كشف وزير الداخلية في حديثه الى قناة "المنار" والذي نشرته "المستقبل" في عددها أمس وتضمّن تهديداً للمسيحيين بالذهاب الى المحافظات الخمس دوائر انتخابية في حال قرّروا التحالف مع الرئيس رفيق الحريري، النقاب عن جملة قضايا دفعة واحدة في إطار خطة "السلطة" ومركز قرارها السوري.
"العصفور الأميركي السمين"
أولاً ـ عندما قررت هذه "السلطة" السير في اعتماد القضاء دائرة انتخابية أو قانون العام 1960 محوّراً في بيروت، كانت تظن أنها تحقق بذلك هدفين: الأول هو اتقاء الموقف الدولي، الأميركي خصوصاً، حتى قبل أن تقول الولايات المتحدة رأياً في قانون الانتخاب، والثاني هو "شراء" موقف مسيحي بواسطة "بيع" التقسيمات الانتخابية لا سيما استحداث دائرة للمسيحيين في العاصمة الى البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير عشية سفره الى باريس للقاء الرئيس الفرنسي جاك شيراك. وبكلام آخر، فإن "السلطة" بمركز قرارها الدمشقي حاولت عبر الإيحاء بالسير في "الصغرى" إصابة "عصفورين بحجر واحد" وإن كان "العصفور الأميركي السمين" هو المقصود إرضاؤه في حقيقة الأمر.
الحريري والمعارضة المسيحية
ثانياً ـ ولمّا كان ذلك كله من ضمن تفكير "السلطة" وتخطيطها، فإن التتمة المنطقية كانت تقضي عبر محاولة إغراء المسيحيين أو "رشوتهم" بالدائرة الأولى المسيحية في بيروت، بمنع قيام جبهة انتخابية بين الرئيس الحريري والزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط والمعارضة المسيحية في بيروت وفي كل المناطق اللبنانية.
ولهذه الغاية أوصلت "السلطة" رسائل معيّنة الى معارضين مسيحيين لدعوتهم الى "التعاون"، مستخدمة لذلك حجّتين، الأولى هي أن التقسيم الانتخابي في بيروت وكل لبنان "يعطي" المعارضة المسيحية شيئاً رئيسياً طالما أنه يستجيب لمطلبها حول قانون الانتخاب، والحجّة الثانية هي أن استحداث دائرة أولى مسيحية "يحرّر" المرشّحين المسيحيين من الحاجة الى الحريري انتخابياً. وفي المقابل وبعد أن جرى تسريب التقسيم المقترح لبيروت، تمّت "مفاوضة" الرئيس الحريري عبر قنوات عدة، وتوالت العروض عليه بـ"تحسين" التقسيم الانتخابي في الدائرة الثانية إن هو قبل مشاركة "السلطة" ومركزها السوري في اختيار عدد من نواب العاصمة، وإن هو وافق على عدم "التمدّد" خارج العاصمة بخوض معارك انتخابية معارضة في أقضية أخرى.
جواب الرئيس الحريري على هذه العروض "السخيفة" كان واضحاً: لا مقايضة لشيء بشيء آخر، لا مقايضة لبيروت بأقضية أخرى، وتقسيم بيروت على النحو المقترح من وزير الداخلية لا سيما في الدائرتين الثانية والثالثة لن يُقبل لا منه ولا من جنبلاط ولا من المعارضة المسيحية. وهنا معنى "التفهّم" الذي أبداه رئيس مجلس الوزراء السابق لوجود دائرة مسيحية، حيث كان يؤكد تحالفه مع المسيحيين من ناحية ويقطع الطريق على "فخّ" السلطة المتمثّل في محاولة استدراج الموقف المسيحي الى إغراء سخيف من ناحية ثانية.
وكذلك كان جواب المعارضة المسيحية بأركانها الرئيسيين: لن يغرينا "إعطاء" دائرة للمسيحيين في العاصمة من ضمن مشروع قانون للانتخاب ذي استهدافات كيديّة، ولن نقبل بمحاولات ضرب الجبهة المعارضة، وبيروت هي الموقع الأساسي للمعركة وتحسم معركة المعارضة فيها.
وأكثر من ذلك، لم يتأخّر الطرفان، الحريري والمعارضة المسيحية، عن اكتشاف "المؤامرة" التي تقضي بأن تتكيّف "السلطة" مع وصول عدد أكبر من المعارضين الى المجلس النيابي المقبل حيث تقدّر "السلطة" أن الزيادة لن تتجاوز العشرين نائباً باعتماد القضاء في مقابل "تشليح" المعارضة نحو نصف نوّاب العاصمة، وهكذا يأتي المجلس النيابي الجديد بغلبة موالية كما تظن "السلطة".
