ما هي المستجدات التي جعلت "السلطة" تتراجع عن وعودها للعماد ميشال عون؟
في الإجابة عن هذا السؤال، تعرب أوساط متابعة عن اعتقادها أن ثمة تطورات سياسية رئيسية طرأت خلال الأيام القليلة التي سبقت إعلان وزير العدل عدنان عضّوم لـ"كلمة السرّ" التي أعادت موضوع عودة عون من المنفى الباريسي الى نقطة متأخرة.
صفير والـ1559
أولاً ـ إعلان البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير من باريس قبل لقائه الرئيس الفرنسي جاك شيراك وبعده، مطالبته بتطبيق القرار الدولي 1559 وقوله إن تنفيذ هذا القرار لا يتناقض مع اتفاق الطائف، وحصوله من الرئيس الفرنسي على تطمينات بأن القرار سينفّذ عاجلاً وليس آجلاً، وهذا على ما يبدو ما حدا بالمطارنة الموارنة الى الحديث في بيانهم الأخير عن قرب استرجاع لبنان لمقوّماته وعن مناخ دولي مؤات لـ"القضية اللبنانية".
ثانياً ـ التفاهم الذي حصل بين البطريرك والجنرال خلال لقائهما في العاصمة الفرنسية، حول توحّد المعارضة، وعلى أن يعمل كل منهما على تحقيق هذا الهدف.
ثالثاً ـ الاقتراب "الكبير" لخطاب "لقاء البريستول" من القرار 1559 في مضمونه المتعلّق بالانسحاب السوري الكامل من لبنان، وتفسير هذا الاقتراب من الـ1559 لهذه الناحية على أنه تحت سقف الطائف، بمعنى أن المرحلية التي نصّ عليها الطائف في العام 1989 لم تعد ذات معنى في العام 2005، خصوصاً بعد تحرير الجنوب.
التقارب الفرنسي ـ الأميركي
رابعاً ـ التقارب الملحوظ بين فرنسا والولايات المتحدة، الدولتين المصنّعتين للقرار 1559، على الصعيد الإقليمي، لا سيما بعد الانتخابات العراقية، حيث بادرت فرنسا الى الترحيب بـ"نجاح" هذه التجربة الانتخابية، الأمر الذي يعني أن الاتفاق الفرنسي ـ الأميركي لم يعد مقتصراً على الرؤية الى لبنان في ظلّ خلافات بشأن القضايا الإقليمية الأخرى، بل هو بات مرشحاً ليشمل عناوين إضافية.
خامساً ـ وسط هذه التطورات جميعاً، يبدو أن المواقف الاعتراضية الداخلية لم تعد متخلّفة عن المواقف الخارجية، وأن إيقاع الاعتراض الداخلي يتوازى مع إيقاع المراقبة الدولية للوضع اللبناني.
سادساً ـ وإذا كان ما تقدّم ذكره يتعلق بما يمكن تسميته المعطيات الموضوعية، فإن الجانب الذاتي المتعلق بالعماد عون لا يقلّ أهمية، أي أن الجنرال رفض البازار الذي حاولت "السلطة" أن تفتحه معه لمقايضة عودته بأمور انتخابية وسياسية، وإن كان هدوء الجنرال خلال مقابلته التلفزيونية مساء أول من أمس، مؤشراً الى أن محاولات "السلطة" تخديره لا تزال مستمرة.
حسابات السلطة تخربطت
في ضوء ذلك كله، تخربطت حسابات "السلطة".
كانت "السلطة" تظن ان تسهيل عودة عون سيجعل من وجوده في لبنان في اللحظة الانتخابية القائمة، عامل مشاغبة على المعارضة "عن يمينها"، أي ان عودة عون في ظل "الفجوة" بين الخطابين المعارضين ستجعل توحد المعارضة في المعركة السياسية ـ الانتخابية متعذرة، فـ"تعيش" السلطة إذ ذاك على تناقضات المعارضة، وإذ يأخذ الجنرال من حصة المعارضة ـ كما تظن "السلطة"، تستطيع هي أن تكسب الأكثرية النيابية في المجلس المقبل.
وتقول الأوساط المتابعة إن التطورات المشار اليها جميعاً، بما في ذلك تبلّغ "السلطة" رسائل دولية على ما قيل، تحذرها ومركز قرارها السوري من التلاعب، هي (التطورات هذه) التي دفعت "السلطة" الى إعادة النظر في حساباتها، لأن ما كانت تحلم به من وظائف لعودة الجنرال ليس قابلاً للتحقيق.
من هنا يمكن القول ان عودة العماد عون تأخّرت الآن بالحسابات السياسية الخاطئة للسلطة... إلا إذا عادت وتلقت رسالة دولية قوية اضطرت للخضوع لها، فيسقط الوحي السياسي عندئذٍ وتخرّج المسألة قانونياً يوم الثامن من شباط. لكن، حتى لو حصل ذلك، يكون السياق مختلفاً. ويبقى أن عون معنيّ أكثر من أي وقت مضى بـ"تشديد" موقفه من "السلطة" في موازاة كلامه الإيجابي "النسبي" عن المعارضة.
الرهانات الخاسرة
هذه القضية تشكّل من دون أدنى شك مظهراً من مظاهر ارتباك "السلطة"، ومصدراً من مصادر هلعها، فما هي العوامل الأخرى للهلع؟
1 ـ خسرت "السلطة" الرهان على ما كانت تسميه استعادة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الى "الخط" وعلى فكّه عن خياره وتحالفاته السياسية.
