8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الشهيد رجل التقاطعات والتسويات.. والشرعيّتين الشعبية والدولية

لم يكن الرئيس الشهيد رفيق الحريري في نظر قاتليه يمثّل فقط الركيزة الإسلامية للمعارضة، أي الحلقة الأقوى في إضفاء البعد الوطني ـ اللبناني العام ـ عليها ولو أنه كان يؤدي معارضته بأسلوب خاص وبوتيرة هادئة.
اغتيال مشروع الحكم بالشرعيّتين الداخلية والدولية
كان الشهيد يمثّل مجموعة من الأبعاد دفعة واحدة:
1 ـ لم يكن مجرّد "رقم" يتوقف عليه نجاح المعارضة في الحصول على الأكثرية النيابية بعد الانتخابات، بل كان حجر الرحى في مشروع المعارضة استلام الحكم بأكثرية نيابية، وأكثر من ذلك كان الرئيس الشهيد يمثّل العنوان المباشر لتسلّم المعارضة الحكم، لأنه كان بلا شك مرشّح المعارضة لرئاسة حكومة الوفاق الوطني بعد الانتخابات، والتي تقع عليها مهمة معالجة الأزمة السياسية ـ الوطنية بمختلف وجوهها.
2 ـ والرئيس الشهيد الذي مثّل رهان المعارضة على استلام الحكم بعد الانتخابات، أي بـ"تفويض" شعبي وبشرعية شعبية، كان الشخص الوحيد القادر على مصالحة لبنان مع الشرعية الدولية وعلى توفير قاعدة علاقات متينة للبلد مع الوضع العربي، أي أنه الوحيد القادر على إضافة شرعية خارجية الى الشرعية الداخلية للحكم بعد الانتخابات.
ذلك أن الرئيس الحريري كان صلة الوصل مع الغرب بقدر ما كان صلة الوصل مع العمق العربي.
الشهيد وتوازنات المنطقة الطائفية والسياسية
3 ـ وكان الرئيس الشهيد يحسب بدقة التوازنات القائمة في المنطقة، وهو بين قلّة من سياسيي البلد والأكثر من بينهم قراءة للبلد في إطاره الخارجي، علماً أنه لم يكن يصرّح بذلك، وقلائل كانوا يفهمون عليه. وبهذا المعنى، لم يكن غريباً مثلاً أن يلاحظ من يستمع إليه أن عينه على الانتخابات النيابية اللبنانية بالقدر نفسه كالانتخابات العراقية، إذ كان يدرك بعمق الإشكالية الشيعية ـ السنية في العراق، وكان شديد المعرفة بأن أي تطوّر سلبي في العلاقة السنية ـ الشيعية في العراق سيخلّف تداعيات خطيرة على المنطقة ككل. وأكثر من ذلك كان الشهيد يعرف أن التركيبة الطائفية في كل بلد عربي تخضع في توازناتها لأي تطوّر في بلد عربي آخر. ولذلك، لم يكن مفاجئاً اهتمامه الشديد بأمور وحدة الساحة الإسلامية.
الحوار مع نصرالله
4 ـ لكل الاعتبارات الآنفة، لم يتصرّف الرئيس الشهيد على أنه معارضة مطلقة، بمعنى انه كان يعي حقيقة انه وهو في المعارضة بالفعل انما هو مشروع حكم، وان عليه اتقان لعبة إدارة التوازنات، وان على المعارضة عندما ستتسلم الحكم أن تتعاطى مع قوى من خارجها تمثل في بيئاتها، وكل ذلك في امتداد وعيه الدقيق لطبيعة المرحلة إقليمياً ودولياً. ومن هنا، تكتسب اللقاءات التي كان يجريها دورياً مع الأمين العام لـ"حزب الله" أهميتها. وإذا كان السيد حسن نصرالله كشف النقاب قبل يومين عن هذه اللقاءات وبعض مضامينها، فإن ما لا بدّ من الإشارة اليه في هذا المجال هو ان الرئيس الحريري كان بحق يحاور السيد نصرالله في عناوين مستقبلية وليس في عناوين انتخابية حتى في ظل حرصه على ألا يعرّض الأداء الانتخابي لكلا الطرفين الحوار في العناوين المستقبلية الى ندوب.
