الأسئلة التي طرحت قبل انعقاد "لقاء عين التينة"، لا يزال معظمها مطروحاً بعد انعقاده في ضوء ما تداوله المجتمعون من جهة والمواقف التي أصدروها من جهة ثانية.
وقبل إعادة صوغ هذه الأسئلة ومشاريع الأجوبة عنها، تلفت أوساط متابعة الى ايجابية "السيطرة" التي مارسها الرئيس نبيه بري والأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله على "اللقاء" في الشكل على الأقل، سواء في الحؤول دون انفلات بعض الألسن أو بعض "الشتّامين"، أو بتغليب اللهجة الهادئة في البيان الصادر عن المجتمعين، التي تقول الأشياء نفسها لكن بهدوء. وبهذا المعنى، لم يكن ممكناً ان يتحول "اللقاء" الى "مسيرة سواطير" وقد فات زمانها، فكيف بوجود بري ونصرالله وعدد آخر ولو قليل من الشخصيات "المرتّبة"، فكرر بري ونصرالله الأداء الذي استخدماه في "مسيرة المليون" من دون مليون، لجهة التركيز على مواجهة الخارج من دون إغلاق "كامل" بالشكل أيضاً على الداخل وإن كان التموضع في الداخل ضد المعارضة هدفاً للقاء وواحداً من أشكال الفرز لتوجيه رسالة الى الخارج الدولي.
بين "اللقاء" والشرع ولارسن: الانقسام المفتعل
أما الأسئلة ومشاريع الأجوبة عنها أو عن بعضها، فتعرضها الأوساط المتابعة على النحو الآتي:
أولاً ـ أليس صحيحاً ما قالته المعارضة من ان توقيت "لقاء عين التينة" يتزامن مع وصول مبعوث الأمم المتحدة تيري رود لارسن الى بيروت بهدف توجيه رسالة اليه، وانه ("اللقاء") رسالة سورية بواسطة لبنانية تالياً؟
وفي الجواب عن هذا السؤال، توضح الأوساط المتابعة انه يمكن لهذا السؤال أن يبقى افتراضياً والجواب عنه كذلك، لولا ان محادثات لارسن في دمشق صيغة ومضموناً كشفت هذا الجانب من الموضوع، ولولا ان وزير الخارجية السوري فاروق الشرع أبلغ الى لارسن ان القرار 1559 عامل توتر لبنانياً وإقليمياً.. والدليل لدى الشرع حسيّ وملموس: فيما تذهب يا سيّد لارسن الى بيروت، ثمة في لبنان توتر وانقسام حول القرار 1559.
وكي لا يكون ثمة التباس في هذا المجال، تسارع الأوساط نفسها الى توضيح أن ليس من اعتراض البتة على أن يلتقي لبنانيون ضد الـ1559 وأن يوصّفوا أضراره ومخاطره، بيد ان الاعتراض هو على أن يتم تنظيم انقسام لبناني حول القرار الدولي، لان الخلاف اللبناني ـ اللبناني ليس على رفض الـ1559 بل على كيفية التعاطي معه مواجهةً للمجتمع الدولي أو فكاً للاشتباك معه، بين مواجهة لها أكلافها واثمانها وتسوية "ممكنة" تقي لبنان وسوريا هذه الأكلاف والأثمان. والاعتراض على "تزوير" مضمون الصراع السياسي في لبنان بتصويره بين موالاة ضد القرار 1559 ومعارضة معه، في حين ان الصراع السياسي في مكان آخر كما سوف يتبين في المندرجات اللاحقة.
الحوار متى؟ قبل الانتخابات أو بعدها؟
ثانياً ـ لقد دعا "لقاء عين التينة" الى حوار وطني هادئ. هذا أمر جيد مبدئياً. بيد ان "اللقاء" لم يحدد فترة زمنية لهذا الحوار. فهل هو قبل الانتخابات أو بعدها؟ ومع من سيتم هذا الحوار؟ مع المعارضة ككل أو مع من ينتقيهم المجتمعون في عين التينة؟ مع أبناء الست أو أبناء الجارية استعارةً للمفردات "المهذبة" لوزير الداخلية؟ مع عملاء اسرائيل في المعارضة؟.
