أطلق الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله من منبر عاشوراء أول من أمس، دعوة متجددة الى الحوار، استوقفت الأوساط السياسية عموماً، والمعارِضة منها خصوصاً، والتي لاحظت الحرص الذي يبديه السيد نصرالله على إنقاذ البلاد من المحنة التي تواجهها والتي يرى أنها متّجهة نحو مزيد من الخطورة. وسجّلت الأوساط بخصوص هذه الدعوة ـ المبادرة الملاحظات الرئيسية الآتية:
"حزب الله" والتمايز المطلوب
أولاً ـ لا شك، من وجهة نظر الأوساط المعارِضة، أن السيد "يحاول" من جديد تقديم موقع "حزب الله" في الصراع الطاحن الذي تشهده البلاد، بوصفه موقعاً يستطيع أن يكون في "الوسط" أو طرفاً ثالثاً يمكنه أن يبادر بين طرفي الصراع أي السلطة والمعارضة.
وتقول الأوساط أنها تستخدم هنا تعبير "يحاول" على اعتبار أن "حزب الله" هو من جهة الفريق اللبناني الذي تنظر إليه المعارضة على أنه "غير الآخرين" خارجَ المعارضة لكنه من جهة ثانية غير محايد بمعنى أنه الفريق اللبناني الوحيد الذي يكتسب "معنى" الذي لا يزال قادراً على تغطية السلطة سياسياً ولا يزال قابلاً بذلك. وبكلام آخر، إن الحزب الذي لم ينزلق الى حملات ضد المعارضة، ويحرص أمينه العام شديد الحرص على رفض مفردات التخوين ضد الآخر، ويحرص كذلك على الاعتراف بأن للمعارضة نفوذاً سياسياً في البلد، لا يحدّد في المقابل نقاط التمايز بينه وبين سائر "الموالاة" التي اجتمعت في "عين التينة".
ثانياً ـ وتفترض الأوساط المعارِضة أن في بعض ما تطرحه من عناوين مصلحةً لحزب الله يفترض أن ينحاز إليها، لا سيما ما يتعلّق بتفكيك النظام الأمني وأدواته، واستعادة النظام الديموقراطي. ومع ذلك فإنه لا يسجّل انحيازه الى هذه العناوين، وعلى الأرجح أنه يتعاطى معها بوصفها فرعاً من أصل، والأصل يراه الحزب مشروعاً غربياً تتبنّاه المعارضة في لبنان.
ثالثاً ـ وتضيف الأوساط المعارِضة أن ما تقدّم يشير الى أن صدق كلام السيد نصرالله على أهميته القصوى لا سيما لجهة إبراز الصوت العاقل والحكيم، لا يعطي للدعوة ـ المبادرة التي أطلقها أفقاً رحباً إذا بقيت هذه الدعوة ـ المبادرة ضمن حدودها العامة الحالية.
معارضة وسلطة وليس معارضة وموالاة
رابعاً ـ وفي الذهاب الى المضمون، مضمون ما طرحه السيّد، حتى في إطاره "العمومي" الراهن، تلاحظ الأوساط نفسها أنه يتحدث عن موالاة ومعارضة وليس عن سلطة ومعارضة، ويضعهما ـ على نحو مفهوم منه الى حدّ معين ـ على قدم المساواة في المسؤولية عن الأزمة السياسية ـ الوطنية التي يعيشها لبنان. والحال أن الأمر ليس كذلك من وجهة نظر المعارضة التي ترى أن لا مساواة بين سلطة "تقتل" ومعارضة "مقتولة" ودماء شهدائها لم تجفّ بعد.. هذا إذا جرى افتراض أن المعارضة التي تتكلّم بصوت عال تمارس التصعيد، في حين أنها بالصوت العالي تفتح على المخارج، والذي جرى اغتياله قبل أسبوع، أي الرئيس الشهيد رفيق الحريري لم يكن يصعّد عندما جرى اصطياده قتلاً.
خامساً ـ وفي المضمون أيضاً، أن الدعوة ـ المبادرة التي أطلقها نصرالله، كان يمكن أن تكون هي نفسها بعد محاولة اغتيال النائب الوطني مروان حمادة ونجاته منها. أما اليوم فإن "الجديد" ليس تفصيلاً، فرفيق الحريري تحت التراب، ولا يمكن أن يكون قتلُه بلا ثمن. وهنا، لا تقترح الدعوة ـ المبادرة ثمناً تدفعه السلطة.
الثمن
والثمن عندما يكون القتيل هو رفيق الحريري وبحجمه، لا بد أن يكون كبيراً. وتقول المعارضة في هذا المجال أنها إذا كانت تقرّ بأن ما قاله السيد نصرالله جدّي لجهة تشديده على التعاطي المسؤول والسريع مع التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، وإنها إذا كانت تعترف له بوضع التحقيق الجاد في الأولوية، فإنها في الوقت نفسه ترى أن جدية التحقيق تكمن في حياديّته ونزاهته، وهذا ما لا يتوافر في التحقيقات اللبنانية التي ومنذ اللحظة الأولى لجريمة الاغتيال كانت موجهة باتجاه الحديث عن عمل انتحاري أصولي تارة وباتجاه مجموعة من المنية تارة أخرى. والمطلوب في هذا المجال، أن يعلن التحقيق الدولي الذي يشرف عليه الأمين العام للأمم المتحدة النتائج الحقيقية. وقبل ذلك، فإن الحوار لن يكون جدياً، لأنه لا حوار حول دماء الرئيس الشهيد كما تؤكد المعارضة.
