8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الحريري يشتبه بـ"فتنة" طائفية وقراره مواجهتها وعدم المساومة

كيف يقارب الرئيس رفيق الحريري المشروع المطروح من قبل وزير الداخلية سليمان فرنجية والقاضي بتقسيم بيروت الى ثلاث دوائر، الأولى مسيحية والثانية حيث يتركز الصوتان الشيعي والأرمني والثالثة بالغلبة السنّية؟
ينطلق الرئيس الحريري الذي لطالما كان مع وحدة العاصمة حتى لو قسّمت مناطق أخرى، من قناعة راسخة بأن المشروع المطروح حالياً لبيروت خطير جداً، لا بل هو مشروع فتنة يستهدف العيش المشترك الذي تجسده عاصمة لبنان بالدرجة الأولى. ويبدي اعتقاده ان التقسيم المقترح يراد منه ليس فقط محاولة تحجيمه كما تظن "السلطة"، بل استفزازه ليخوض حرباً ضدّ المشروع لتقول "السلطة" بعد ذلك انه مذهبي في حين ان المشروع نفسه هو مذهبي. كذلك تريد "السلطة" أن "تحوّله" الى مجرد زعيم سني في دائرة من بيروت بينما تصرّف ويتصرّف على أساس كونه مرجعية وطنية أي لبنانية عامة.
في المشروع فتنتان: إسلامية ـ مسيحية وسنّية ـ شيعية
إذاً بحسب المشروع المقترح ووفقاً لـ"السيناريو" السلطوي، سينبري الحريري الى مهاجمة تخصيص دائرة أولى للمسيحيين. لكن رئيس الوزراء السابق رفض هذا الاستدراج، خاصة ان المسيحيين يعتبرون ان تخصيصهم بدائرة أمر مرغوب، وفوّت على بيروت ولبنان بموقفه "المتفهم" للدائرة المسيحية فتنة طائفية إسلامية ـ مسيحية مؤكداً بذلك المنطلق الوطني في مقاربته للأمور.
بيد ان مشروع وزير الداخلية لا يتضمن فقط هذا "اللغم"، أي لغم الدائرة الأولى. ذلك انه يسحب من "الأولى" مناطق كانت تابعة لها في قانون العام 1960 الذي يجري الادعاء بالاستناد اليه، ويضم هذه المناطق الى الدائرة الثانية بحيث تحتل كتل مذهبية مساحة يراد لها أن تغيّر التوازن السياسي. لكن الأخطر في هذه "الخياطة الفرنجية" هو ان تشكيل "الثانية" يؤسس لمواجهة إسلامية ـ إسلامية، سنّية ـ شيعية، ويستدرج "حزب الله" الى مواجهة مع الحريري.
وغنيّ عن القول ان الحريري لا يريد للاستنفار المذهبي السنّي ـ الشيعي أن يحصل، ولا يرى مصلحة للعاصمة في حصوله، ولا مصلحة لـ"حزب الله" بالتأكيد في هذا الأمر. وأكثر من ذلك، ثمة قراءة لدى الرئيس الحريري أوسع من المجال اللبناني، قراءة للواقع العربي والإسلامي ولعلاقة السنّة بالشيعة في هذا المدى كله، تصل به الى التشديد على الوحدة الإسلامية في إطار الاعتدال المشترك، خاصة في ضوء التجربة العراقية التي أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك ان سلام العراق يتوقف بدرجة كبيرة على حسن العلاقة السنّية ـ الشيعية.
إذاً، إذا كان الحريري بـ"تفهمه" لوجود دائرة مسيحية يفوّت الفرصة على فتنة طائفية إسلامية ـ مسيحية، فهو بالأحرى حريص على تفويت مواجهة سنّية ـ شيعية، وهو في الحالتين ليس مسؤولاً عن بذور الفتنة في التقسيم الانتخابي للعاصمة، لكن ما العمل وقد وضع المشروع المقدّم من وزير الداخلية نصف عدد نواب العاصمة في الدائرة الثانية؟. ولعل في الجواب عن هذا السؤال، يبرز تلويح الرئيس الحريري بإمكان خوضه الانتخابات في هذه الدائرة بالذات ليس لـ"يرفع" المواجهة بل لـ"يضبطها" بحضوره الشخصي فيها، لكن ارتفاع منسوب المواجهة أو عدمه ليسا في يده وحده، وقد ترتفع المواجهة وهو ليس سبباً في ذلك، بل التقسيم المذهبي هو أصل العلة.
