8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

قتلُ الحريري انتحار سياسي لمدبّريه

يجب الاعتراف بأن نظام القتلة اصطاد باغتيال الرئيس رفيق الحريري صيداً ثميناً وألحق بالبلاد خسارة غير قابلة للتعويض في مدى زمني مرئي.
فالاغتيال المجرم أصاب مباشرة المرجعية الإسلامية السياسية الوحيدة التي كانت مجسّدة بالرئيس الشهيد الذي كان صوت الاعتراض المسلم الوحيد على الوضع القائم، على طريقته في الاعتراض. والذين في المعارضة كانوا يسألون قبيل استشهاده بلحظات: هل يمضي الحريري قدماً نحو المعارضة أم أنه يفاوض سراً على تسوية ما مع الوضع القائم والمهيمنين عليه أتاهم الجواب اول من أمس بالاغتيال المريع فأدركوا أنهم ظلموا رفيق الحريري.
لم يكن خافياً على أحد أن المفاوضات كانت مستمرة مع الرئيس الشهيد حتى اللحظة الأخيرة عبر رسائل تطلب منه ترك "حصّة" معيّنة لـ"السلطة" ومركز قرارها السوري في لوائحه، وتعرض عليه عدم المساهمة بأي طريقة في انهيار النظام الأمني عبر تخسيره الأكثرية النيابية في المجلس النيابي المقبل، و"ترغّبه" في مناطق أخرى خارج العاصمة، و"ترهبه" بأن المسيحيين لن يسيروا معه وأن لا حاجة له للرهان على المعارضة. ولم يعد خافياً أن الرئيس الشهيد رفض المساومة ومنطقه في ذلك بسيط: إذا كنتم تعتبرون أنني حليف لكم فلا توضع شروط على الحليف، أما إذا كنتم ترون فيّ عدوّاً، فعجباً كيف تسعون الى التحالف مع عدوّ تتهمونه بأنه صانع القرار 1559؟
وكان الرئيس الشهيد في كلماته الأخيرة عندما أكد أن الوجود السوري في لبنان ليس هو الضامن لحسن العلاقة اللبنانية ـ السورية ولا لالتزام لبنان بتلازم المسارين اللبناني والسوري في الصراع والتفاوض مع إسرائيل، يؤكد على رفضه التشكيك بوطنية اللبنانيين. ذلك أنه إن لم يشكّل اللبنايون الضمانة فذلك معناه أن لا أمل بعلاقة لبنانية ـ سورية تقوم على أسس ثابتة راهناً أو مستقبلاً.
تمسك بالطائف رغم تطبيقه ضدّه
ومع ان الرئيس الشهيد لم ينضم "رسمياً" الى المعارضة في ظل إصراره على الطائف الذي ـ وللمفارقة ـ طبق ضدّه بين العام 1998 والعام 2004، فان ما اغضب "السلطة" ومركز قرارها السوري منه هو موقعه. فالمرجعية الاسلامية السياسية الوحيدة المبنية على شرعيتين: الدور في انهاء الحرب اولاً والالتفاف الشعبي حولها ثانياً، لم تكن لتقبل بأن "تنضمّ" الى المعارضة وفي قرارة نفسها قناعةٌ بأنها هي المعارضة.. الآن، تماماً لأن دخول الصوت المسلم على خط الاعتراض على الاوضاع القائمة هو الذي يحجز عن لبنان شرور الصراعات الداخلية.
احتسابه للعلاقة السنية ـ الشيعية
وأهمية هذا الموقع للرئيس الشهيد، حتى في ظل ما طرحه معارضون كثر عن اشكالية معارضته، انه ادرك انه كزعيم مسلم لا يمكن ألا يضع في حسابه الساحة الاسلامية بجناحيها السنّي والشيعي، وكم كان حريصاً خلال الشهور الماضية على الحوار مع قيادة "حزب الله"، وقيادة الحزب تعرف تماماً انه لم يكن يجامل في قوله انه مع ان تحتفظ "المقاومة" ـ أي الحزب ـ بتمثيلها في بيروت، وتعرفُ ايضاً الدور الذي لعبه مع فرنسا لمحاولة"الفصل" بين "حزب الله" والقرار 1559.
استحضار التطرف الإسلامي.. تشاطر مخابراتي
خسرته المعارضة؟. من دون شك، والقتلة اغتالوه وفي ظنهم انهم يصيبون منها مقتلاً، فيحدثون فرزاً طائفياً. لكن الخسارة أصابت البلد برمّته.
الوجه الآخر لاستهداف الرئيس الراحل، لم يتأخر في الانكشاف. فشريط الفيديو الذي يُظهر متحدثاً باسم جماعة "النصرة والجهاد في بلاد الشام" المزعومة، يراد منه الايحاء بأن متطرفين اسلاميين نفذوا جريمة الاغتيال، للقول ان المناخ الذي ولدته المعارضة أدى الى بروز هذا التطرف من جديد، وان الضمانة منه هو الوجود السوري الذي يحجزه ويقمعه.
