اليوم، يلتئم "تجمّع عين التينة" بدعوة من الرئيس نبيه بري. والمشهد ينبئ بأن الأساس فيه هو "المعادلة الشيعية" متمثلة بثنائي "حركة أمل" ـ "حزب الله"، وبأن الباقي أشبه بـ"تفاصيل". المسيحيون في عين التينة معزولون في بيئتهم وهم يمثّلون "مسيحيي السلطة"، وهم عاجزون ـ خاصة في مرحلة انتخابية ـ عن رفع صوتهم عالياً ضد المعارضة المسيحية التي تستقطب غطاء الكنيسة والتيارات الأكثر تمثيلاً في البيئة المسيحية على حد سواء.
ودروز عين التينة يمثّلون أقلية "ميكروسكوبية" في بيئتهم. وسنّة عين التينة عدا بعض الشخصيات الحكومية والنيابية التي تمثّل الى حدّ معيّن في هذه المنطقة أو تلك، هم ما دون المرجعية السياسية السنّية الأكثر تمثيلاً في هذه البيئة. أما الأحزاب المدعوة الى عين التينة فمعظمها هامشي وملحق بأداة سلطوية ما.
لقاء تسووي وتجمّع حربيّ
في المقابل، فإن المشهد في "لقاء البريستول" يفيد أن مسيحييه هم الأساس في تمثيل البيئة المسيحية، وأن دروزه هم القوة التمثيلية الجارفة في بيئتهم. وإذا كان السنّة المشاركون في "البريستول" يمثّلون حضوراً سياسياً كبيراً في مناطقهم مثل النائبين أحمد فتفت ومصباح الأحدب، فإن المرجعية السياسية السنّية الأولى التي يجسّدها الرئيس رفيق الحريري ليست حاضرة مباشرة في "البريستول"، وإن كانت على مسافة غير بعيدة من هذه المعارضة بينما لا ترى نفسها قريبة أبداً من "عين التينة".
وباستثناء الحضور الشيعي الذي يؤمّنه النائب باسم السبع وإن كان لم يأتِ الى النيابة من منطقة شيعية بحتة، فإن الحضور الشيعي في "البريستول" بما هو التمثيل الشيعي الوازن، غائب بالمعنى الفعلي للكلمة.
وبما أن الموضوع المطروح الآن، يتجاوز الجواب عن سؤال: مَن مِن المعسكرين يستطيع أن يؤمن الأكثرية السياسية في الانتخابات النيابية المقبلة وبعدها، فإن "المنطق" يقتضي الاعتراف بأن "تجمّع عين التينة" يعاني ثلاث إشكاليات على الأقل: مسيحية وسنّية ودرزية فضلاً عن إشكالية كونه منعقداً "على الطلب"، في حين أن الإشكالية الرئيسية لـ"لقاء البريستول" شيعية.
وللحق، فإن المعارضة تقرّ بإشكاليتها على هذا الصعيد، كما تقرّ ـ ولو ضمنياً ـ في بعض الأحيان، بأن السقف الذي بلغته في معارضتها قد يحرج الشريك المسلم السنّي ما يقتضي منه "التوفيق" بين كونه معارضاً من جهة وكونه يخشى اختلالاً في المعادلة السياسية من جهة أخرى.
أما تجمّع "عين التينة" فلا يبدو آخذاً في الاعتبار الإشكاليات البنيوية التي يعانيها. والفارق واضح بين الإثنين بعيداً عن التشاطر تارة وعن الشعارية تارة أخرى، وهو أن "لقاء البريستول" أياً يكن سقفه الراهن باحث عن تسوية بينما "تجمّع عين التينة" تجمّع "حربيّ".