المسألة وطنية.. ولا مساومة
باختصار، ان الحريري لا يشتبه بالمشروع المطروح من زاوية نوايا تحجيمه من قبل "السلطة" فقط، بل أساساً من زاوية ما يثيره من إشكاليات طائفية ومذهبية لا شك في ان لبنان بغنى عنها في وقت يحتاج الى تأكيد استقراره وسط الاضطرابات الإقليمية. ويحرص على تأكيد ان المشروع لا يخيفه من زاوية انتخابية. وعلى أي حال فحتى بالتقسيم المقترح ستُظهر الانتخابات الحجم الذي يتمتع به في كل الدوائر الثلاث بدءاً من الأولى.
لذلك، ولأن المشروع خطير على الوحدة الوطنية والعيش المشترك، ولأن ليس صحيحاً من وجهة نظره استنتاج أن "تفهمه" لوجود دائرة مسيحية يفترض أن يقوده الى قبول تقسيمات طائفية ومذهبية في الدوائر الأخرى بما فيها "الثالثة"، يؤكد الحريري انه إذا كان ثمة من يظن انه يطرح هذا المشروع للضغط عليه أو لـ"التفاوض" معه عليه لمقايضته أو مساومته بالنسبة الى أمكنة اخرى، فإنه لن يساوم ولن يرضخ ولن يقبل بأي صفقات، فموقفه في العاصمة وطني مبدئي، وهو سيخوض الانتخابات في كل المناطق اللبنانية.
المعارضة تدعم: اشتباه بهدف تحجيم الحريري
من جهتها، تدعم المعارضة الملتقية حول وثيقة "البريستول" موقف الرئيس الحريري وتتضامن معه. وبعد مشاورات بين عدد من أركان المعارضة مع الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط قبل أيام قليلة، صاغت المعارضة مشروع موقفها على النحو الآتي:
1 ـ تبدي المعارضة كلها، والمسيحية بشكل خاص، ارتياحها الى "تفهم" الحريري لوجود دائرة مسيحية في بيروت، من منطلق الحريري نفسه الذي يرفض المواجهة الإسلامية ـ المسيحية من ناحية، ومن منطلق ان الحريري يعطي إشارة إضافية الى البعد الوفاقي الوطني الذي يتمتع به من ناحية ثانية، وعلى قاعدة ان قانون العام 1960 الذي رأت المعارضة ان العودة اليه تصح في الوضع الحالي الانتقالي من ناحية ثالثة وأخيرة.
2 ـ غير ان المعارضة تعتبر ان مشروع وزير الداخلية بخصوص بيروت لا يلتزم قانون العام 1960، وهو بحجة إغراء المسيحيين بدائرة مخصصة لهم، لا يخفي كيديته واستهدافه للرئيس الحريري.
3 ـ وانطلاقاً من ذلك، ولأن لا وحدة معيار في المشروع ولأن الشبهة كبيرة بالاستهدافات السياسية لمشروع فرنجية، ولأن المعارضة تعتبر الحريري معترضاً ومعارضاً على قاعدة خصوصية مفهومة، فإن المعارضة ستتصدى مع الحريري لمشروع وزير الداخلية لتقسيم بيروت على هذا النحو، في امتداد تصديها لأي قانون انتخاب لا يلتزم وحدة المعيار من جهة ويضغط على صحة التمثيل من جهة ثانية.
4 ـ وتؤكد المعارضة انها ماضية في معركتها السياسية ـ الانتخابية ضد الحكومة غير الحيادية القائمة حالياً، والتي يشكل مشروعها لقانون الانتخاب دليلاً على كيديتها وانحيازها. وتعتبر ان مشاركتها الحريري الاعتراض على تقسيم بيروت هو لمزيد من تأكيد الطابع الوطني الشامل للمعارضة، ولمزيد من فضح "السلطة" أمام الرأي العام اللبناني والدولي. وتشدّد على ان تطويق الفتنة، وهو ما يريده الحريري أساساً، لا بدّ أن يكون بموقف وفعل سياسيين على صعيد إسلامي ـ مسيحي مشترك.
