8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

سرّ استحضار السلطة لـ"معاهدة التنسيق" و"فاول" لارسن

خلال الأسبوع الماضي وبالتزامن مع زيارة المبعوث الدولي تيري رود لارسن الى بيروت ودمشق، برز بشكل مفاجئ حديث "مستجد" من قبل "السلطة" وموالاتها عن "معاهدة الاخوة والتنسيق" بالتلازم مع الحديث عن اتفاق الطائف في مواجهة القرار الدولي 1559، فورد ذلك في البيان الصادر عن "لقاء عين التينة"، وفي تصريحات العديد من الموالين.
ما علاقة "معاهدة الاخوة" بالبحث الجاري عن تطبيق الـ1559 ولماذا الإصرار السوري ـ اللبناني الرسمي على استحضارها في هذه المناسبة؟
"المعاهدة" و"الهدية" والقانون الدولي
في مجال الإجابة عن هذا السؤال، تلفت مصادر ديبلوماسية مطلعة الى الأمور الرئيسية الآتية:
أولاً ـ لا تعتبر المعاهدة اللبنانية ـ السورية من وجهة نظر القانون الدولي مرجعية للعلاقة اللبنانية ـ السورية على العكس من اتفاق الطائف الذي شكّل ويشكّل هذه المرجعية التي أتى القرار 1559 لوضعها موضع التنفيذ بـ"وتائر" أسرع، وليشكّل قوة دفع وتسريع في اتجاه إنفاذها.
ثانياً ـ وتعتبر القوى الدولية الرئيسية على قاعدة فهمها للقانون الدولي ان "المعاهدة" أقرّت بين دولة "سيّدة" وثانية منقوصة السيادة وملحقة بوصاية الدولة الأولى، وانها خاضعة تالياً لتوازن مختلّ بين بلدين، وهي بمثابة أمر واقع، وليست فعل اختيار حرّ من الجانب اللبناني.
ثالثاً ـ ومن وجهة نظر القوى الدولية الرئيسية، فإن "المعاهدة" والاتفاقيات المتفرعة عنها يجب والحالة هذه أن تكون لاغية، وانه إذا كان لا بدّ ـ بداهة ـ من تنظيم العلاقات اللبنانية ـ السورية، فالأمر يجب أن يكون منوطاً من الجانب اللبناني بحكومة سيّدة منبثقة من انتخابات حرة ونزيهة.. وديموقراطية.
رابعاً ـ وتكشف المصادر الديبلوماسية المطلعة في هذا السياق ان الاتفاق حاصل بين واشنطن وباريس على اعتبار "المعاهدة" لاغية، وتشير الى ان هذا الاتفاق تكرّس نهائياً في الآونة الأخيرة، بعد أن فكرت واشنطن خلال فترة قصيرة بأن تكون "المعاهدة" بمثابة هدية الى سوريا إذا هي طبقت الـ1559 تطبيقاً كاملاً، وهذا ما عادت الولايات المتحدة الى حسمه سلباً قبل مدة في إطار التمهيدات للقمة الأميركية ـ الفرنسية في الحادي والعشرين من شباط الجاري والتي ستبحث الوضع اللبناني بالتفصيل.
لارسن والمنطق الهادئ.. و"الفاول"
من هنا، تستنتج المصادر نفسها أمرين اثنين:
1 ـ ان دخول "المعاهدة" بقوة في "أدبيات" السلطة وموالاتها مؤخراً، بالرغم من إدراكهما ان "المعاهدة" ليست مرجعية للعلاقة اللبنانية ـ السورية لاسيما في موضوع الانسحاب السوري من لبنان، مع انها في هذا البند تستعيد حرفياً ما ورد في الطائف، يرتبط بمحاولة دمشق و"السلطة" في لبنان اختبار ما إذا كانت "الهدية" لا تزال قائمة من ناحية أو التذكير بهذه "الهدية" من ناحية ثانية، وفي جميع الأحوال إثقال عملية تطبيق القرار 1559 بعناوين إضافية.