والحال هنا وفي دردشة مع احد قادة "الجماعة الاسلامية" في لبنان قبل جريمة الاغتيال بأربعة ايام "أن ثمة تهويلاً بحجم القوى السلفية في لبنان وان ثمة ثقافة يجري ضخّها، في امتداد تهويل موجود في كل الساحات الإسلامية".
اذاً، ان المقصود قوله هنا هو ان الحديث عن تطرف سنّي اغتال الرئيس الحريري، هو تشاطر مخابراتي مكشوف، والقصدُ منه الايحاء بالفوضى التي ستنجم عن المتغيرات في لبنان.
انتحار سياسي
لذلك كله، تعرب اوساط عاقلة عن اعتقادها ان الجريمة عمل انتحاري سياسياً للأسباب الآتية:
أولاً ـ ان إفقاد لبنان ركناً اساسياً من وفاقه الوطني وقامة عربية دولية، هو تلاعبٌ بمصير لبنان ومغامرة به.
ثانياً ـ ان الردّ على ما نُقل من تحذيرات دولية الى دمشق وبيروت بشأن اعتبار شخصيات المعارضة "خطاً أحمر"، هو تحدٍّ مجنون ليس فقط للمسلمين واللبنانيين، بل للمجتمع الدولي بأسره.
ثالثاً ـ ان اغتيال الرئيس الحريري، في ظل كل هذه المعطيات، وإذ يسلط الأضواء الدولية اكثر فأكثر على الوضع اللبناني هو عمل على طريقة "عليّ وعلى أعدائي يا ربّ".
رابعاً ـ ان الجريمة التي استهدفت حياة الرئيس الحريري، والتي يقصدُ في احد جوانبها ترهيب المعارضة وإسكاتها، اعطت مفعولاً عكسياً، كما أنها زادت من تدويل الوضع اللبناني، وليس مستبعداً بعدَ مهمة تيري رود ـ لارسن ان يقدّم الأمين العام للأمم المتحدة كوفي انان موعد تقريره، وان يتخذ مجلس الأمن مزيداً من الإجراءات.
الحريري كمال جنبلاط
خامساً ـ وفي هذا المجال، يقول ركن معارض ان جريمة اغتيال الزعيم اللبناني رفيق الحريري لا تذكّر إلا بجريمة اغتيال الزعيم الراحل كمال جنبلاط. فالإثنان استشهدا في سن الستين، والاثنان كانا شخصين محوريين في الحياة السياسية للبنان.. لكن مع فارق ان اغتيال كمال جنبلاط كان في مرحلة الدخول السوري المؤيَّد أميركياً بينما اغتيال الحريري يحصل في مرحلة استدعاء سوريا الى الخروج من لبنان بطلب دولي من ناحية وبتأييد لبنانيّ لهذا المطلب من ناحية أخرى.
ان إصابة البلاد بمقتل عبر اصابة حياة الرئيس الشهيد بقدر ما تستدعي اعترافاً بالخسارة الكبيرة غير القابلة للتعويض في المدى المنظور، تستدعي في المقابل وصف الجريمة بأنها عمل سياسي انتحاري، وبأن من أذنَ بها على اعلى المستويات مغامر انتحاري، لأنه كان يملك حتى لحظة تنفيذ الجريمة فرصة التفتيش عن تسوية، والرئيس الشهيد هو أحد مفاتيحها إن لم يكن مفتاحها الرئيس.
نقطة اللاعودة
وفي اعتقاد الأوساط السياسية العاقلة ان البلد باستشهاد الرئيس رفيق الحريري وصل الى نقطة اللاعودة، إذ لا يمكن اغتيال الحريري وتوقع انفراجات سياسية بعد ذلك، واستهداف المعارضين بـ"الصيد" و"الذبح" لا يجعل المعارضة تتراجع... وقد اضاف نظام القتلة الى معارضيه طائفة بكاملها.
والمعارضة التي كانت تصرخ قبل استشهاد الرئيس الحريري بأنها تفتح باباً للتسوية اللبنانية ـ السورية على اساس استعادة لبنان قراره الوطني المستقل ونظامه الديموقراطي، ترى نفسها معنية بأن تحمي نفسها برقابة دولية وبقرارات دولية. والمسؤولية عن ذلك للنهج السياسي الانتحاري منذ قرار التمديد وحتى اليوم.
لم يكن الشهيد رفيق الحريري يحبّ في حياته ان يقارن بأي شخصية تاريخية. لكن بالقدر الذي تقارن فيه الأوساط نفسها بين سياق اغتياله وسياق اغتيال الراحل كمال جنبلاط، تؤكد انه فتح بدمائه طريق الاستقلال الثاني للبنان.. انه رياض الصلح للعام 2005. رياض الاستقلال عن سوريا والعلاقة الجيدة بسوريا في آن.
رحمه الله وحمى قائد المعارضة وليد جنبلاط وكل المتابعين على نهجه.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00