ضربة جنبلاط القاضية
ثالثاً ـ وصلت هذه المواقف كلها الى مسامع "السلطة" ومركزها السوري، لا بل تمّ إبلاغها عبر قنوات التفاوض "المستحيل". بيدَ أن ما وجّه ضربة قاسمة لمشروع فرنجية، كان الموقف الذي أطلقه وليد جنبلاط مساء الأحد الماضي من قريطم بعد لقائه الحريري، حيث لم يكتفِ بتأكيد وحدة المعارضة مِن بيروت الى الجبل الى كل لبنان، بل اعتبر أن التلاعب في بيروت سيُرفع الى الأمم المتحدة وأمينها العام كوفي أنان. وغنيّ عن القول أن موقف جنبلاط أسقط مشروع فرنجية بالضربة القاضية لأنه كشفه لبنانياً وأمام المجتمع الدولي.
"وثيقة فرنجية"
إذاً، يمكن القول أن السقوط الفعلي لمشروع فرنجية كان مساء الأحد، قبل أن يطل وزير الداخلية تلفزيونياً ويقول ما قاله كاشفاً "الخطة" التي ليست سوى خطة تزوير مسبق للانتخابات. وكلامه هو بالفعل وثيقة إدانة لـ"السلطة" أمام اللبنانيين والمجتمع الدولي في آن. وللفائدة ولمزيد من توثيقه، يجدر التذكير بقوله "عندما تعتبر المعارضة أنها حقّقت نصراً وتريد كسر الموالاة في بيروت حينها سنتصرّف كموالاة وليس كدولة فنحن بالنتيجة نريد أن نحمي رأسنا". وقال أيضاً "نحن أعطينا وهم يريدون اعتبار ما فعلناه انتصاراً لهم فيقرّروا كسر الدولة" (من المهم ملاحظة الحديث عن الموالاة ـ الدولة). وقال بشكل سافر "الدولة ستستفيد من الدائرة الشيعية ـ الأرمنية فإذا أرادوا أن يأخذوا حصّة الدولة هذه سنتصرّف كسلطة وكخط سياسي في اتجاه المحافظات الخمس" (من المهمّ ملاحظة الحديث عن "حصّة الدولة" وعن دائرة شيعية ـ أرمنية، وعن سلطة وخطّ). وقال "اللعب في بيروت ممنوع وسنخلط كل أوراق بيروت فلماذا يجب أن نقبل أن يتفق المسيحيون مع الحريري علينا؟ وإذا فعلوا سنغيّر كل شكل بيروت" (من المهم ملاحظة هيجان الوزير وارتباكه).
فرنجية "مبرمج" أو "من رأسه"؟
إذاً مع سقوط المشروع بضربة جنبلاط القاضية، وبتأكيد وحدة جبهة المعارضة، سقط فرنجية نفسه: التقسيم الانتخابي لغايات سياسية، و"الدولة ـ السلطة ـ الموالاة ـ الخط" (قلّة معرفة الوزير بالمصطلحات أو دمجها عشوائياً) هي التي تقرّر مسبقاً "الحصّة" و"التحالفات".
والسؤال بعد ذلك هو الآتي: ماذا وراء كلام فرنجية وهل هو تصرّف "من رأسه"؟
1 ـ ان سليمان فرنجية قبل أن يهدّد المسيحيين بإغراقهم في وحدات مختلطة، وضعهم في قفص الاتهام، بمعنى أنه كشف عن "شيء ما" كان يحصل قبل تفجّر مشروعه، الأمر الذي يستدعي رداً، خصوصاً أن المعارضة المسيحية كانت "رأس الحربة" في المعركة ضد "السلطة" منذ سنوات، وانها التزمت بقانون العام 1960 على أن يكون بحرفيته.