أسئلة الى عين التينة: أي "قضية" تطرحون؟
فـ"السلطة" بمركز قرارها السوري، التي تقيم تجمّعها الآن، إضافة الى الإشكاليات البنيوية التي يعاني هذا التجمّع منها، لم تكن مقنعة ولا هي اليوم كذلك، تماماً لأنها لا تقدّم أجوبة فعلية عن أسئلة رئيسية مطروحة من بينها الأسئلة الآتية:
1 ـ إذا كان ثمة مشروع أميركي ـ غربي في المنطقة يستهدف بلدانها، وهذا صحيح، فما هو بالضبط مشروع المواجهة المطروح على اللبنانيين المساهمة فيه، وهل ثمة ظروف عربية ـ إقليمية ـ دولية لمشروع المواجهة هذا، وهل ثمة اقتناع لدى "جماهير" هذه "السلطة" بأن الأنظمة الموجودة جميعها تستطيع أن تخوض مواجهة أصلاً؟
2 ـ ولماذا ثمة اعتقاد أن بقاء العلاقات اللبنانية ـ السورية على حالها، بما في ذلك استمرار الوجود العسكري ـ الأمني السوري في لبنان، هو عنوان هذه المواجهة المفترضة؟
3 ـ ما هي "القضية" التي يطرحها "تجمّع عين التينة" على اللبنانيين والحالة هذه إذا كان اللبنانيون يعيدون بعد خمسة عشر عاماً اكتشاف أن سلمهم الأهلي مهدّد عبر اللعب بالطوائف وبـ"ألغام أخرى"، وأن ما يخبرهم به "تجمّع عين التينة" هو أن لا سلم أهلياً في لبنان إلاّ ببقاء الأمور على حالها؟
4 ـ من الذي يقول ويحتّم أن إنقاذ لبنان من مخاطر المشروع الأميركي ـ الغربي يكون بعدم معرفة كيفية التعاطي معه للحدّ من الخسائر؟ ومن الذي يقول ويحتّم أن إنقاذ لبنان ـ وسوريا ـ ليس قضية تستحق؟
5 ـ من يستطيع أن يقول إن رفع الصوت للمواجهة لا يضمر نيّة البحث عن تسويات خارجية، على الرغم من أن أميركا تعلن أن لا مجال لتسويات في ظلّ الوضع الراهن لا سيما في لبنان؟.
6 ـ ومن يقول إن تقديم التنازلات لـ"الداخل" اللبناني مرذول ولا يحصّن لبنان وخياراته كافة؟
7 ـ وهل صحيح أن المعارضة "فاجرة" ولم تترك باباً للحوار، أم الصحيح هو أن "السلطة" بمركز قرارها الدمشقي وموالاتها هي التي ومنذ التمديد تغلق الباب تلو الآخر وصولاً الى المهمة "الغامضة" لنائب وزير الخارجية السوري السفير وليد المعلّم؟
8 ـ وهل صحيح أن المعارضة تفتعل المطالب أو هي "تُعطى" فتحاول الاستزادة، أم أن "السلطة" هي التي لا توفر وسيلة لقمع المعارضة وتهديدها بهدف تفكيكها وإضعافها؟
محاولة حسم التوازن قبل الانتخابات
هذه عيّنة من أسئلة مطروحة على "تجمّع عين التينة" ليس ليجيب المعارضة عنها بل ليجيب عنها أمام الناس. أما "القطب المخفيّة" وراء إنشاء "تجمّع عين التينة" فهي الآتية من وجهة نظر المعارضة:
أولاً ـ إن "القرار" بقيام هذا التجمّع، يأتي بعد بروز حقيقة اتساع حجم المعارضة في الشارع، وهذا الاتساع لم تصنعه المعارضة وحدها، بل ساهمت فيه "السلطة" وموالاتها اللتين كانتا الحليفتين الموضوعيتين للمعارضة، إذ بدلاً من أن تسلكا طريق التسوية "الفعلية" سلكتا طريق الانغلاق. وبكلام آخر، فإن اكتساب الشارع ليس قراراً، بل هو مسار تتداخل فيه عوامل عدة.