سادساً ـ والثمن عندما يكون القتيل أقلّ قدراً من رفيق الحريري، هو أن تتحمّل السلطة المسؤولية السياسية حتى عندما لا تكون مسؤولة عن الجريمة. وفي تاريخ لبنان رؤساء حكومات استقالوا ووزراء استقالوا. فالرئيس الراحل صائب سلام قدّم استقالة حكومته في نيسان 1973 عندما اغتالت المخابرات الإسرائيلية القادة الفلسطينيين الثلاثة في فردان، وعندما لم يفلح في إقناع رئيس الجمهورية آنذاك الراحل سليمان فرنجية بمساءلة قائد الجيش. والرئيس الراحل الشهيد رشيد كرامي استقال في العام 1969 عندما وجدَ أن الانقسام اللبناني كبير حول الوجود الفلسطيني ولم تشكّل حكومة جديدة حينذاك إلاّ عندما وجدت "شبهة تسوية" تمثّلت باتفاق القاهرة.
إذاً، الثمن من شقّين: إعلان نتائج التحقيق النزيه ـ الدولي في هذه الحالة ـ ورحيل السلطة الحاكمة والانطلاق نحو سوريا لتطبيق الطائف، وقيام سلطة انتقالية وفاقية وهذا ما يستحق الحوار بين المعارضة والسيّد نصرالله.
لا حوار مع هذه السلطة
سابعاً ـ ان السلطة وبعد انتهاء الحوار "الرسمي" على الرئيس الشهيد رفيق الحريري، استأنفت الحملة على المعارضة، وقيل في أركانها كلام كبير داخل مجلس الوزراء الأخير، وتستعدّ لإنهاء الحزن الشعبي أمنياً.
ومَن استأنف الحملة هم رئيس الجمهورية داخل جلسة مجلس الوزراء، ورئيس الحكومة ووزير داخليّته خارجها. والبدع الجديدة تمثّلت في الحملة على الرئيس الفرنسي جاك شيراك من قبل الفرزلي ومراد اللذين اتهماه بأنه يقود معركة المعارضة ضد السلطة، وذهب الثاني الى حدّ التمييز بين واشنطن وباريس لمصلحة الأولى.
ثامناً ـ والسؤال الذي تطرحه المعارضة بعد ذلك هو: أي حوار قبل الثمن؟ ويليه سؤال ثان: الحوار بين المعارضة ومن؟ وحول ماذا؟
وتجيب بعض الأوساط المعارضة بأنها تتطلّع الى أن يلعب السيد حسن نصرالله بعدَ جلاء كلّ النقاط السابقة، دور الوسيط مع سوريا لإقناع القيادة السورية بخطوات ومبادرات تجاه لبنان، وساطة تتزامن مع حوار بين المعارضة و"حزب الله" يبدأ من حيث انتهت الأمور، علماً أن الأساس يتعلّق بما ستقدم عليه دمشق، وليس يتعلّق بـ"موالاة" لا معنى لها بذاتها، إذا ما استثني فرقاء قليلون.
تاسعاً ـ والمعارضة لا تقول أنه يجب توقّف العمل السياسي بعد استشهاد الرئيس الحريري، وهي التي تعلن أنها ماضية في تحرّكها السياسي. لكن ما لا يجب أن يحصل هو افتراض السلطة أنها تستطيع أن تستأنف أجندتها، ويجب قطع المسار الذي كان قائماً. فلا يمكن القبول بجلسة للجان النيابية تناقش قانون الانتخاب على دماء الرئيس الشهيد، إذ ما معنى انتخابات تجري تحت القتل والدماء أصلاً إن لم يجرِ قطع هذا المسار السائد سلطوياً؟
الثُغر
عاشراً ـ وتؤكد المعارضة أنها انطلاقاً من احترامها للسيد نصرالله وموقعيّته، وحرصاً على ألاّ تذهب صرخته هباء، تعرض ما تراه ثُغراً في آلية الحوار وديناميّته، وتشدّد على استعدادها للتواصل معه لردم هذه الثُغر، وتأمل أن يخرج الحزب من الاصطفاف القائم حالياً "تماماً"، وتأمل ألاّ تشكّل الملاحظات الآنفة سبباً لانتقال الحزب من اللهجة العاقلة الى النبرة العالية حيال المعارضة، لأنها تعتقد أن هذه اللهجة العاقلة الهادئة لا يمكن أن تكون إلاّ مقدّمة لتلمّس آفاق ما يمكن عمله اعتباراً من اليوم.
وبعد أسبوع من اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ترى المعارضة في ما خصّها، أن جلسة اللجان النيابية المشتركة اليوم يجب أن تُلغى، وبمبادرة من الرئيس نبيه بري، وأن التحقيق الدولي يجب أن يعطي نتائجه خلال هذا الأسبوع ليُبنى على الشيء مقتضاه، وعكس ذلك يعني إبقاء المعارضة تحت سقف القتل، فضلاً عن أن دماء الشهيد الحريري إذا ما أضيفت الى دماء مروان حمادة قبل أن ينجو، والى دماء النائب باسل فليحان الذي لا يزال يصارع الموت، تفيد (هذه الدماء) أن البلد لا يمكن أن يستأنف حياته بشكل طبيعي من دون عقاب "بما يطمئن الأهل والمحبّين والشعب اللبناني كلّه" كما قال السيد نصرالله.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.