في اجتماع النواب المعارضين في المختارة أول من أمس، أعادت المعارضة صوغ أولوياتها بشكل أكثر تحديداً ووضوحاً، في ضوء التطورات الأخيرة وما تلى جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
المنطق يقول ـ وليس منطق المعارضة فقط ـ ان اغتيال الرئيس الحريري جريمة لا يمكن "ضبّها" أو "لفلفتها"، وإن المطلوب كشف المحرّضين والمنفّذين بأقصى سرعة. وكي يتمّ إنجاز هذه الأولوية بسرعة لتمكين الوضع السياسي بعد ذلك من استئناف دورته العادية، لا مفرّ من إقالة قادة الأجهزة الأمنية، إن لم يكن لضلوع بعضهم في الجريمة أو في حماية القتلة، فعلى الأقل بسبب تقصيرهم في منع حصول هذه الجريمة، وبسبب المسؤولية الوظيفية التي تقتضي أن يستقيل المسؤول عن مهمة إن هو فشل في تحمّلها أو أن تتمّ إقالته. وكي يُقال قادة الأجهزة الذين يخدمون "سلطة" في موضع الاتهام، لا بد من حكومة انتقالية حيادية تمسك بالقرار السياسي والأمني وتوحي بالثقة للبنانيين من جهة وللمجتمع الدولي من جهة ثانية.
المنطق متسلسل إذاً ويقود الى نتيجة واحدة، وهي أن كل أمر يرتبط مباشرة بالأمر الثاني، والأمور جميعاً تتكثّف عند نقطة واحدة: لا يمكن الاستمرار بـ"السلطة" القائمة، ولا بد من قيام سلطة انتقالية حيادية تطلب من دمشق الانسحاب العسكري والمخابراتي نحو البقاع بسرعة إن لم تبادر العاصمة السورية بنفسها الى ذلك، كي تجري انتخابات حرة ونزيهة بعد ذلك، كمحطة نحو انسحاب كامل بعد الانتخابات مباشرة.
لا تخطئ المعارضة إذاً في اعتماد سلّة أولويات مترابطة ومتكاملة، لأن الأمور انتقلت بعد اغتيال الحريري الى مكان آخر، مِن بداية النقاش في قانون الانتخاب وبحث في العملية الانتخابية ومقتضياتها السياسية والتقنية المباشرة الى البحث في أي ظروف لأي انتخابات.
وعلى هذا الأساس، قرّرت المعارضة أن يذهب نوّابها الى جلسة الثامن والعشرين من شباط في ساحة النجمة، ليطلبوا سحب الثقة من الحكومة، المقصّرة في أحسن الأحوال، والمتّهمة في جميع الأحوال. وتخطئ "السلطة" إن هي اعتقدت أن المسألة تواجه بالأسلوب العادي، أي جلب النواب بالقوة للتصويت على الثقة بالحكومة.
تحدّي رفض استقالة الحكومة
ان ما بعد رفيق الحريري غير ما قبله.. وهذا ما ينبغي أن يدركه الجميع. ومع ذلك فإن "السلطة" التي تعاملت مع استشهاد الرئيس الحريري بوصفه حدثاً عادياً، تذهب في التصعيد الى الحد الأقصى:
أولاً ـ رفض استقالة الحكومة قبل جلسة الإثنين المقبل، وخروج الرئيس عمر كرامي بـ"تحدّي" المعارضة أن تطرح الثقة بحكومته في المجلس النيابي، وخروج الرئيس نبيه بري بـ"تحدّي" ما سمّاه "اللعبة الديموقراطية" وهو العارف سلفاً أنها اللعبة المعطّلة منذ سنوات، والتي تطالب المعارضة باستعادتها أصلاً. وقد يكون في ظنّ الرئيسين أن الأمور تنتهي يوم الإثنين بـ"تمديد" الثقة بالحكومة، فيعود المجلس النيابي بعد ذلك الى إقرار قانون الانتخاب وتنطلق العملية الانتخابية كأن شيئاً لم يكن.
كرامي يتصدّر التهديد
ثانياً ـ وإذا كان رفض "السلطة" استقالة الحكومة، يمثّل رداً تصعيدياً على مطالبة المعارضة بإقالتها، فإن التصعيد لا يقف عند هذه الحدود. فكرامي استحضر أمس الخطاب السياسي نفسه الذي اعتمد طيلة السنوات الماضية لتبرير عدم تنفيذ اتفاق الطائف، بالقول أن "الانسحاب السوري الفوري من لبنان يؤدي الى هزّ الاستقرار في البلد"، مضيفاً أن "إخراج سوريا بالتحدّي والاستفزاز والشتائم لا يتيح للبلد أن يرتاح أو يستقرّ". وإذا كان كلام كرامي هنا يتّهم المعارضة بـ"استفزاز سوريا وشتمها" مرتكباً مغالطة أولى فيما تصرّ المعارضة على أن يكون الانسحاب السوري بموجب الطائف، أي نحو البقاع مباشرة ثم بسرعة نحو الأراضي السورية، وإذا كان كلامه ينطوي على تهديد بالفوضى أيضاً، فإن أغرب ما فيه تناقضه مع إعلان وزير دفاعه عبدالرحيم مراد أن القوات السورية ستنتشر "خلال ساعات" الى البقاع.
ثالثاً ـ ومن دمشق، جاء الموقف السوري على لسان "نائب وزير الخارجية وليد المعلّم"، ليعبّر عن "حرص سوريا الشديد على التعاون" مع المبعوث الدولي تيري رود ـ لارسن، وعن تأكيد "الالتزام بتنفيذ اتفاق الطائف والاتفاقات الثنائية بين لبنان وسوريا"، وليشدّد على أن "ما قامت به سوريا من انسحابات مهمة وما ستقوم به لاحقاً سيتمّ بالاتفاق مع لبنان على أساس الطائف وآلياته".