2 ـ خسرت "السلطة" الرهان على مقايضة اعتماد القضاء دائرة انتخابية لإرضاء المسيحيين بنسف جسور العلاقة بين المعارضة المسيحية من جهة والرئيس رفيق الحريري والزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط من جهة ثانية. فالبطريرك صفير الذي "اشترى" القضاء انتقل الى المطالبة بتنفيذ الـ1559 وكرّر مواقفه من نزاهة الانتخابات عبر الرقابة الدولية والحكومة المحايدة، ورفض اتهام الوزير سليمان فرنجية للمعارضة المسيحية بأنها تسقط صيغة القضاء، ولفت الى "اللغم البيروتي" في العودة الى قانون 1960، ونادى المعارضة المسيحية بأن تشدّ وحدتها.
3 ـ وخسرت "السلطة" الرهان على "اختراق" الرئيس الحريري ومحاولة التفاوض معه حول بيروت، في ظل معرفة الحريري بحقيقة نواياها تجاهه من ناحية وفي ظل إصراره على خوض معركة معارضة لا لبس فيها من ناحية أخرى.
مهمة المعلّم
4 ـ وخسرت "السلطة" الرهان على مهمة نائب وزير الخارجية السوري السفير وليد المعلّم، وفي جوانب من مهمته محاولة "تنفيس" الأجواء من دون تغيير فعلي ومحاولة اختراق المعارضة. وكان من الطبيعي أن تفشل مهمة المعلّم لاسيما على صعيد اختراق المعارضة لانها بدلاً من ذلك أدّت الى العكس تماماً، بما في ذلك المحاولة الأخيرة للمعلّم للقول ان ثمة تناقضاً بين ما قاله النائب نسيب لحود له وبين ما قاله في مؤتمره الصحافي بعد اللقاء. والغريب ان "السلطة" كانت تحسب ان المعارضة سوف تستكين حيال مهمة "مبهمة" أولاً وبإزاء كلام عن عدم التدخل السوري في الشؤون اللبنانية في وقت يمارس المركز الأمني السوري التدخّل "المنظّم" ثانياً، فتفاجأت بردّ الفعل العكسي.
5 ـ ولعلّ الأهم في عوامل الهلع، هو أن "السلطة"، بالإضافة الى كل ما ذكر، اكتشفت واقعياً وبخلاف ما تعلنه أنها لن تكسب أكثرية المجلس النيابي المقبل أياً تكن التقسيمات الانتخابية، وانها تواجه مناخاً سياسياً ليس في مصلحتها انتخابياً أياً تكن الدوائر، في ظل تصميم المعارضة على التوحّد.
مشهد الانهيار
لهذه الأسباب جميعاً، ظهرت "السلطة" خلال اليومين الماضيين بهذا المظهر الأكثر من مرتبك، لا بل شبه المنهار، فقد رئيس الحكومة عمر كرامي ووزير داخليته سليمان فرنجية أعصابهما، وهدّد الأول المعارضة بأنه "سيفرجيهم". ومع أن الرئيس نبيه بري شارك في قيادة الحملة على المعارضة تخويناً لها من ناحية وتهديداً بالاقتصاص منها بالذهاب الى أوسع دائرة ممكنة من ناحية ثانية، فإنه يمكن القول إن بري ومنذ بداية البحث في المسألة الانتخابية، سعى الى توعية "السلطة" بـ"الخطر المعارِض" ونبّه من "محدلة معارِضة"، وقال لشركائه إن الصيغة التي كان يطرحها أي المحافظة مع النسبية هي أفضل صيغة لمنع الانهيارات ومنع سقوط السلطة ونظامها. هذا مع العلم أن بري بأدائه حتى اليوم يحاول أن يقدّم نفسه ـ في إطار لعبة متقنة أولاً ـ على أنه الاحتياط الانقاذي للسلطة، ولم يكن خافياً على المعارضة يوماً أن إقرار القضاء في مجلس الوزراء لا يعني أنه سيقرّ في مجلس النواب، وأن المرحلة بين مجلس الوزراء ومجلس النواب هي اختبارية بالنسبة الى "السلطة" وأن بري جاهز لتنظيم "الانقلاب على القضاء".
ظهرت "السلطة" على نحو منهار خلال اليومين الماضيين. ولا يغطّي التصعيد الكلامي هذا الواقع لا بل هو جزء منه. والخطوات والإجراءات التي هدّد كرامي باللجوء إليها لا ترهب المعارضة التي تقرأ هذه التهديدات على أنها انفعالات، ذلك أن "السلطة" ترفض الاعتراف بأنها دخلت في المأزق وأن أي خطوة تقدم عليها لا تخرجها منه، فلا تستطيع أن توغل في التلاعب بقانون الانتخاب ولا تستطيع أن تلغي الانتخابات ولا تستطيع ممارسة القمع.. وجلّ ما تستطيعه مما لا يفيدها هو تنظيم "كارلتون" أو "كومودور" أو "متروبوليتان".. أو "موفنبيك" وتستخدم لغة تهديد لمحاولة التأشير الى "فوضى"، لكنها لن تنجح طالما أن المعارضة متعدّدة إسلامية ـ مسيحية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.