إذاً، أتى نائب وزير الخارجية السوري وليد المعلّم الى بيروت. في المرة الأولى قدّم نسخة عن أوراق اعتماده الى وزير الخارجية، وفي المرة الثانية قدّم أوراق الاعتماد الى رئيس الجمهورية، وبدأ جولته على المسؤولين والسياسيين للتعارف.
المسار الذي اتبعه هو مسار السفراء المعتمدين في لبنان لكن سوريا لم تعيّنه سفيراً في لبنان بل كلّفته بـ"الملف اللبناني" الى جانب عشرة ملفات أخرى من ضمن مسؤوليته في وزارة الخارجية السورية، ولذلك فهو ليس سفيراً مقيماً في بيروت. والفارق الوحيد ـ لمصلحته ـ بالمقارنة مع سائر السفراء أن وزير الخارجية اللبناني يستقبله عند وصوله و"يرافقه" في جولاته، لأن نائب الوزير السوري أعلى رتبة من الوزير اللبناني، باعتباره إضافة الى منصبه موفداً من القيادة السياسية السورية.
قيل عند تكليفه بالملف أن مهمته تتمثّل في استعادة العلاقات اللبنانية ـ السورية الى المستوى السياسي من جهة وفي معالجة الثغر في هذه العلاقات من جهة ثانية، وأعلن السفير المعلّم ذلك بنفسه. وفي هذه الحالة فذلك يعني أنه مطّلع على الملفّ و"قابض" على وقائعه ويعرف مواقف الفرقاء اللبنانيين بشكل مسبق، ويفترض تالياً أن تقترن مهمّته اللبنانية بـ"مبادرة" تجاه لبنان والعلاقات اللبنانية ـ السورية أو بمشروع مبادرة على الأقل.
استطلاع وتقصّي حقائق
بيدَ أن ذلك لم يحصل. ولم يسمع منه من التقوه سوى إعلان نوايا طيّبة وأفكاراً عمومية من دون تحديد لأي آليات لتنفيذ المهمة أو آليات للوصول بهذه المهمة الى نتائج سوى كلام عن حوار مفتوح. ولخّص بعضهم طبيعة زيارة المعلّم بأنها "استطلاعية"، الأمر الذي لا يقوم به عادة إلاّ الملمّون بالقليل من "الملفّ" وهذا ليس شأن سوريا مع لبنان وفيه.
هذا في الاجتماعات المغلقة. أمّا في التصريحات العلنية، فقد أكد المعلّم "دعم سوريا المطلق للثوابت اللبنانية"، وأعلن أن سوريا "لا تتدخّل في الشؤون اللبنانية" وأن "إعادة الانتشار شأن يخصّ اللجنة العسكرية المشتركة" وأن "مزارع شبعا لبنانية"... أي إمّا أنه أعلن عناوين لا يعترف بها اللبنانيون من نوع أن سوريا لا تتدخّل في لبنان وإمّا أطلق مواقف يعتبرها اللبنانيون إشكالية من نوع "الثوابت اللبنانية" وإمّا حوّل أموراً تحتاج الى قرار سياسي الى مسائل تقنيّة من نوع إعادة الانتشار، أو أنه أخيراً لم يقرن موقفه بخطوة عملية من نوع أن مزارع شبعا لبنانية من دون الانتقال خطوة إضافية نحو إثبات لبنانية المزارع أمام المجتمع الدولي.
لم يأتِ السفير المعلّم إذاً مزوّداً بمبادرة أو بخطوة عملية أو بتصوّر، وهذا أمر يدعو الى "التأمّل" على اعتبار أن الأزمة السياسية اللبنانية ومن ضمنها أزمة العلاقات اللبنانية ـ السورية، ليست بحاجة الى تقصّي حقائق بالنسبة الى سوريا.
