كلّما احتدم الصراع في البلاد حول عناوين الحرية والاستقلال والديموقراطية، برز إلى الواجهة السؤال عن موقع الشيعة في هذا الصراع، حيث يبدو الشيعة بتمثيلهم السياسي الراهن موضع تجاذب بين "السلطة" والمعارضة، مع انحياز لا يخفى على أحد للشيعية السياسية إلى "السلطة" بما هي مركز القرار في دمشق.
وفي معرض نقاش هذه الواقعة ـ الإشكالية، وفي سياق التساؤل عمّا إذا كان ثمة ما يبرر هذا الانحياز"ضدّ" المعارضة، تجري أوساط متابعة نوعاً من المقارنة بين خطاب "السلطة" من ناحية وخطاب المعارضة من ناحية ثانية بالنسبة إلى "حزب الله" والمقاومة.
مقارنة بين خطابَي "السلطة" والمعارضة
في خطاب "السلطة" أولاً، ينتقل الموقف بسرعة هائلة من التأكيد على دعم المقاومة واستمرارها ـ بعد المرور باتهام المعارضة بالتآمر عليها ـ إلى السؤال عمّن يجرّد "حزب الله" من سلاحه إذا انسحب الجيش السوري من لبنان.
أما في خطاب المعارضة، إذا ما تمّ الأخذ بمحصلته الفعلية، فثمة نقاش ـ أو سجال ـ مع "حزب الله" حول إمكان استمرار المقاومة وجدواها "بعد الآن" في ظل الظروف الإقليمية والدولية ـ واللبنانية أيضاً ـ مع استعداد لدى بعض رئيسي من المعارضة لـ"تفهم" مسألة مزارع شبعا. لكن في المقابل، تعلن المعارضة انها على قناعة بضرورة تسييج "حزب الله" بحماية سياسية وطنية في وجه الاستهدافات الخارجية على أساس انه فريق مارس المقاومة بإجماع لبناني، ولا يعني للبنانيين ما يعنيه للولايات المتحدة.
ليس في هذه المقارنة أي تبسيط. وبنتيجتها، تعتبر الأوساط المتابعة ان تعاطي "السلطة" يوحي بأن "الموقف المبدئي" (!) من المقاومة يتحوّل بسرعة نحو اعتبار المقاومة "سلعة" للمقايضة، ونحو عرضها على "مذبح" المساومات والصفقات. أما المعارضة فتعاطيها سياسي منسجم بين جملتها الأولى وجملتها الأخيرة، ويعرض الشراكة السياسية.
طبعاً، ليس بالضرورة أن يكون "حزب الله" محكوماً بالمفاضلة بين خطابين، والأصح القول انه ليس مجبراً على التسليم بخطاب المعارضة، وقد تكون له قراءته للواقع الإقليمي ـ الدولي ولـ"حدود" التكيّفات التي تفرضها عليه.. لكن تحت سقف الاعتقاد بإمكان استمرار المشروع المقاوم. بيد ان ما يدعو الأوساط إلى الاستغراب إلى حدّ كبير هو عدم إظهار "حزب الله" أي ارتياب من طرح "السلطة" وطريقة تناولها لموضوعه.
الحريري وطرحه مع نصرالله
بطبيعة الحال، قد تكون علاقة "حزب الله" بالركن الأبرز في المعارضة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط مأزومة الآن بفعل تراكم مجموعة من "الالتباسات"، وإن كان ذلك لا يمنع من الشهادة لجنبلاط بأنه حتى في لحظات ممارسة الضغط على الحزب لـ"الانضمام" إلى معركة المعارضة، يشغله أمر العلاقة بالحزب والحرص على حمايته. والمؤكد ان علاقة "حزب الله" بعدد غير قليل من قيادات المعارضة المسيحية محكومة إلى "ظنون" ومجموعة من "الاشتباهات".. والمخاوف من عودة "المارونية السياسية" إلى الحكم، حتى ولو كانت هذه المخاوف لا تستند إلى معطيات موضوعية. لكن المعروف، أو ما بات معروفاً هو ان علاقة الحزب بالرئيس الشهيد رفيق الحريري كانت تنمو وتتطور في الأشهر الماضية قبل جريمة اغتياله.
فإذا أخذ الرئيس الشهيد نموذجاً في المعارضة، يحضر السؤال: ماذا كان طرحه مع قيادة "حزب الله"؟.
والرئيس الشهيد لم يكن مجرد نموذجاً في المعارضة، ولم يكن مجرّد فريق يمكن التساؤل عن تأثيره فيها، لأنه كان المعارضة بمعنى أن موقعه هو الحاسم في قدرتها على تولي زمام الأمور في البلاد.
الطائف والديبلوماسية والوفاق الوطني
لم يعد خافياً، سواء بعد كلام الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله الذي كشف فيه بعضاً من فحوى اللقاءات التي جمعته بالشهيد، أو بعد كلام السفير الإيراني في باريس في صحيفة "الحياة" قبل أيام والذي كشف فيه فحوى آخر محادثة له مع الرئيس الشهيد، ان طرح الرئيس الحريري كان يستند إلى الأسس الآتية:
1 ـ اتفاق الطائف بما هو مرجعية لمصير الوجود السوري في لبنان من جهة، وبما هو مرجعية للصيغة الداخلية من جهة ثانية، أي الفصل بين اتفاق الطائف والقرار 1559، بمعنى تنفيذ الطائف لـ"مواجهة" الـ1559، أو للتعامل معه بطريقة مختلفة.
