحلة انتقالية واستثنائية، هو إقدام دمشق على هاتين الخطوتين المتلازمتين، بما يساعد لبنان على اجتياز المرحلة بـ"سلاسة" وبأجواء طبيعية. كما أن المعنى الفعلي، هو أن لا قيمة لمبادرة رئيس الجمهورية الى تعيين مواعيد للاستشارات النيابية. ذلك أن المعارضة تميل الى رفض المشاركة في استشارات لتشكيل حكومة جديدة فيما الحكومة في مكان آخر، في الحكم الأمني ـ الاستخباراتي، ولا معنى لتشكيل حكومة في هذا الظرف الاستثنائي، وبعد 14 شباط واغتيال الرئيس الحريري إذا لم تكن هذه الحكومة قادرة على أداء مهمتها في الفترة الفاصلة عن الانتخابات وهي المهمة المحدّدة بالعناوين الثلاثة الآتية: رعاية التعاون مع التحقيق الدولي في جريمة الاغتيال أولاً، الإشراف على انتخابات حرة نزيهة تعيد الاعتبار للسياق الطبيعي الديموقراطي لإنتاج السلطة في لبنان، وتنبثق عنها عملية إعادة تشكيل السلطة ثانياً وتنسيق الانسحاب السوري العسكري ـ الاستخباراتي نحو البقاع سريعاً، ثالثاً.
تعقّل المعارضة والمسار المطروح لعدم المقاطعة
ان التعقّل الذي دعا إليه جنبلاط وأركان المعارضة يعني مساراً محدداً:
أولاً ـ استقالة قادة الأجهزة الأمنية.
ثانياً ـ موقف سوري بالانسحاب الكامل من لبنان، ذو محطة أولى مباشرة وفورية نحو البقاع.
ثالثاً ـ استعداد لحوار مع دمشق يلي الخطوتين السابقتين حول المساهمة السورية في الاستقرار والهدوء في البلاد.
رابعاً ـ تفاهم سياسي ـ وطني على اسم رئيس الحكومة الانتقالية الحيادية وتشكيلتها، يمكن ترجمته دستورياً.
خامساً ـ انتخابات حرة ونزيهة وديموقراطية.
سادساً ـ مجلس نيابي جديد وحكومة اتحاد وطني تتعهّد تنفيذ اتفاق الطائف بحذافيره.
وخارج هذا المسار، لا ترى المعارضة فائدة من الاستشارات، وليؤلف الحكم الأمني ـ الاستخباراتي عندئذ الحكومة التي يريد، لكنها ستكون كسابقتها فاقدة الشرعية الدستورية والسياسية، إذ لا يمكن لانتخابات حرة أن تشكّل مصدراً لإعادة تشكيل السلطة مع عدم توافر الشروط الآنفة، والمعارضة تعتبر أن الأخذ بالمسار الذي تقترحه لا يؤسس لفراغ، وتلفت النظر الى أن لا مسار استثنائياً بديلاً في الظرف الاستثنائي القائم.
الموقف السوري بين الأسد والشرع
لا تملك المعارضة تقديراً نهائياً لما يمكن أن يكون عليه الموقف السوري. وتقول أوساطها أنه إذا تم الأخذ بتصريحات وزير الخارجية السوري فاروق الشرع، يُستنتج أن الكلام عن التزام دمشق باتفاق الطائف مـُبهم ولا يتضمن إعلان نية صريحة بالانسحاب. أما إذا أخذ بكلام الرئيس بشار الأسد والذي يقول أن سوريا ستأخذ وقتها لسحب قواتها من لبنان، فإنه كلام "صدامي". لكن، إذا استمعت سوريا الى صوت التعقّل الذي تطلقه المعارضة التي ترفض التصرّف بطريقة انتصارية وتعلن أنها لا تسعى الى استفزاز سوريا أو تحدّيها، وإذا قدّرت سوريا أن ثمة فرصة حقيقية لتصويب العلاقات مع لبنان، فإذ ذاك يمكن الظن بإمكانية أن تمر المرحلة الانتقالية بيُسر. والأهم أن سوريا إن هي "لاحظت" أن توازن القوى السياسي في لبنان يرجح لصالح المعارضة ما يجعلها المحاور الرئيسي، ستجد لدى المعارضة عقلاً منفتحاً، خاصة بعد انهيار الغطاء السياسي المحلي للحكم الأمني ـ الاستخباراتي برحيل حكومة كرامي.
وإذا كانت المعارضة تعتبر أن الضغوط الدولية آخذة في التصاعد، فإنها لا تزال ترى أن التعاطي السوري إيجاباً مع تطورات الوضع اللبناني، سيسهّل كثيراً على اللبنانيين اجتياز الممرّ الانتقالي.
الحكومة العسكرية انقلاب
وتقول أن الحديث المتواتر عن تشكيل حكومة عسكرية يشكّل إمعاناً في سوء التقدير. ففضلاً عن كون الحكومة العسكرية تنصيباً رسمياً لقادة الأجهزة، فإن هذه الحكومة لا مكان لها بعد الطائف، وستكون انقلاباً إضافياً على الطائف وعلى الدستور، وستعني إمعاناً في الخطأ "القاتل" الذي بدأ مع قرار التمديد، وستفيد أن قراراً من هذا القبيل لم يستوعب أصحابه أن ما قبل استشهاد رفيق الحريري ليس مثل ما بعده. والأهم أن الهروب الى الأمام لن يزيد الشارع إلاّ التفافاً حول المعارضة.
الحوار مع قوى خارج المعارضة
على هذه الخلفيات جميعها، وفيما لم يحصل أي تواصل بين المعارضة ودمشق بعد التطورات الأخيرة في انتظار تبلور وجهة القرار السياسي السوري، تؤكد أوساط المعارضة أنها مهتمّة بحصول حوار في العمق بينها وبين قوى رئيسية ليست في المعارضة، لا سيما مع "حزب الله" الذي تكرّرت دعوته الى هذا الحوار من قبل الزعيم المعارض وليد جنبلاط وأركان آخرين في المعارضة، وكل ذلك بتفاهم وتنسيق بين رئيس "اللقاء الديموقراطي" والبطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير. وترى أن خطابها وسلوكها السياسيين يفترض أن يطمئنا الحزب الذي كان أداؤه في الأيام العصيبة الماضية هادئاً وعاقلاً أبقى الجسور مفتوحة مع المعارضة، وكل ذلك في سياق تقدير مشترك بأن المطروح في العمق اليوم هو مصير وطن بكامله لا تعتبر المعارضة أنها تختصره، بل تؤكد أن لا بد له من شراكة سياسية ـ وطنية يعاد تأسيسها.
ومع ذلك، وبعيداً عن استخدام "المنطق" الذي يَفترِض أن يكون قراءة المعطيات والتوازنات واحدة عند الجميع، لا مفرّ من الاعتراف بأن الساعات والأيام... وربما الأسابيع المقبلة هي الأخطر في حياة البلد.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.