ولا يخفى على "الراسخين في العلم" في "لقاء عين التينة" ان ثمة فارقاً بين أن يتم الحوار ـ اذا تمّ ـ قبل الانتخابات أو بعدها ذلك أن "السلطة" وموالاتها لا تخفيان نيتهما تأمين الأكثرية في المجلس النيابي المقبل بأي ثمن وبأي طريقة بما في ذلك بواسطة قانون الانتخاب.
لماذا استبعاد
موضوع العلاقات؟
ثالثاً ـ ودعا "لقاء عين التينة" الى حوار استبعد منه النقاط السياسية الخلافية الجوهرية، لا سيما مسألة العلاقات اللبنانية ـ السورية وما يتفرع عنها لا سيما على صعيد النظام الأمني المشترك اللبناني ـ السوري وما أنتجه من أوضاع كارثية على غير صعيد.
طبعاً، لم يكلف "اللقاء" نفسه عناء شرح أسباب استبعاد هذه المسألة، فلم يقل ما الذي يجعل من بقاء العلاقات اللبنانية ـ السورية على حالها أمراً يجدر التمسك به، وما هي علاقة ذلك بمقتضيات "المواجهة" في الوقت الذي يبلّغ الرئيس السوري بشار الأسد المنسق الأوروبي لعملية السلام استعداد سوريا لاستئناف مفاوضات السلام من دون شروط ويدرج الاستعداد لتنفيذ الـ 1559 في هذا الإطار، وفي الوقت الذي تبدي حركة "حماس" في فلسطين استعدادها للموافقة على هدنة مع اسرائيل بما يساعد السلطة الفلسطينية على خوض غمار تجربة المفاوضات من جديد.
لم يشرح "لقاء عين التينة" أي شيء من هذا القبيل، بل قرّر ان هذا الموضوع خارج البحث، وأغلق الباب أمام إعادة الانتشار السوري وقرر الرئيس بري أن "الانسحاب السوري لم يكن يوماً مطلباً رئيسياً". فهل يخبر "لقاء عين التينة" اللبنانيين بأن الانتخابات ستجري في ظل "النظام الأمني"؟ وبأن مستقبل الوجود السوري يتقرر مع الأكثرية المراد انتزاعها مسبقاً وبأي طريقة؟
بين "اللفظية الهادئة"
وقانون الانتخاب
رابعاً ـ ولأن الأمور تبدو كذلك، أي لأن "لقاء عين التينة" تمخّض عن قرار بحوار يجعله بلا مضمون جوهري كما تقول الأوساط المتابعة، ولأن "السلطة" وموالاتها تؤكدان ان هدفهما الإتيان بمجلس نيابي بأكثرية "مطواعة"، ولأن قانون الانتخاب يغدو والحالة هذه مرشحاً للتلاعب بتقسيماته، ولأن الحكومة بأكثريتها حضرت لقاءً فئوياً ما يؤكد انحيازها ولاحياديتها، فإن "لقاء عين التينة" يشكل بالرغم من "اللفظية الهادئة" محطة في الصراع السياسي، ولا يمكن للمعارضة أن "تنبهر" وستمضي في معركتها السياسية لـ"تحرير" عملية تشكيل التوازن السياسي من الضغوط ولـ"تحرير" العملية الانتخابية من التزوير بمختلف أشكاله.
المعلّم و"التقويص" على مهمته
خامساً ـ ثمة من يقول ان "الراسخين في العلم" في "عين التينة" يعلمون مسبقاً ان الحوار الذي دعوا اليه لن يحصل عملياً، وإن ما قاموا به يتلخص بعملية حشد الصفوف الموالية ورصها، وإنه لا يحق للمعارضة الحديث عن حوار فاقد لنصابه في الشكل والمضمون بعد أن أغلقت بنفسها أبواب الحوار.