2 ـ ان تيري رود لارسن الذي كان أداؤه ذكياً خلال زيارته من زاوية التوفيق بين الطائف والـ1559، ارتكب مع ذلك نوعاً من "الفاول" في إشارته الى "معاهدة التعاون" اللبنانية ـ السورية من ضمن المرجعيات القانونية لمهمته أو إظهاره نوعاً من "التفهم" لهذه "المعاهدة". ذلك انه بذلك يبدو وكأنه يباشر مهمته بـ"ليونة" وبـ"تقديم هدايا"، الأمر الذي تؤكد المصادر الديبلوماسية المطلعة انه لن يكون مرحباً به على مستوى صانعي القرار 1559، وخصوصاً في العاصمتين الفرنسية والأميركية اللتين ترغبان في ايقاع حام، وذلك على الرغم من ورود الاشارة إلى المعاهدة في التقرير السابق لأنان لكن في معرض توصيف الواقع.
بين لارسن والعلاقة الفرنسية ـ الأميركية
على هذا الأساس تستهجن هذه المصادر ما سعت "السلطة" الى تسريبه عن تحرك لارسن ومهمته بين بيروت ودمشق الأسبوع الفائت، على الرغم من صحة القول ان أسلوب لارسن ومنطقه كانا "هادئين"، لكنه الهدوء الذي يقع تحت سقف "حتمية" تنفيذ الـ1559 من دون إبطاء. وتذكّر المصادر هنا بعدد من الأمور الرئيسية التي لا بد من أخذها في الاعتبار:
أ ـ صحيح ان لارسن يؤدي مهمته كممثل للأمين العام للأمم المتحدة، وذلك من طبيعة الأمور ما دام القرار 1559 قرارا صادرا عن أعلى هيئة في المنظمة الدولية. بيد أن ما يجب ألا يغيب عن بال أحد هو ان المبعوث الدولي لا يملك إجراء أي تعديل أو "تحوير" في مضمون مهمته من جهة وهو لا يستطيع أن يؤدي بمعزل عن الوتيرة المرغوبة فرنسياً وأميركياً من جهة ثانية، ولا يستطيع أن يبادر الى تسويات معينة من جهة ثالثة، ولا يمكنه التصرّف بمعزل عن القوى المؤثرة في المجتمع الدولي.. من جهة رابعة.
ب ـ وإذا كان القرار 1559 صدر في أيلول الماضي بوصفه نقطة تقاطع أميركي ـ فرنسي في ظل خلافات حول قضايا إقليمية اخرى بين واشنطن وباريس، أي إذا كان هذا القرار بمثابة صفقة بين العاصمتين عند صدوره "أعطت" فرنسا لأميركا بموجبه مواقف معينة في مقابل أن "تأخذ" في المسألة اللبنانية، فإن التقارب الفرنسي ـ الأميركي كبير جداً اليوم على غير صعيد، سواء بالنسبة الى العراق بعد الانتخابات أو بالنسبة الى التسوية الإقليمية بين الفلسطينيين وإسرائيل، مع وجود "تلاوين" مختلفة بين الجانبين تتصل بخصوصية كل منهما.
ج ـ وإذا كان القرار 1559 صدر في أيلول الماضي بالأكثرية المطلوبة فقط، فإن دولاً كروسيا مثلاً تحفظت عن القرار في حينه وامتنعت عن التصويت عليه، باتت اليوم غير بعيدة عن النصح بتطبيقه.
شيراك والتلويح بمجلس الأمن
د ـ وإذا كان القرار 1559 لا يتضمن آليات محددة لمتابعة تطبيقه، فإنه يجب أخذ تلويح الرئيس الفرنسي جاك شيراك الأسبوع الماضي بالعودة الى مجلس الأمن، على محمل الجدّ. وكان شيراك واضحاً في تأكيد أن فرنسا "لن تتردّد" في العودة الى مجلس الأمن إذا ظهر ان المسار الانتخابي في لبنان يسير في اتجاه غير شفّاف وغير نزيه، وكذلك كانت وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس واضحة في إعلان ان هذا المسار الانتخابي اللبناني موضوع تحت المجهر. وعليه، فإذا كان تقرير الأمين العام كوفي أنان في نيسان المقبل محطة، فذلك لا يعني أن لا تسبقه محطات.