بري ضد تقسيم بيروت
في هذه الأثناء، يؤكد رئيس مجلس النواب نبيه بري في مجلسه الخاص انه ضد تقسيم بيروت كائناً ما كان هذا التقسيم، ويشير الى ان موقفه هذا لا علاقة له بموقف الحريري "الذي لا حديث بيني وبينه في هذه الآونة". ويشرح بري أسبابه بالآتي:
أ ـ يتمسك الرئيس بري بموقفه الداعي الى اعتماد المحافظة دائرة انتخابية مع النسبية. وهذا ما أكده خلال اللقاءين اللذين حصلا في بعبدا، الثلاثي الذي ضم بري الى الرئيسين إميل لحود وعمر كرامي ثم الرباعي الذي انضم اليه الوزير فرنجية. وفي هذه المناسبة يؤكد رئيس المجلس ان التسريب حول اتفاق على القضاء جرى في "الرباعي" ليس صحيحاً "فقد استعرضنا كل الصيغ من القضاء الى الوسطى الى المحافظة بالنظامين الأكثري والنسبي وجرت مداولات لمعرفة كيف تكون الأمور في حال اعتمد هذا الخيار أو ذاك. وإذ رفضت أن يوحى بأي شكل من الأشكال بأنني أقف ضد المطلب المسيحي بالقضاء، لم أعطِ مع ذلك موافقتي عليه لانني أطرح مشروعاً أراه مناسباً لكل اللبنانيين".
ب ـ ويذهب بري الى حد الكشف عن انه في اللقاءين الثلاثي والرباعي، دعم تمسكه بالمحافظة دائرة انتخابية بتذكير المجتمعين بأن الرئيس الحريري مع المحافظة ايضاً داعياً الى "عدم حشره".
المأخذ على الحريري
ج ـ وإذ يذكّر الرئيس بري بأن الرئيس الحريري كان القائل باستمرار انه إذا قسّمت كل المحافظات انتخابياً، فإن العاصمة رمز وحدة لبنان يجب ألاّ تقسّم، يأخذ على الحريري صيغة مقاربته الأخيرة للمشروع المطروح لتقسيم بيروت، ذلك ان ما يسمّيه رئيس الحكومة السابق "تفهماً" لوجود دائرة أولى مسيحية، هو بمثابة موافقة ضمنية على تقسيم العاصمة من جهة، وهو يضعف حجته برفض التقسيم الطائفي لبيروت ولتركيبة الدائرتين الأخريين من جهة ثانية، وهو يضعف منطق اعتراضه ككل على مشروع قانون الانتخاب من جهة ثالثة.
د ـ ويؤكد بري بدوره ان موقفه المتمسك بالمحافظة مع النسبية ليس خوفاً من القضاء أو من الخارطة السياسية الجنوبية، بل هو ناجم عن مسألتين: الأولى ان المحافظة مع النسبية تقع ضمن روحية الطائف وتتيح تمثيل الجميع بأحجامهم، فضلاً عن انها تصلح كقانون "دائم"، في حين ان مشروع القضاء سيلحظ مرة اخرى عبارة "لمرة واحدة فقط"، والمسألة الثانية هي ان المحافظة مع النسبية تؤمن أكثرية لا تحدث انقلاباً في المشهد السياسي، ويوافق بري هنا على القول انها الصيغة التي تقي النظام السياسي من انهيارات. وفي الوقت الذي يشدّد على "فلسفة" الصيغة التي يطرح مذكراً بأنه طرحها منذ شباط 2003 تحت عنوان "مستعد لأخسر عدداً من النواب لأكسب لبنان"، يلفت الرئيس بري الى ان بعض الحكم يرى ان القضاء يؤمن الأكثرية للموالاة، فإذا كان هذا هو الهدف على المكشوف، فالمحافظات بالنظام الأكثري تؤمن "لهم" ذلك في حين ان "رأيي مختلف تماماً".

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00