ومن يقول ذلك يستحضر "تقويص" المعارضة على زيارة نائب وزير الخارجية السوري السفير وليد المعلم الى بيروت. ويؤكد من يقول ذلك ان زيارة المعلم أُعدّت كي تطلق تغييراً في التعاطي السوري مع الوضع اللبناني، ويجزم بأن المعلم الذي بدأ الاستطلاع في لبنان كان يستعد لإحاطة الرئيس الأسد بوجهات النظر اللبنانية المختلفة، وأنه كان في طريقه الى تولي "الملف اللبناني" بالعلاقة المباشرة مع الأسد، كما تولاه سابقاً نائب الرئيس عبد الحليم خدام. ويشدد من يقول ذلك على ان القرار بإسناد هذه المهمة الى المعلّم كان ينحّي جانباً أي علاقة لمسؤولين أمنيين سوريين بهذا الموضوع.
بيد ان المعارضة تعتبر ان "التقويص" على "مهمة" المعلّم ينطلق من عدة اعتبارات: تصريحات المسؤول السوري عن عدم وجود أي تدخل لدمشق في الشؤون اللبنانية، عدم حمله أي مبادرة في ظل قناعتها بأن التغيير لا يحتاج الى استطلاع لمعرفة سوريا بالتفاصيل اللبنانية، محاولة تصوير زيارة المعلّم على انها بداية تغيير لـ"تسويق" ذلك أمام المجتمع الدولي. وبكلام آخر تعتبر المعارضة بحسب الأوساط المتابعة لها ان استمرار المركز الأمني بـ"الشغل" في موازاة تكليف المعلّم بمهمته، كان يعني بالنسبة اليها أن هذه المهمة "تجميلية" فضلاً عن قناعتها بأن العلاقة اللبنانية ـ السورية على زمن خدّام كانت أفضل مما عليه اليوم لكنها لم تكن "مثالية".
وتقول الأوساط نفسها إن دليلها على ان مهمة المعلّم لا تعدو كونها "تجميلية" هو ان المركز الأمني السوري استأنف عمله مباشرة بعد مغادرة المعلّم بيروت، وهذا ما تؤكده أوساط مطلعة على الموقف السوري، وإن كانت هذه الأخيرة تلفت الى ان ذلك حصل بالضبط لأن المعارضة أفشلت زيارة المعلّم.
بري ونصرالله
سادساً ـ وأخيراً، وإذ تؤكد المعارضة بحسب الأوساط المتابعة لها ان قيام "لقاء عين التينة" بـ"التباشير" الهادئة في الشكل، إنّما يحمل على تمني نقل الصراع الحاد الى لغة سياسية أكثر "حضارية"، وإذ تعتبر ان دور الرئيس بري والسيد نصرالله في ضبط ايقاع "اللقاء" كان أساسياً، فإنها في المقابل تعربُ عن أسفها لأن يكون حاضراً في "اللقاء"، عدا شخصيات مرموقة معروفة، بعضٌ من "حواضر البيت" أو من "الجوقة النقّالة"، وتؤكد انها لا تزال على قناعة ليس فقط بأنهما ركنان في معادلة البلد بل بقدرتهما على لعب دور بين الجميع.
وتختم المعارضة بالقول انها علّقت أهمية كبيرة على دور السيد نصرالله، وتسأل: ماذا يعني أن "تراهن" المعارضة على دور لنصرالله في الدفع باتجاه مبادرة سورية تغييرية "حقيقية" في لبنان إلا كونه إبطالاً عملياً للقرار 1559 لجهة "حزب الله" ومقاومته؟
هل تكون المعارضة أميركية وهي التي "تستدعي" الحزب الى دور لبناني جامع يُبطل القرار 1559 فعلياً؟ ألا يستحق ذلك من السيّد أخذاً في الاعتبار؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.