في محاضرته في الجامعة اليسوعية يوم الأربعاء الماضي، "كشف" رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط أن المعارضة بدعوتها الى تطبيق اتفاق الطائف في ما يتعلق بالوجود السوري في لبنان، أي انسحاب الجيش السوري نحو البقاع، إنما تقدّم المخرج لانسحاب سوري "مشرّف" من لبنان.
وليس مستعصياً على الفهم أن جنبلاط يطرح في العمق وجوداً سورياً موقتاً في منطقة البقاع، كمحطة نحو انسحاب سوري في "مدى منظور" من لبنان، وهذا هو المعنى الحقيقي لانتقاده تصريحات وزير الخارجية السوري فاروق الشرع الذي تحدّث عن بقاء السوريين لمدة سنتين إضافيّتين. وإذا أخذ في الاعتبار التسلسل المنطقي في تفكير وليد جنبلاط، فإن المطروح عملياً من جانبه هو حصول انسحاب سوري نحو البقاع قبل الانتخابات النيابية، على أن تتولى حكومة الوفاق الوطني ـ أو الاتحاد الوطني ـ المنبثقة من نتائج الانتخابات التفاوض مع الجانب السوري على المرحلة التالية من الانسحاب أي من البقاع نحو الداخل السوري، وعلى مضامين العلاقة اللبنانية ـ السورية في المرحلة المقبلة.
ولا يقف "مشروع" جنبلاط عند ذلك، بل هو ولمقتضيات تنظيم انتقال طبيعي من مرحلة الى مرحلة، يطرح ترسيم الحدود اللبنانية ـ السورية بين حكومة الاتحاد الوطني اللبناني والحكومة السورية لا سيما في منطقة مزارع شبعا بما يؤدي الى تثبيت لبنانية المزارع ليصار الى المطالبة بإدراجها ضمن القرار 425 وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي منها، الأمر الذي إذا حصل يعطي المقاومة في منطقة المزارع مزيداً من الشرعية الدولية، حتى إذا ما تحقّق الانسحاب الإسرائيلي، أمكن للبنان المطالبة بـ"تحكيم" اتفاقية الهدنة.
إذاً، وفي ضوء هذه المقدمات، يمكن استنتاج أن المسافة تضيق بين جنبلاط ومعارضين آخرين في الرؤية الى مستقبل الوجود السوري في لبنان، لأن الانسحاب السوري على مرحلتين نحو البقاع ثمّ نحو الداخل السوري مقترح له أن يتم خلال مهلة زمنية قصيرة نسبياً.
بين صفير وجنبلاط: التقارب يزداد
ولم يبتعد البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير عن "الرؤية الجنبلاطية" كثيراً في ما عبّر عنه من مواقف خلال زيارته الى باريس ولقائه الرئيس الفرنسي جاك شيراك. فهو إذ طالب المجتمع الدولي بتطبيق القرار 1559 وبمساعدة لبنان على تطبيقه، استعرض الصعوبات في التطبيق التي تتعلق بسلاح "حزب الله" والمقاومة وبسلاح المخيّمات، لكنه بدا ملحاً على الجانب الأولويّ المتعلّق بالانسحاب السوري تحت عنوان استعادة السيادة والاستقلال والقرار الحرّ.
الآن، وبصرف النظر عن التوازن الدولي الذي يمكنه أن "يساعد" في تسريع وتيرة الخروج السوري من لبنان، فإن المواقف المعارِضة تقترب من بعضها، حتى أن العماد ميشال عون لا يمكنه وصف هذه المقاربة الجنبلاطية ـ البطريركية بأنها ما دون سيادية.
وإذا كان لا بد من الاعتراف بأن المعارضة انتقلت الى مستوى "أعلى" في التعبير عن مطالبتها بالانسحاب السوري في مهلة زمنية قصيرة، وإذا كان بعض المعارضة في "لقاء البريستول" بات يقف على "حافة" القرار 1559، فإن العوامل التي لعبت دوراً في "تصعيد" الموقف المعارض في هذا المجال، عديدة وتتعلق بسوريا قبل غيرها.