غير أن اللافت في الموقف السوري هو التهديد بأن "استمرار تعامل البعض داخل لبنان وخارجه باستفزاز وتحريض ضدّ سوريا ولبنان من شأنه أن يؤدي الى حصول تطوّرات سلبية تلحق الضرر بمصالح جميع الأطراف المعنية وخصوصاً بالطرف اللبناني (..)".
"الكلمات المتقاطعة"
رابعاً ـ بين رفض "السلطة" استقالة الحكومة لفتح مسار سياسي جديد، وبين رفض كرامي "الانسحاب السوري الفوري"، وإعلان مراد عن إعادة انتشار الى البقاع، ثم إشارة دمشق الى انسحابات ستقوم بها مرفقة بالكلام عن استفزاز وتهديد بتطورات سلبية، يُطرح سؤال هو الآتي: ماذا تعني هذه "الكلمات المتقاطعة"؟
أ ـ ان المواقف المتناقضة شكلاً، تعني أن إعادة انتشار سورية ما ستحصل حيث لا يشير السفير المعلّم الى مداها في المباشر، مع "تشبّث" بالبقاء في البقاع على الأرجح، وإقفال الباب حتّى اشعار آخر أمام تفاوض على الانسحاب الكامل في غضون فترة معيّنة، في انتظار ما ستسفر عنه الاتصالات العربية والدولية.
ب ـ ولا تتضمّن المواقف أي إشارة الى سحب القوات الاستخباراتية، وفي ذلك تجاهل للأمر الأكثر خطورة في الوجود السوري في لبنان.
ج ـ وعلى الأرجح أيضاً أن إبقاء الحكومة الحالية، له وظيفة التغطية على انتشار استخباري بصيغة معيّنة، ولوضع الاتفاق مع هذه الحكومة بالذات بصيغة أمر واقع.
د ـ وتنطوي هذه المواقف على تهديد بالفوضى، أي إعادة الانتشار بالتزامن مع تهديدات شبه مباشرة بالفوضى، الذي يعني بالتركيبة الأمنية اللبنانية القائمة إدارة فوضى خطيرة "ضدّ" الوضع اللبناني من ناحية وفي مواجهة الموقف الدولي من ناحية ثانية، لا يستبعد معها الاقدام على افتعال أحداث خطيرة.
هـ ـ وقد يكون الأمرُ أقلّ من ذلك، أي مجرّد "أسلوب" لتغطية الانسحاب، ولمخاطبة اللبنانيين بأن كفّوا عن "مطاردة" مسألة الانسحاب، وقد يكون نوعاً من التهويل.. لكنّه في جميع الأحوال مثير للقلق.
تنظيم "خطوط الدفاع"
إذاً، في موازاة "التراجع الاضطراري" أمام الضغوط العربية والدولية لحصول انسحاب سوري من لبنان، وبالتزامن مع هذا "التراجع"، ثمة إعادة تنظيم لـ"خطوط الدفاع" تقوم على تفسير الطائف على نحو يجري معه تأكيد أن البقاع اما انّه محطّة أخيرة وليست أولى، وإما ان الاقامة فيه ستطول أكثر مما يُتصور. وتقوم على تنفيذ الانسحاب بشكل معيّن في ما يتعلّق بالجوانب الأمنية، وربما إبقاء مفارز استخباراتية بطريقة سرية، والتهديد بالفوضى، والتمسّك بالحكومة لـ"التغطية"، أي مع التراجع "المنظّم" تصعيد سياسي يلامس الخطورة القصوى من جوانب عدة.. هذا ان لم يبدُ بسرعة أنّ التهديد لا يعدو كونه طريقة "عسكرية" لتغطية الانسحاب بـ"النار".
لا شك أن المعارضة التي تحسن قراءة "الكلمات المتقاطعة"، كانت ولا تزال تفضّل قراراً سورياً سياسياً كبيراً يُسقط من يد الدول الكبرى و"المجتمع الدولي" أسباب تصعيد الضغوط على سوريا ولبنان، و"يفتح" على الداخل اللبناني في المقابل، في الوقت الذي يستمر التصعيد بمبادرة سلطوية. غير أن ما يحصل وما توحي به المواقف المعلنة يبدو انه في اتجاه معاكس، أي أنه يُراد للبلد أن يدفع الثمن باغتيال الرئيس الحريري ثم بإدخاله في نفق من التوترات ومن التلويح بالدم.
و"المشهد اللبناني"، على هذا الأساس لا يزال في صميم أزمة، كلّما بدا أن ثمة ظرفاً موضوعياً لـ"تسويات" وأن ربع الساعة الأخير يمكن أن يشهد تفاهمات لمصلحة لبنان وسوريا، كلّما بدا في المقابل أن ثمة إصراراً سلطوياً على مزيد من التصعيد.. والمؤسف أن "السلطة" تتصرّف في السياسة وكأنها لعبة ملاكمة وليست علماً و"فنّاً" وتوازنات واحترازات وتسويات.
ولذلك من حقّ اللبنانيين أن يخشوا على بلدهم في الأيام التي تفصل عن جلسة البرلمان التي يخشى من تحوّلها من "مشروع حلّ" الى "مشروع تفجير"، وفي الأيام التي تلي هذه الجلسة. هذا مع العلم أن بعض العقلاء لا يزالون يأملون في أن يشكل الانسحاب السوري نحو البقاع إذا حصل خلال اليومين المقبلين، وإذا ظهر أن الكلام "التهديدي" ليس سوى "أسلوب" ولا ينطوي على ما هو أكثر من ذلك، محطة لالتقاط الأنفاس.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.