8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"السلطة" تسيء تقدير موقع الحريري وحركته في بيروت وخارجها

بعدَ أيّام قليلة بدا خلالها انّ الاعلان عن توافق المشاركين في لقاء بعبدا الرباعي على اعتماد القضاء دائرة انتخابيّة في كلّ لبنان، أشبه بـ"مناورة"، عادَ التوجّه نحو القضاء ليبدو من جديد خياراً لـ"السلطة" بـ"قرار" سوري. فها هو رئيس الحكومة عمر كرامي يعلن انّه لا يمانعُ في القضاء، وها هو وزير الداخلية سليمان فرنجيّة يؤكّد انّ مشروعه الى مجلس الوزراء مبني على أساس القضاء.
وثمّة سؤال تطرحُه الأوساط السياسية في هذا المجال: لماذا تتّجه "السلطة" بقرار سوريّ نحو اعتماد القضاء دائرة انتخابيّة طالما انّ القضاء هو مطلبٌ للمعارضة؟. وعن هذا السؤال تجيب الأوساط بالآتي:
أوّلاً ـ جرى ويجري تقديم القضاء من قِبل "السلطة" على انّه "بيعة" للبطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير للإيحاء بأنّ الحوار السوريّ ـ عبر موفدين ـ مع بكركي يتقدّم ويحقق نتائج من جهة وفي محاولة لـ"تبريد همّة7-7- البطريرك في انتقاد قانون الانتخاب خاصّة خلال جولته الخارجيّة الحالية التي تشكل باريس محطّتها الرئيسيّة من جهة ثانية. ومن هنا، فإن التراجع عن الوعد بالقضاء أكثر تكلفة من عدم البتّ به أصلاً.
ثانياً ـ تفترضُ "السلطة" انّها عبر السير بالقضاء انّما تخفّف عن نفسها الضغط داخلياً وخارجياً، أي انّها تفترضُ انّ المعارضة سوف "تفترُ" همّتها ان هي نالت القضاء فتتوقّف معركتُها بشقّها الآخر المتعلّق بمرجعيّة الاشراف على الانتخابات والمطالب بتغيير الحكومة الحالية، كما تفترضُ انها اذ تنال "علامة حسنة" في القانون تتجنّب "العلامة اللاغية" في امتحان الاستحقاق الانتخابي ككلّ و"تبلف" الرقابة الدولية تالياً.
ثالثاً ـ وفي معلومات متداولة عن تفكير "السلطة" ومركز قرارها الدمشقي، ان القضاء في كلّ مكان من لبنان سوف يكون ساحة صراع بين أطراف المعارضة، بين "التقليديين" منهم في المعارضة وبينهم وبين الروافد الآتية الى المعركة الانتخابية بقوّة هذه المرّة (كتياري العماد ميشال عون و"القوات اللبنانية" مثلاً).. وحتّى في بيروت التي يعطي مشروع الوزير فرنجية دائرة للمسيحيين فيها، سيحصل صراع بين التيارات المسيحية يمكن ان "يزمط" معه مسيحيون سلطويون، كما تظن "السلطة".
رابعاً ـ وفي المعلومات نفسها ان "السلطة" المرغمة على التكيّف مع حقيقة ان حجم المعارضة سيزيد في المجلس النيابي المقبل، تظنّ ان هذه الزيادة في حجم المعارضة ستبقى "تحت السيطرة"، وذلك على قاعدة ان التغيير (عبر القضاء) سيأتي من ضمن حصّة المعارضة في الأقضية المرجّح فوزها فيها من ناحية وعلى أساس ان اختراقات المعارضة ستكون محدودة في أقضية أخرى من ناحية ثانية، وعلى فرضية ان صداماً سيقع لا محالة بين المعارضة والعائلات السياسية في عدد آخر من الأقضية ثالثة.
خامساً ـ وفي المعلومات نفسها أيضاً ان "السلطة" تخطئ في تقدير موقف الرئيس رفيق الحريري. فهي تريد "تحجيمه" كما تقول، والمشروع المعد من فرنجية الذي يقسم بيروت الى ثلاث دوائر خلافاً لقانون العام 1960 ولقانون العام 2000 معاً، يحقق هذا الهدف من وجهة نظر "السلطة". وتضيف المعلومات أن هذا "المشروع" حتى بعد إقراره في مجلس الوزراء سيكون مادة للضغط على الرئيس الحريري، فامّا أن يعدل جزئياً في الدائرتين الثانية والثالثة منه لقاء عدم خوض الحريري المعارك الانتخابية في أقضية أخرى خارج بيروت، وإما أن يستبقى على ما هو عليه في حال كان قرار الحريري مغايراً لما تشتهيه "السلطة".
سادساً ـ وتحسب "السلطة" ومركز قرارها أن إطلاق النفير في صفوف الموالاة سيجمع قوى هذه الموالاة تلقائياً، لا بل أكثر من ذلك، هي تأمل أن تحقق ائتلافات انتخابية بـ "القوة" وبأي ثمن في أقضية معينة، وتأمل منع أفرقاء في أقضية حساسة من الانضمام الى المعارضة، كما في طرابلس مثلاً حيث تتطلع الى ضم "التكتل الطرابلسي" الى الرئيس كرامي.