2 ـ التحرك الديبلوماسي باتجاه أوروبا بشكل رئيسي بهدف الحؤول دون إدراج "حزب الله" على ما يسمّى "لائحة الإرهاب"، وهو تحرك يجب الاعتراف بأنه أعطى ثماره.
3 ـ الإعلان الواضح من قبل الرئيس الشهيد عن ان المقاومة وسلاحها أمانة في عنقه، وانهما شأن لبناني لا بدّ من حسمه في إطار وفاق وطني لبناني أو إجماع لبناني.
هذا الطرح الذي كان القائد الواقعي للمعارضة يتبنّاه، ينطلق من أسس وقناعات راسخة، ومن "محاولة" القول لحزب الله انه أياً يكن مستقبل الوجود السوري في لبنان، فإن الضمانة اللبنانية للحزب يجب أن تتوافر. ولعلّ الرئيس الشهيد كان يتقاطع هنا مع الموقف الإيراني الذي أشار إليه سفير طهران في العاصمة الفرنسية محمد خرازي، وهو ان الجمهورية الإسلامية تدعم سوريا في مواجهة إسرائيل لكنها لا ترى استمرار الوجود السوري في لبنان ضرورياً، وأن مستقبل المقاومة شأن وطني لبناني يجب الحرص عليه.
وفي اعتقاد الأوساط المتابعة ان استشهاد الرئيس رفيق الحريري يجب ألا ينهي البحث، وأن موقفه يشكّل نقطة انطلاق لبحث متجدّد مع المعارضة وأركانها الذين يتبنّونه. وتضيف الأوساط ان "حزب الله" كان ولا يزال معنياً بحوار أحد عنوانيْه المعادلة التي طرحها الرئيس الحريري، وعنوانه الثاني يتعلق بالالتزامات التي يمكن للبنان أن يتحملها ويجب أن يتحملها حيال الصراع العربي ـ الإسرائيلي ومعادلاته، وهذا أمر يعني "حزب الله" لكنه يعني غيره أيضاً.
جنبلاط ونداؤه إلى السيّد
إذاً، ليس في واقع المعارضة ومحصّلة خطابها ما يبرّر لحزب الله سلبيته حيالها، وليس فيهما ما يبرّر عدم وجوده في صميم معركة الحرية واستقلال القرار السياسي والديموقراطية، كما ليس مفهوماً "اقتطاع" هذا الجزء الرئيسي من الوطن ـ أي الشيعة ـ من المعركة كما تقول الأوساط نفسها التي تضيف ان هذا ما عناه تماماً الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط حين نادى السيّد نصرالله بأنه "اللبناني الأول في معركة التحرير" ودعاه إلى أن يكون "اللبناني الأول في معركة الحرية والديموقراطية"، خاصة عندما يكون الحزب في مقدّم المفترض انهم بأمسّ الحاجة إلى الديموقراطية في المرحلة السياسية المقبلة.. إلا إذا كان للحزب تقدير مختلف لموازين القوى.
وتعتبر الأوساط ان من شأن عدم استجابة "حزب الله" إلى حوار يبدأ من حيث انتهى الحوار بين الرئيس الشهيد رفيق الحريري والسيّد حسن نصرالله، إبقاءه في دائرة الانقسام وخارج الوحدة الوطنية المتجسّدة في المعارضة، وذلك بما لا يرغب فيه بالتأكيد، في حين ان ثمة فرصة لإجماع وطني حول قضايا عدّة.
الشيعة في قلب المعركة
والأمر الأهم، هو ان الشيعة اللبنانيين، الذين كانوا لجملة عوامل واعتبارات خطّ التماس مع الصراع العربي ـ الإسرائيلي، منها الجغرافيا ومنها العقائد، وقد كانوا الخزّان لكل الحركات التحررية في لبنان، لا يمكنهم الآن أن يبقوا على هامش معركة الحرية والديموقراطية، وهي المعركة "الصنو" لمعركة التحرير. والشيعة اللبنانيون الذين أعطوا المساهمة الرئيسية في استقلال لبنان بطردهم الاحتلال الإسرائيلي من الجنوب، نيابة عن اللبنانيين وبمباركتهم، لا يمكنهم أن يكونوا خارج التأسيس المتجدّد للوطن، بالحرية والديموقراطية، ولا يمكنهم أن يكرّروا خطأ تاريخياً بأن يكونوا في موقع القلب من كل المعارك الرئيسية وأن يغيبوا في لحظة "التسوية التاريخية". والمزاج الشعبي الشيعي لا يمكن أن يتقبل أن يكون الشيعة "محسومين" من المعركة الحالية ومتفرجين على ما تمارسه الشيعية السياسية السائدة.
هذا ما تختم به الأوساط المتابعة عند هذا المفترق الذي يمرّ فيه الوضع اللبناني.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.