التسوية الإقليمية وتطبيق الـ1559
هـ ـ ووراء كل ذلك، تكمن سياسة أميركية ـ مؤيدة فرنسياً ـ ترى ان ثمة أولوية الآن ـ بعد الأولوية العراقية وفي موازاتها ـ لإحياء المسار الفلسطيني ـ الإسرائيلي والوصول به الى نتائج ملموسة خلال الأشهر المقبلة، وترى أيضاً ان إنجاحه اختبار لسوريا، ما يقتضي من وجهة النظر الأميركية ـ والفرنسية الى حد كبير ـ أن يكون القرار 1559 مطبقاً خلال هذه الفترة الزمنية، على أساس "النظرية الأميركية" التي تقول ان نجاح التسوية يرتبط بعدم منح فرصة للمعترضين عليها لنسفها، وهذا كله مبني على قراءة واشنطن لأسباب فشل التسوية في الماضي، وفيها ان عملية التسوية كانت تحصل في موازاة استمرار قدرة قوى الاعتراض على اعتراضها، وان ذلك يجب ألا يتكرر تالياً.
لكل هذه الاعتبارات، تنصح المصادر الديبلوماسية المطلعة بعدم "التشاطر" الذي توحي به تسريبات "السلطة"، فليس صحيحاً ان لارسن مكلف ترتيب صفقة على حساب مضمون الـ1559 أو أنه مفوّض بإعادة التفاوض على هذا القرار، ولا هو مكلف مدّ آجال التطبيق الى ما لا نهاية، وان التفكيك الذي يقوم به جزء لا يتجزأ من عملية التطبيق، وليس صحيحاً أيضاً ان شيئاً لن يحصل للتأثير في الانتخابات اللبنانية وان يد "السلطة" مطلقة أو ان "السلطة" تستطيع افتراض ذلك.
وتذكّر المصادر نفسها بالإضافة الى ان آليات متابعة تنفيذ الـ1559 تبدأ بالعودة الى مجلس الأمن، بأن ثمة قانوناً مرشحاً للصدور قريباً عن الكونغرس الأميركي يتضمن عدا المزيد من العقوبات، اعتبار "الأمة اللبنانية أمة أسيرة"، الأمر الذي يمكن للإدارة الأميركية استخدامه للتشكيك في الانتخابات اللبنانية ونتائجها.
"الخسن والخسين بنات لمغاوية"
من الواضح إذاً، بحسب تأكيدات المصادر الديبلوماسية المطلعة، ان "السلطة" ـ وموالاتها ـ أخطأت في قراءة مهمة لارسن في سياقها الحقيقي، ووصل الأمر بالتسريبات الى حدّ تصويره وكأنه مكلف تنفيذ القرار 242 وليس القرار 1559، وأخطأت في الاستنتاجات. والدليل الأبرز على ذلك، هو ان "السلطة" التي تظاهرت بالهدوء خلال وجود لارسن بين بيروت ودمشق، استأنفت حملتها على المعارضة بـ"شراسة" مصدقة ما زعمته، وهذا ما تجلى في حملة أحزاب "عين التينة" مروراً بحملة رئيس الحكومة عمر كرامي والرد "العنتري" على تصريحات نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي ديفيد ساترفيلد.. وصولاً الى اقتحام مقر "الجمعية الاجتماعية للتنمية".
لا شك ان حملات "السلطة" هذه تقدّم خدمات مشكورة للمعارضة، غير انها مبنية على تقدير خاطئ بأنها "نجحت" في كسب لارسن (!) وانها ضربت فرنسا وأميركا بالأمم المتحدة (!) وانها أجّلت تنفيذ الـ1559 الى ما بعد الانتخابات (!) وانها لم تعد تحت المراقبة (!). وعلى طريقة "ان الخسن والخسين بنات لمغاوية ولدوا على اسطنبول"، أي أن لا كلمة صحيحة، تستعد "السلطة" لمحاربة المعارضة التي اختبرت الهدوء للبرهنة على مكر و"خفّة عقل" من خطط له ولو كان مسؤولاً أمنياً لبنانياً رفيعاً لم يبرهن عن ذكائه في أي مرة تولى زمام الأمور.
ليس استقواء بالخارج أن ينقل هذا الكلام عن مصادر مطلعة، في وقت تمارس "السلطة" استقواء بالخارج.. لكن على أساس تقدير بأن ثمة نجاحاً حققته في "تخدير" الموقف الدولي. ليس استقواء أن ينقل هذا الكلام، بل هو لوضع الأمور في نصابها وتحديد الوضع بدقة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00