الكوب فارغ أم نصفه ملآن؟
وهناك من يطرح سؤالاً يراه ملحاً: إذا كان "الكوب" من نصفين في العادة، ملآن وفارغ، وإذا كان ما تقدّم يمثّل النصف الفارغ من الكوب، فهل ثمة نصف ملآن من كوب المعلّم؟
فإذا كان ما جرى عرضه فعلياً وحقيقياً، ماذا يبقى من "صورة" وجود السفير المعلّم في بيروت خلال اليومين الماضيين؟. يبقى أنه محاور مدني ـ سياسي ـ ديبلوماسي سوري لسياسيين وقادة رأي لبنانيين لكن في موازاة استمرار المركز الأمني السوري في "شغله" وإن من دون ضجيج. ويبقى أن المعلّم يأخذ بـ"شكليات" الاستماع الى محاوريه.
غير أن ما يبقى مما هو في خانة المعلّم أنه أعطى "الانطباع" بأن ثمة انفتاحاً سورياً لا دليل حسيّاً عليه، و"أخذ" صورة اللقاء بنائبين معارضين لـ"حسابه"، وسيجعل هذه الصورة تنطق بما هو أبعد بكثير من الحدث أمام الخارج الأميركي والفرنسي بعد ان استنطق اللقاء خلافاً لمجرياته بحسب لحود.
وإذا كان مما لا شك فيه ان هذا الأمر في حد ذاته، أي "الصورة" مع النائبين نسيب لحود وبطرس حرب، كان يمكن توقعه، وتوقع انه ينطوي على "مخاطرة" وانه لذلك كان يمكن تلافيه، فإن ذلك يقال من باب التأكيد على ان المعارضة يجب أن تحرص شديد الحرص في هذه المرحلة على صورتها الموحّدة، فلا يبدو ان ثمة خرقاً ولو شكلياً لهذه الوحدة في لحظة تتركز جهود "السلطة" على الفتنة بين المعارضين، كذلك ولمّا كان الأداء "التكتيكي" يثير تساؤلات في بعض الأحيان، فإن الحرص التكتيكي يجب ألا يقل عن الحرص "الاستراتيجي". على أي حال، فإن هذا الموضوع المتصل بأداء المعارضة حيال سوريا، والذي لا شك في ان "تجربة" اللقاء مع المعلّم تسمح باستنتاج كيف ومتى يحصل الحوار، حسمه "لقاء البريستول" أمس وهذا ما عبّر عنه عضو "لقاء قرنة شهوان" سمير فرنجية باسم اجتماع المعارضة بقوله ان الحوار مع السوريين عندما تنضج ظروفه يقتضي وجود شرطين: أولهما مشاركة المعارضة ككل والثاني أن يكون مشروع المعارضة سقفاً لهذا الحوار.
تكتيكات خاطئة متراكمة
بيد ان حسم "لقاء البريستول" لهذا الأمر عبر رفع السقف السياسي بالمطالبة بالانسحاب السوري الكامل وباعتبار ان الطائف ينظم الخروج السوري "المشرّف" من لبنان، لا يمنع من الإشارة إلى تكتيكات خاطئة تراكمت في الآونة الأخيرة، ويفترض بعد اجتماع أمس ألا تتكرر:
1 ـ مع بداية تشكيل الحكومة وبوجود سليمان فرنجية في وزارة الداخلية، أطلق بعض المعارضين إشارات إيجابية باتجاهه، والبعض منهم توافد عليه.
2 ـ يخرج الوزير فرنجية على التلفزيون مباشرة بعد صدور مشروع القانون، ليشتم المعارضة ويهاجمها، خاصّاً النائب فارس سعيد بشتائمه، ولا تبدي المعارضة أي ردّ فعل، خصوصاً أركان المعارضة المسيحية.
3 ـ لا يبدو عدد من قادة المعارضة مدركين لطبيعة المعركة السياسية التي يجري خوضها، فلا مواقف بالمرّة أو مواقف بـ"القطّارة" خارج الموقف الذي يصدره "لقاء البريستول" أو لجنة المتابعة في مقابل الدينامية السياسية التي يمارسها رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، ولا اقتراب من خطابه السياسي.