واذا كان نصر الله أعطى شهادته بالرئيس الشهيد وما يمثله، فالأمانة تقتضي القول ـ وبمعزل عن مواقف الرئيس الحريري نفسه، ان الأمين العام لحزب الله طالب الرئيس السوري بشار الأسد بأن يبقى الشهيد رئيساً للحكومة بعد التمديد، ودعا الى تسهيل أمره في نفس الوقت الذي كان يطالب الشهيد بـ"التساهل" في أمر تشكيل الحكومة.
والأمانة تقتضي القول في المقابل أن دمشق لم تستجب لـ"نصائح" السيد، ولم تسهل ترؤس الشهيد الحكومة لا بل أخلفت في "وعود" قطعت له بتفويضه تشكيل الحكومة المناسبة، التي كان الشهيد يتوق الى أن تكون "انتقالية" بمعنى من المعاني أي أن تبدأ بخطوات أولية في مسار معالجة الأزمة السياسية ـ الوطنية نحو الانتخابات حتى تظهر نتائجها.
يعرف السيد نصر الله اذاً ان دمشق أعطت إشارتين متتاليتين عن تصلبها: قرارها التمديد لرئيس الجمهورية وقرارها تنحية الرئيس الحريري الذي ما كان ليقبل بعد التمديد بترؤس حكومة تكبله.. واستمرت بعد ذلك في إشارات التصلب حيال البلد ككل.
ومع ذلك، وبالعودة الى الحوارات التي كانت قائمة بين الرئيس الشهيد وقائد المقاومة، والى أن يكشف السيد عن مضامينها كافة، لا بد من القول ان الرئيس الحريري كان معترضاً ـ في حواره مع السيد أيضاً ـ على الأداء السوري في لبنان وكان يأمل أن تعيد دمشق النظر ليس فقط في أدائها الداخلي بل في كيفية تعاطيها مع التطورات الاقليمية والدولية أيضاً.. وبالتفاهم مع لبنان، وكان لا يخفي استياءه من التعامل معه على أنه الخصم والمطلوب منه في آن.
بيد أن الرئيس الشهيد الذي تصرف باستمرار على أنه مشروع حكم، لم يكن جاهلاً بأن ما بعد الانتخابات يجب أن يحمل تسوية مع الشرعية الدولية على أساس تسوية مع سوريا من جهة وتسوية مع القوى الرئيسية من خارج المعارضة من جهة ثانية. وعندما قال للسيد نصر الله ان موضوع المقاومة يحتاج الى تفاهم وطني ولا شيء يفرض بالقوة، لم يكن الرئيس الحريري يسعى الى طمأنته لفظياً، لأنه كان ينطلق من قناعات، ومنها أن على اللبنانيين أن يعيدوا صياغة مضمون وفاقهم الوطني ضد اسرائيل وصيغة علاقتهم بالصراع العربي ـ الاسرائيلي... وكان مرة أخرى يحسب حساب التوازنات الداخلية والخارجية. وكان الشهيد يكرر دائماً حتى في فترات خلافه مع الحزب: لست أنا من يضرب المقاومة ويعرضها لـ"الذبح". وحتى في الاجتماع الأخير مع نصر الله، قال له: أنا لا أستطيع مثلك أن أرسل ابني الى الاستشهاد بقرار، وأنت يا سيد لا يعوزك الإقدام، ومن يقوم بذلك لا أضعه أمام حائط.. أما أنا فقد أموت في حادث أو أقتل غيلة، لكن لا تنس يا سيد انني قومي عربي.