ثانياً ـ إن "السلطة" (وموالاتها) تريد حسم التوازن السياسي لصالحها قبل الانتخابات، أي أنها قررت أن تكون لها الأكثرية في المجلس النيابي المقبل مهما كان الثمن.
وهنا، تقول أوساط في المعارضة إن معلومات توافرت لديها تفيد أن "السلطة" تريد أن تضمن أنها إن هي اضطرت الى تقديم تنازلات الى الخارج الدولي، أن لها الأكثرية ضمن المؤسسات الدستورية، ولذلك فإنها تقرّ مشروعاً لقانون الانتخاب فتكتشف أنها بحاجة على أساسه الى عدد لم يتوفّر لتحقيق الأكثرية فتنقلب عليه عندما تفشل محاولاتها لفرض خوّة هنا أو وديعة هناك. وتضيف هذه الأوساط أن "السلطة" يجب أن تكون على معرفة بالتجربة التاريخية التي تفيد خلاصتها أن لا أكثرية مضمونة عند تبدّل موازين القوى، وأن أوائل "المتخاذلين" هم المفترضون حلفاء.. وأن الضامن الحقيقي هو تسوية جدية تصمد مهما تبدّلت الظروف.
ثالثاً ـ إن وراء "قرار" إنشاء "تجمّع عين التينة" هدفاً آخر هو التلويح بـ"الشرّ" لردع المعارضة، والمقصود بالشرّ هنا هو الانقسام الإسلامي ـ المسيحي، والإسلامي ـ الإسلامي.
رابعاً ـ ووراء إنشاء "تجمّع عين التينة"، محاولة القول إنه حامي اتفاق الطائف. وإن المعارضة تخلت عنه لصالح القرار 1559.
المعارضة تطرح البديل من 1559
لا تقلل المعارضة من "خطورة" قيام هذا التجمع لكل الاعتبارات السابقة، وإن كانت تؤكد أنه لن يرهبها، ولن يمنع محاولتها تأكيد الوفاق الوطني. وتوضح مصادر معارضة الآتي:
أ ـ إن التجاهل الذي قوبلت به دعواتها الى التسوية هو الذي شكل سبباً من أسباب التصعيد حيال الوجود السوري في لبنان، باتجاه المطالبة بانسحاب سوري "كامل"، وهي لم تستخدم كلمة "فوري"، بل أخضعت الانسحاب لاتفاق الطائف بما هو منظّم للخروج السوري وليس منظماً لبقاء القوات السورية.
ب ـ وإذ تعتبر المعارضة أن الانسحاب "الكامل" جزء من تسوية لبنانية ـ سورية تنجزها من الجانب اللبناني حكومة وحدة وطنية منبثقة عن انتخابات حرة، تلفت الى قناعتها بأن هذه التسوية هي البديل من القرار 1559، تفك الاشتباك معه من ناحية وتحيل بنوده الأخرى الى عملية وفاقية لبنانية من ناحية ثانية، أي أنها تريد "تحرير" التوازن السياسي من السلطة الأمنية ومن الضغوط كافة بما فيها ضغوط القرار 1559، وعندما يجلس الممثلون الحقيقيون للشرائح اللبنانية الى طاولة الحوار، فلن تكون التسوية بينهم انقلاباً على سوريا أو على الوفاق الوطني.
نصرالله والمبادرات المجهضة
ج ـ وتلفت المعارضة الى أنها وجهت رسالة الى "حزب الله" مرتين، الأولى بعد الاجتماع الأخير لـ"لقاء البريستول" الأربعاء الماضي، والثانية بعد اجتماع لجنة المتابعة أول من أمس السبت. ومفاد هذه الرسالة أن المعارضة لم تتبنَ القرار 1559 وغير معنية ببنوده المتصلة بالمقاومة وسلاحها، وهي حملت "تمني" على الحزب أن ينأى بنفسه عن الانخراط في مواجهة مع المعارضة.