4 ـ وما يضاعف من ضرورة لفت النظر إلى أهمية الدينامية السياسية كي تكون المعارضة كلها على إيقاع واحد، ان مجلس المطارنة الموارنة ذكّر"أبناءنا المسيحيين" بأن "القضية اللبنانية أكبر من المقاعد والمراكز وفوقها جميعاً"، ولفت إلى "علامات تشير إلى زخم دولي" وإلى فرصة يجب عدم تضييعها.
والمعنى العميق لهذا الكلام هو انه يأتي بعد زيارة البطريرك نصرالله بطرس صفير إلى باريس والمعطيات التي تكوّنت لديه بحيث يتحدث عن فرصة لاسترجاع مقوّمات البلد.
5 ـ وإذا كان لا بد للمعارضة ـ المسيحية خصوصاً ـ كلها ان تلحق بخطاب جنبلاط وصفير وبإيقاعهما، فإنه لا بد أيضاً من تسجيل حقيقة ان لا نشاطية ملحوظة عند العديد من المعارضين (المسيحيين خصوصاً) في تزخيم معركة المعارضة، فلم تنظّم لقاءات شعبية ـ سياسية تفتح المناطق كلها على المعارضة كلها، كأن البعض منهم لا يزال في عقلية "الكانتون" الخاص.
6 ـ في الوقت الذي يعتبر رموز المعارضة أن الهدف الأول للمعركة السياسية هو "تحرير" الانتخابات كي تأتي بنتائج تستطيع المعارضة أن تحققها، ينصرف البعض الآخر الى حسابات انتخابية معينة، والغريب أن هذا البعض لا يرى ميداناً لحساباته إلا بيروت، في ظل تساؤلات "لم تعد" مشروعة عن موقع الرئيس رفيق الحريري. والأعجب أن بعضهم اعتبر الحريري معارضاً يوم لم يكن الاتجاه الى القضاء قد حسم، وعاد الى التساؤل عن وضعيّته في المعارضة بعد ذلك.
7 ـ والعديد من المعارضين لا يزال خارج القناعة بأن المعارضة مسؤولة عن البلد، وهي كذلك لأنها معارضة لبنانية إسلامية ـ مسيحية شاملة، في وقت "ليس سهلاً" على الشريك المسلم أن يتبنّى حيال شارعه المضمون "الحرفي" لخطاب المعارضة الذي يمكن القول انه بلغ الذروة أمس ولا ذروة بعده.
الاستدراك.. ووحدة المعارضة
ان هذه الملاحظات جميعاً تهدف الى الدعوة الى استدراك سريع لهذه "الهفوات" التي لا تحتملها المرحلة، والمؤكد أن اجتماع "البريستول" أمس توقف عندها في العمق، بما في ذلك حسمه التضامن مع الرئيس رفيق الحريري في موقفه من تقسيم بيروت، لأن المعارضة التي تستطيع أن تحقّق انتصارات سياسية وانتخابية في الظروف القائمة، والتي فشلت "السلطة" في ابتداع وسائل لهزمها، لا بد أن تكون على قدر المعركة، و"الشكل" يغدو "مضموناً" في العديد من الحالات.
لكن، وعلى قاعدة "ربّ ضارّة نافعة"، ولأن النقاش المسؤول هو وحده الذي يستطيع وضع اليد على أي خلل، ولأن النقد هو للتصحيح، ولأن الأخطاء لا تصبح كبيرة إلاّ عندما تتراكم، يمكن القول أن الظرف متاح لتشديد وحدة المعارضة وأن القرار بذلك موجود لتتحرّك المعارضة بشكل موحّد واضعة في خلفيّتها أن انتصارها أكثر من احتمال.. بل هو محتّم.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.