رجل التقاطعات والتسويات.. ورجل المعارضة والحكم
5 ـ تلخيصاً لما تقدم، يمكن القول أن الرئيس الشهيد كان رجل التقاطعات ورجل التسويات ويتصرف على أنه المعارضة والحكم في آن. ولأنه مشروع الحكم الآتي بعد الانتخابات بشرعية شعبية كانت مؤكدة قبل استشهاده، ولأنه مشروع الحكم القادر على الوقوف على خطوط التماس المحلية والاقليمية والدولية جرى اغتياله. وبهذا المعنى، فان الجريمة تطاول المعارضة في المباشر، لكنها تستهدف مشروع الحكم الآتي ببرنامجه الواقعي. أرداه النظام الأمني ـ الاستخباري لكل هذه المعاني، ولأنه كان يجسد المصالحة التاريخية بين الاستقلال والحرية والديموقراطية من جهة وبين الوطنية والعروبة بمحصلتهما الفعلية في الظروف القائمة من جهة ثانية.
التهديدات المستمرة بعد الاغتيال
لقد أعطى نصر الله ـ الشهيد الحي ـ شهادته متأخراً.
ذلك ان الاغتيال حصل ومثّل إشارة أخرى من إشارات التحدي وبعض هذا التحدي موجه الى الغرب: تقولون لنا ان الحريري حليفكم وان عليه خطاً أحمر. حسنا سنرديه.
واللافت ان القتلة لم يكتفوا بفعلتهم، بل وفيما كانت دماء الرئيس الشهيد لا تزال على الأرض، وجد في النظام الأمني ـ الاستخباري من يهدد المعارضة بأنها اذا "كبّرت رأسها" فان المشهد الأمني للبلد سيكتمل بحكومة عسكرية.. هذا بالإضافة الى المعلومات التي أوصلها المجتمع الدولي الى قادة المعارضة بوجود خطط لمزيد من القتل. وهكذا يغدو الأمر لافتاً في فظاعته: يقتل رجل التقاطعات والتسويات ويتواصل قتل المعارضين.
إحدى الحمايتين: العربية أو الدولية
وبالأمس بعد جريمة اغتيال الرئيس الحريري، كان السؤال المطروح لدى المعارضة كبيراً: إذا كان القتلة أردوا رفيق الحريري تماماً لأنه يمثل كل الأبعاد التي جرت الإشارة اليها، وإذا كان القتلة يحاولون ترهيب المعارضة بين أن تتراجع أو أن تصفّى، وإذا كان القتلة يقفلون كل الأبواب إلا أبواب جهنّم والجحيم، فأي خيار أمام المعارضة؟
والجواب عن هذا السؤال ليس موارباً: إذا كان بات واضحاً ان التخيير الإرهابي هو بين القتل والقتل، لا مجال أمام المعارضة إلا مواصلة المعركة التي بدأتها وموحدة أكثر من أي وقت سابق، والمعارضة مجبرة على النظر فضلاً عن الحماية الشعبية الى الحماية من الخارج، ممن أحل دمها وأعطى القرار بتصفيتها الجسدية، وممن ترجم خوفه من التغيير قتلاً وتفجيراً. والحماية الخارجية في هذه الحال إما أن تكون عربية أو أن تكون دولية، ووليد جنبلاط محق في عدم التمييز "كثيراً" بين الحمايتين.
وخلال اليومين الماضيين، فسّر بعضهم ردّ الفعل الدولي كما جرت صياغته في البيان الرئاسي الصادر عن مجلس الأمن، على انه "ضعيف" إزاء جريمة بحجم جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. غير ان هذا التفسير ليس دقيقاً كما تؤكد مصادر ديبلوماسية معنية، ذلك ان قياس "القوة" أو "الضعف" لا يحصل بناء على الموقف من تشكيل لجنة تحقيق دولية في الجريمة الإرهابية، وبعض أكثر الدول هيجاناً حيال الجريمة لم يكن متحمساً للتحقيق الدولي. أما الصحيح من وجهة نظر المصادر نفسها، فهو ان الموقف الدولي لا تصحّ قراءته إلا متحركاً، أي دينامياً، ومحركه موقف الدول الكبرى التي ستسير في إجراءات أكثر حزماً، في ظل معلومات تفيد ان ثمة إنذاراً "أخيراً" وجّه للنظام الأمني ـ الاستخباراتي.
في جنّة الخلود هو الرئيس الشهيد رفيق الحريري.. واغتياله شدّد الوحدة الوطنية.. لكن هل ثمة تسوية تبقى بعد ذلك إلا رحيل السلطة؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00