الشرع والسنتان: بازار أم رهان على الوقت؟
أولاً ـ كلام الوزير السوري الشرع عن "مهلة السنتين" وتوضيحه بعد ذلك ان الانسحاب يتم "إذا طلبت الحكومة اللبنانية". وفي هذا المجال، قرأت المعارضة هذا الموقف بين حدّين: الأول هو احتمال أن تكون سوريا التي تشعر بحجم الضغوط الدولية عليها في وارد فتح "بازار" مع المجتمع الدولي حول مدة بقائها في لبنان، يبدأ بمهلة سنتين وقد ينتهي بمهلة أقلّ، وهذا "الحدّ" مقروء من زاوية أن دمشق "تنظم" تراجعاتها أمام الضغوط الدولية. والثاني هو أن سوريا قد تكون مستمرة في رهانها على تبدّل الأوضاع خلال هاتين السنتين، لا سيما الرهان على أن إدارة الرئيس جورج بوش ستصبح بعد سنتين في منتصف الولاية وتضعَف قدراتها على الصعيد الإقليمي في المنطقة وفق التقدير السوري، وان بقاء القوات ال سورية عندئذ لن يكون مرتبطاً بزمن، خاصة إذا نجحت دمشق في "تصنيع" المشهد السياسي اللبناني كما تشتهي.
الأسد: فشل الرعاية السورية لتطبيق الطائف؟
ثانياً ـ كلام الرئيس السوري بشار الأسد قبل يومين في موسكو، الذي يتضمّن إعلاناً عن الفشل في إقامة مؤسسات في لبنان، محمّلاً مسؤولية ذلك للبنانيين، أي للسياسيين اللبنانيين. وهنا تقول الأوساط المعارِضة أن كلام الأسد هو اعتراف بفشل الرعاية السورية لتطبيق اتفاق الطائف بعد خمسة عشر عاماً من إقراره. وتضيف أن الفشل نجم عن: تطبيق الطائف باعتماد موازين القوى في مراحل مختلفة، تعطيل سوريا للحياة السياسية الديموقراطية في لبنان والضغط على مسار إنتاج السلطات اللبنانية والعلاقات بينها، النزول بالعلاقة مع لبنان من المستوى "السياسي" الى المستوى "الأمني ـ المخابراتي" وتكوّن مصالح لبنانية ـ سورية مشتركة في هذا الإطار. وتلفت الأوساط المعارِضة الى أن "التدخل" السوري على النحو المشار إليه هو الذي عطّل قيام المؤسسات والعلاقة المؤسساتية بين لبنان وسوريا. وتشير الى أن "اعتراف الأسد" مهمّ في ذاته، لكنه يصوّب على اللبنانيين بما يشبه القول أن اللبنانيين إما أنهم لا يريدون مؤسسات في بلادهم وإما أنهم قاصرون ولا يزالون بحاجة الى "رعاية".
المعلّم "السياسي" والمركز الأمني الموازي
ثالثاً ـ بين كلام الرئيس الأسد وكلام الوزير الشرع، برزت خطوة تعيين وليد المعلّم نائباً لوزير الخارجية السوري مكلّفاً بـ"الملفّ السياسي" بين دمشق وبيروت. وقد قدّمت هذه الخطوة على لسان الأسد في موسكو بوصفها إعادة للملف اللبناني الى الخارجية السورية. وفي هذا المجال، تلفت المعارضة الى أنها وبانتظار مزيد من الوضوح حول مهمة المعلّم في لبنان، لا تعتبر أن ما تراه سوريا تغييراً عبر هذه الخطوة، هو تغيير جوهري "حتى الآن"، إذ لا يعني شيئاً كثيراً من وجهة نظرها أن يكون المحاور السوري مع اللبنانيين سياسياً أو ديبلوماسياً فيما لا يزال المركز الأمني السوري موازياً للمركز السياسي (الخارجية السورية) لا بل أفعل منه في كل المجالات. وعلى هذا الأساس، وإذ ترى المعارضة أن تحويل لبنان الى "مكتب" في الخارجية السورية ليس تغييراً، وأن التفاوض السياسي حول شؤون العلاقة اللبنانية ـ السورية فيما لا تزال مراكز النفوذ السوري الأخرى قائمة وفيما لا تزال أوراق الضغط موجودة، لن يتقدّم كثيراً في "الجوهر".