2 ـ ثمة من يتساءل: هل أن كلام فرنجية "مبرمج" فعلاً أي هل هو فاجأ "السلطة" و"الموالاة" و"الخط"؟ وثمة تساؤل آخر: هل يستطيع من يمثّلهم فرنجية تحمّل هذا الأداء الذي يفضح "السلطة" و"الدولة" و"الخط" مسبقاً؟
ومصدر هذين التساؤلين هو الآتي: قبل أن يخرج الوزير الى الإعلام على طريقة "الحجّاج" و"الرؤوس التي أينعت وحان قطافها"، كان المتداول أنه في ظلّ عدم انطلاء الإغراءات والمؤامرات على أحد، سيتم إخراج الالتفاف على مشروع فرنجية بإحدى صيغتين: إما بعدم تمريره في مجلس الوزراء باستخدام الثلث المعطّل، حيث يستبق الوزيران عاصم قانصوه وعبدالرحيم مراد جلسة مجلس الوزراء بـ"جولة" مأذونة على زملائهم لدعوتهم الى التصويت ضدّه، وإما "انتظاره" في المجلس النيابي لتعديله. بيدَ أنه من الواضح أن "السلطة" اكتشفت أن الوقت لن يغيّر في المواقف.
3 ـ وسواء كان كلام فرنجية مأذوناً سلطوياً وسوريّاً أو ناجماً عن تضعضع، فإن "السلطة" دخلت "في الزجاج" كما يُقال، و"القصة انتهت" أي أنها انكشفت وبانكشافها منحت المعارضة انتصاراً سياسياً كبيراً كانت تتوقعه مساء الخميس فجاء مساء الإثنين، وأعطى المعارضة مادة شديدة الدسم في معركتها.
نقاط كسبتها المعارضة ومعركة تغيير السلطة بدأت
وفي هذا المجال، كسبت المعارضة النقاط الآتية: "سلطة" تعلن رسمياً أنها تخطّط لتزوير الانتخابات من مدخل القانون أولاً، و"سلطة" تعلن رسمياً أنها ستدير العملية الانتخابية بانحياز الى خطها ويعلن وزير داخليتها أنه لن يكون محايداً ثانياً، و"سلطة" تحاول "الاحتيال" على اللبنانيين وعلى المجتمع الدولي تقع بسرعة في "لعبتها" ثالثاً.
بيدَ أن الأهم هو أن المعارضة لم تعد بحاجة الى سبب لـ"الاشتباك السياسي" مع هذه "السلطة"، لأن ما كانت المعارضة تؤكده قيل رسمياً من قبل فرنجية. والأرجح أن المعارضة ستؤكد على العناوين الآتية:
أ ـ إسقاط حكومة التزوير المعلن رسمياً، وقيام حكومة حيادية بإعداد قانون طبيعي للانتخابات وبالإشراف على نزاهتها، الى جانب هيئة مستقلّة تتولى مراقبتها بكل الصلاحيات اللازمة لذلك.
ب ـ ان الانتخابات لا يمكن أن تجري في ظل هذه "السلطة"، ولذلك فإن حصول الانتخابات بات يتطلّب حصول التغيير ومعركته مفتوحة بالفعل قبل الانتخابات.
ج ـ ان المعركة السياسية هذه يقودها مثلّث الحريري ـ جنبلاط ـ المعارضة المسيحية. والتضامن الذي ظهر خلال الأيام الأخيرة في هذا الشأن وانطلاقاً من موضوع بيروت، يؤكد وحدة المثلّث ووحدة المعركة.
"السلطة" تستدرج التدويل ثانية
إذاً، في ضوء كل ما تقدّم، من الواضح أن الصراع السياسي انتقل الى محطة متقدّمة عنوانه الرئيسي أي سلطة للإشراف على الانتخابات، علماً أن المعارضة الموحّدة باتت مؤهلة للتطلّع الى كسب أكثرية المجلس النيابي. لكن "السلطة" التي حقّقت نجاحاً باهراً في تمكين المعارضة من الانطلاق من إنجازات متحقّقة سلفاً قبل مواصلة معركتها، يبدو أنها نجحت نجاحاً باهراً أيضاً في استدراج التدويل الذي لن يتأخر بحسب المعلومات المتوافرة عن ممارسة ضغوطه لتحقيق متغيّرات كانت "السلطة" بمركزها السوري تحاول استئخارها عبر السياسة الانتخابية من جهة وعبر تصريحات وزير الخارجية السوري فاروق الشرع الذي فتح تفاوضاً "على الهواء" قبل ثلاثة أيام حول مدة بقاء الجيش السوري في البقاع مطالباً بسنتين فقط من جهة أخرى.
الأمور تسير مسرعة إذاً، والمطلوب من أركان المعارضة كافة نوع من "الكرم السياسي"، أي مواكبة نشطة لوليد جنبلاط، ولدينامية المعارضة نفسها، بعد أن بات واضحاً أن المعركة هي سياسية قبل أن تكون انتخابية، والانتخابات نتيجة وليست بداية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.