سابعاً ـ على أي حال، واذا كان لا يمكن القول أن موقف رئيس المجلس النيابي نبيه بري نهائي حيال القضاء، لأن معظم الآراء التقت على اعتبار أن اعتراضه على الكلام عن توافق بشأن القضاء انما هو لتأكيد دور مجلس النواب في آلية إنتاج قانون الانتخاب بالدرجة الأولى، فان المجال لا يزال مفتوحاً لـ "الانقلاب" على القضاء في المجلس، ويمكن لـ "السلطة" عندئذ أن تدعي أن "اللبننة" انتجت هذا القانون أو ذاك على غرار ما حصل مع "اللبننة" في الاستحقاق الرئاسي، ، كما أن المجال مفتوح لـ"مفاوضات" تحت الضغوط لرسم المشهد الانتخابي قبل الذهاب الى الانتخابات. هذا مع العلم ان معظم المراقبين يقدرون أن اعتماد القضاء هو "التنازل الاضطراري" الذي تقدم عليه "السلطة" ومركز قرارها للالتفاف على تنامي المعارضة من جهة وللالتفاف على المراقبة الدولية من جهة أخرى.
واذا كان ما تقدم يمثل بنقاطه المختلفة الجواب عن سؤال: لماذا تسير "السلطة" بالقضاء طالما أنه مطلب للمعارضة؟ فان مصادر معارضة تتوقف في المقابل عند عدد من النقاط التي تراها رئيسية:
1 ـ أن المعارضة الملتقية في إطار "البريستول" وحول وثيقته، تقدر تماماً أن للرئيس الحريري خصوصيته في الاعتراض والمعارضة. لكن المعارضة بحسب مصادرها والتي تعرف أن الحريري قريب منها ولو أن علاقته بالمعارضة لا تزال حتى الآن مركزة في علاقته بالزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط، تعرف أيضاً ان حسابات "السلطة" تجاهه خاطئة كلياً. ذلك أنه لن يقبل في أي حال من الأحوال أن يحيّد قوة تياره عن الانتخابات في جميع الأقضية التي له نفوذ فيها، ولن يقايض مكاناً بمكان آخر، وقد سبق لمسؤولي "تيار المستقبل" أن أعلنوا أن "التيار" سيخوض الانتخابات في كل مكان.. وهذا فضلاً عن ان الخطاب السياسي للحريري معارض "على طريقته" كما يكرر جنبلاط باستمرار.
2 ـ وإذ تشدد مصادر المعارضة على أن "السلطة" ستفشل مرة أخرى في دق إسفين بين الحريري والمعارضة، لأن هذه "السلطة" تستهدفه كما تستهدف سائر المعارضة، ولأن معركة المعارضة سوف "يحسمها" الحريري، بمعنى أن "أمل" المعارضة في الحصول على أكثرية المجلس النيابي المقبل قائم على الموقع المعارض لرئيس الحكومة السابق.. تؤكد مصادر المعارضة ان الحريري أحسن بتأكيد عدم اعتراضه على وجود دائرة مسيحية في بيروت. وتعتبر هذا الموقف ليس فقط انسجاماً مع موقف المعارضة، انما هو أيضاً محفز للمعارضة على مشاركة الحريري في معارضته للتقسيم المقترح للعاصمة في مشروع وزير الداخلية، لا بل تعتبر ان اعتراضه على تشكيل الدائرتين الثانية والثالثة في "المشروع العجيب" يمثل إدانة مسبقة للسلطة التي وبالرغم من محاولاتها الظهور بمظهر "عادل" تقع بسرعة في "شر أفعالها".
3 ـ وتؤكد المصادر المعارضة أن سلطة مغفّلة تحسب ان اعتماد القضاء يمكنها من "خبط" المعارضين ببعضهم، وتحسب أنها تستطيع أن تضغط على الرئيس الحريري و"تحجّمه" وأن تحيّده عن معارك انتخابية في عدد من الأقضية خارج بيروت، ان سلطة مغفّلة على هذا النحو، تخطئ بلا شكّ في تقدير المدى الذي تستطيع المعارضة أن تذهب إليه في معركتها وفي توحّدها. وهذا الأمر بالتحديد مبنيّ في حسابات المعارضة على ان هذه الانتخابات ذات منسوب سياسيّ عال جداً، وهذا معنى تشديد الرئيس الحريري في حديثه أمام عائلات بيروتية في فندق "ريفييرا" على أن "كل صوت في "هذه" الانتخابات سيقرر مصير الوطن وسيادته واستقلاله". وتعلن حرصها على أن تخوض "هذه" الانتخابات ليس بأفق تحسين موقعها في المجلس النيابي أو زيادة حصتها فقط، بل بأفق يمكّنها من تعديل توازن القوى مما يتيح وضع اليد على "الازمة السياسية" لوضعها تالياً على سكة المعالجة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00