المسؤول الأمني اللبناني و"الجهاز المشترك"
رابعاً ـ علاوة على المواقف السياسية السورية، فإن وقائع المسار الذي سلكه إنتاج مشروع قانون الانتخاب، تدلّ على حصول "تدخّل" سوري فيه. فاعتماد صيغة 1960 باستثناء بيروت قرار سوري والدلائل عليه كثيرة وأبرزها أن مرجعاً في الحكم كان يعارض القضاء وتراجع عن اعتراضه فجأة، فسّر ذلك لمراجعيه بأنه رغبة سورية. طبعاً يعذر هذا المرجع لأن من قدّم له "فلسفة" القضاء ودعاه الى السير فيه هو مسؤول أمني لبناني رفيع جزء مما يسميه الزعيم المعارض وليد جنبلاط الجهاز الأمني اللبناني ـ السوري المشترك. وهذا المسؤول الأمني اللبناني أشرف على المقصّات الانتخابية، وعدد من الوزراء أقاموا الدنيا ضدّ اعتماد القضاء عادوا وصوّتوا الى جانب مشروع وزير الداخلية.
من هنا، تقول أوساط المعارضة أنها تعتبر أن المواقف السورية لعبت دوراً في رفع سقف خطاب المعارضة حيال الوجود السوري في لبنان. وإذ تشدّد على أن المواقف السورية لا تحمل تغييراً يُذكر حتى الآن، تسجّل مع ذلك أن ما صدر عن سوريا هو برسم الخارج، الأميركي خصوصاً، أي يعكس قدراً من التنازلات السورية حيال أميركا عبر محاولة الإيحاء بأن مواقفها "تتحرّك" وليست جامدة، لكن سوريا لا تزال تتجنّب تقديم التنازلات التي تريد تقديمها، دون ألغام، سواء لاعتقادها أنه لا يزال في إمكانها الالتفاف عليها عملياً من خلال محاولة خلق وقائع لبنانية معيّنة، أو لاعتقادها أنه لا يزال في وسعها ممارسة "لعبة الوقت".
المعارضة والمعركة
وإذ لا ترى المعارضة أن ما يجري تعميمه عن عدم تدخّل سوري في قانون الانتخاب جدّي، ولا ترى أن سوريا ترغب "إرادياً" في تنفيذ خطوات "كبيرة" لأن ما تتطلّع إليه هو تشكيل المشهد السياسي اللبناني للمرحلة المقبلة كما تراه هي، تؤكد (المعارضة) أن الوجه الرئيسي لمعركتها هو تفكيك "الجهاز الأمني اللبناني ـ السوري المشترك" الذي يشكّل البنية التحتية لـ"السلطة" ضد المعارضة، والخطوة الأولى في المعركة إسقاط الحكومة الحالية ومنع الأجهزة من التدخّل وتأمين الرقابة الدولية. والمثال الأسطع على الشكوك التي تساور المعارضة، هو أن البطريرك صفير الذي سعت "السلطة" الى "بيعه" قانون الانتخاب، أجاب على هذه "الهدية" وتعبيراً عن عدم "شرائه" لها، بالمطالبة بتطبيق الـ1559 وبقيام حكومة محايدة وبمراقبة دولية، وأكد على وحدة المعارضة للفوز بالانتخابات.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.