وتعتبر أن توجيه هذه الرسالة، ينطلق من قناعة بما تضمنته من جهة ومن وعي بـ"الإشكالية الشيعية" للمعارضة من جهة ثانية ومن إدراك لخطورة فرز الشيعة عن معركة الديموقراطية من جهة ثالثة.
وإذ تلفت الى أنها لا تزال تراهن على عقلانية الحزب بما ومن يمثل، تؤكد أنها تعاطت مع مبادرات للحزب وأمينه العام السيد حسن نصرالله في مرحلة سابقة، لكن هذه المبادرات جاءت "منقوصة".
المبادرة الأولى كانت محاولة التوسط بين رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط وسوريا. وقد شكت هذه المبادرة من وجهة نظر المعارضة من أنها كانت محاولة للتحرك على أرض المشكلة بين جنبلاط ودمشق وليس من خارج هذه "الأرض".
والمبادرة الثانية كانت خلال استقباله عضوي "لقاء قرنة شهوان" سمير فرنجية وسمير عبد الملك، عندما طرح السيد نصرالله السير بقانون انتخاب "معقول" من أجل إنتاج مجلس نيابي يمكن أن يكون مؤتمراً للحوار.
غير أن المعارضة التي اعتبرت أن المبادرة الأولى تقع على أرضية المشكلة نفسها وأنها تندرج في إطار محاولة استعادة جنبلاط الى سوريا، رحبت في المقابل بالمبادرة الثانية. والحال أن المعارضة، كما تقول مصادرها، تعتبر أن هذه المبادرة الثانية تعني في العمق تأجيل المشكلة والحل الى ما بعد الانتخابات، وهذا لا يكون ممكناً إلا على أساس قانون طبيعي وسلطة تلتزم جانب الحياد من وجهة نظر المصادر التي تضيف أن "السلطة" وليس المعارضة هي من أجهض المبادرة "نحو مجلس نيابي يشكل منبراً للحوار" وذلك بإصرارها على حسم التوازن قبل الانتخابات.
لذلك، ولأنها ترى نفسها معنية بالوفاق الوطني الذي لا يكتمل إلا بالشيعة وربما يبدأ منهم، وبنزاهة الانتخابات وديموقراطيتها، ولأنها لا ترى أن "حزب الله" غير معني بأمر الانتخابات طالما أنه يطرحها مدخلاً الى الحل، فإن المعارضة وعشية انعقاد "تجمّع عين التينة"، تدعوه الى أن يكون صوت العقل في هذا التجمع، مؤكدة أن "الصراع على الشيعة" يجب أن يُكسب لمصلحة الوفاق والديموقراطية في البلاد، وأن لا مبرر برأيها لأن يمنح "حزب الله" شرعيته الى "سلطة أمنية"، ومشددة على أن هذا التوجه ليس تكتيكياً لـ"تحييد الحزب" وهو ليس محايداً في أمور رئيسية، بل هو توجه من أجل عدم الاندفاع نحو التصادم.
وتعرب عن اعتقادها أن "تجمّع عين التينة" هو تجمع لـ"مشكل" وليس لـ"الحوار"، وهو "عراضة" أكثر من كونه محاولة لرص الصفوف تسبق الحوار، لكنها ترى أن "حزب الله" بما له من مكانة واحترام هو المؤهل للمساهمة في الحؤول دون أن يمر لبنان في "ممرات كسر"، فهل ثمة ما هو "أعهر" من اتهام المعارضة بـ"التأمرك" فيما هي تطالب "حزب الله" بدور تقشعر الأبدان في واشنطن لرؤيته يؤديه؟
طبعاً، ليس مؤكداً أن "حزب الله" سوف يستجيب، لا بل على العكس، إنه الآن في ذروة تشنجه من المعارضة، ومخاوفه من العديد من أركانها كبيرة جداً... لكن وصول الرسالة اليه يبقى إيجابياً الى أن يثبت العكس.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.